كثيرا ما يتردد على أسماعنا، في الحديث عن الحركة الإسلامية، أن هذه الأخيرة لا مشروع لها، ولا تمتلك تصورا حول المجتمع. نسمع هذا من خلال تصريحات تبثها وسائل الإعلام المرئية -التي أصبحت حكرا على صنف من الناس- لأشخاص نصبوا أنفسهم أوصياء على الديمقراطية، يدخلون في دائرتها من شاءوا، ويخرجون من شاءوا !

لا أريد في هذه السطور الخوض في المشروع الإسلامي، ولكن أريد أن أناقش بعض “المناضلين” عن حقيقة امتلاكهم لمشروع مجتمعي، بعبارة أخرى، هل يتوفر لدى أولئك المدعين ما لا يتوفر عند الحركة الإسلامية حسب رأيهم؟

استمرارا في ذلك التعامل السياسوي مع مختلف القضايا، حتى وإن كانت في حجم المشروع المجتمعي، أصبحت جل الأحزاب المغربية تلوح بين الفينة والأخرى أن لها مشروعا مجتمعيا، فيكفي أن تطلق عبارة “مشروعنا المجتمعي …” في الهواء، أو تكرر لفظيا في البرامج الانتخابية، ليدل ذلك -حسب منطقهم- على أن الشخص أو الحزب السياسي يملك مشروعا مجتمعيا، دون أدنى تدقيق حول ماهية هذا المشروع، وحول خصائصه وشروطه.

هذه الخصائص التي إن بحثنا عنها لا نجد لها سبيلا عند جل الأحزاب السياسية، فالمقومات النظرية للمشروع المجتمعي لا تتوفر في نداءاتهم، وبالأحرى أن يطبع ذلك المشروع بطابع خاص، وسمات مميزة. فنداءاتهم إن كان لها من مضمون فهي ليست إلا تعديلات أو تقويمات جزئية، وفي أحسن الأحوال لا تتعدى كونها برامج انتخابية، وهناك فرق كالطود قائم بين البرنامج الانتخابي والمشروع المجتمعي.

في مفهوم المشروع المجتمعي

بالنظر إلى بعض تعريفات المشروع المجتمعي يمكن صياغة تعريف جامع بكونه -أي المشروع المجتمعي- عبارة عن نسق من التصورات التأسيسية حول الإنسان والكون وما يرتبطان به من وجود وحرية ومصير … وتنتج عن هذه التصورات التأسيسية أفكار قابلة للتطبيق في مختلف المجالات.

وهذا النسق بمستوييه العام والخاص تحتضنه حركة اجتماعية بهدف إحداث تغيير جذري للنظام الاجتماعي القائم.

من هذا التعريف المختزل يمكن استنتاج أربع خصائص للمشروع المجتمعي هي:

1. الشمولية: فالنسقية بمعنى التداخل والتفاعل لا تتحقق إلا بالنظرة الشاملة، وذلك على المستوى العمودي بحيث تشمل علاقة التصورات التأسيسية بالتصورات الفرعية، وعلى المستوى الأفقي بحيث تشمل العلاقة بين مختلف المجالات، العقدية والفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأخلاقية … وهذه الشمولية لا تتحقق إلا بوحدة المرجعية.

2. هدف التغيير الجذري: المشروع المجتمعي يكون بهدف تغيير النظام الاجتماعي القائم، وليس مجرد تعديله أوتقويمه.

3. القابلية للتطبيق: من المفترض في المشروع المجتمعي أن يجيب عن تساؤلات كبرى حول طبيعة الاجتماع، وشكل الاقتصاد، ونمط النظام السياسي … ويتوخى من تلك الإجابات تغيير المجتمع، ولن يتأتى ذلك إلا إذا كانت تلك الإجابات قابلة للتطبيق، وليست عبارة عن أفكار مجردة.

ومن أهم ضمانات تطبيق المشروع المجتمعي احتضانه من طرف حركة اجتماعية، لها فكر موجه يستند إلى مرجعية واضحة، وتنظيم جامع، وطليعة تقود، وامتداد شعبي.

4. المستقبلية: بعض الناس يصفون الواقع الحالي بأنه مشروع مجتمعي، فهناك من يصفه بأنه مشروع مجتمعي ديمقراطي حداثي، وهناك من يصفه بأنه مشروع مجتمعي من نوع آخر. ودون الخوض في نقاش تلك التوصيفات يمكن الاعتراض نظريا على وصف ما هو قائم بالمشروع المجتمعي.

إن المشروع المجتمعي بعد تطبيقه يصبح نظاما اجتماعيا، وليس فقط مجرد مشروع، فالمشروع المجتمعي هو ذلك النسق الاجتماعي الذي يراد بناؤه مستقبلا بعد نقض النسق الاجتماعي القائم.

بعد هذا التعريف المقتضب للمشروع المجتمعي، ولخصائصه، أتساءل: هل يمكن أن تتوفر الأحزاب السياسية المغربية بشكلها الحالي على مشروع مجتمعي؟

الأحزاب المغربية وسؤال المشروع المجتمعي

أكد الأستاذ محمد سبيلا، في إحدى المقالات الافتتاحية، لجريدة الاتحاد الاشتراكي تحت عنوان: “حول مسألة المشروع المجتمعي”1 أن الحديث عن مشروع مجتمعي أقرب ما يكون إلى المزايدات اللفظية، أو المبارزات الإيديولوجية، وذهب إلى أن إعداد مشروع يعد عملية في غاية العسر والتعقيد، وحتى في حالة إعداد ذلك المشروع البديل، فإن لتغيير المجتمع حدودا “أبرزها فشل التدخلات المضادة لطبيعة المجتمع، وحدود كل نزعة إرادية في صناعة المجتمع وصناعة التاريخ” لينتهي إلى أن تحويل المجتمع يتطلب تحويل الإنسان، وتغيير نفسيته، وسلوكه وضوابطه، وعلاقته مع الآخرين… وهي، في اعتقاده، بنيات أنتربولوجية قارة، وليست وصفات جاهزة يستطيع أي “مشروع مجتمعي” مزعوم زحزحتها !وبالتالي فالحكمة السياسية تطلب الاكتفاء بالحديث عن إصلاحات وتعديلات وتقويمات في النظام الاجتماعي أكثر مما تتطلب المزايدة حول “المشروع المجتمعي” المزعوم.

هكذا يؤكد أحد الأطر الفكرية لحزب الاتحاد الاشتراكي، وخلافا للادعاءات السياسوية من طرف الأحزاب بامتلاك مشاريع مجتمعية -والتي ظهرت بشكل ملفت للنظر في الانتخابات التشريعية الأخيرة- أنه لا مجال للحديث عن مشروع مجتمعي بمبرر حتمية النظام الاجتماعي القائم !.

ولعل التجربة الاشتراكية للكاتب جعلته ييأس من تغيير المجتمع بسبب “فشل التدخلات المضادة لطبيعة المجتمع” !. لكن من قال أن المشروع المجتمعي يتطلب تدخلات مضادة لطبيعة المجتمع؟ فحسب وجهة نظر خاصة، وعلى عكس من ذلك، فإن أهم ما يضمن للمشروع المجتمعي تطبيقه هو انسجامه مع طبيعة المجتمع. ولعل فشل المشاريع الاشتراكية في المجتمعات المسلمة سببه الأول يكمن في التناقض مع طبيعة هذه المجتمعات.

إن الذي يعرف حقيقة الأحزاب السياسية المغربية عن قرب يوقن أنه لا مجال للحديث عن امتلاكها لأي مشروع مجتمعي، وذلك لعدة اعتبارات أذكر منها:

1. اشتغال مختلف الأحزاب السياسية المغربية من داخل النسق السياسي والاجتماعي القائم وليس من خارجه.

2. تهدف هذه الأحزاب من العمل السياسي إلى إضافة بعض التغييرات والتقويمات لما هو قائم وليس التغيير الجذري له.

3. لا يتوفر في الأحزاب المغربية، سواء منفردة أو من خلال بعض تكتلاتها، وصف الحركة الاجتماعية، وذلك ليس فقط بالنظر إلى مجال الاشتغال والأهداف المنشودة، ولكن بالنظر أيضا إلى الوضوح الفكري والقدرة التنظيمية والاستقلال المالي والامتداد الشعبي.

بعد هذا التوضيح يتأكد أن حديث الأحزاب المغربية عن امتلاكها لمشروع مجتمعي لا يتعدى كونه مزايدات لفظية ومبارزات إيديولوجية فعلا. لكن ذلك لا يعني حتمية النظام الاجتماعي والسياسي القائم، واستحالة ظهور مشروع مجتمعي، كما ذهب إلى ذلك الأستاذ سبيلا. بل يمكن صياغة مشروع مجتمعي، والعمل علىتطبيقه، شريطة أن يكون ذلك بعيدا عن الظاهرة الحزبية، في تمثلها الحالي، وبعيدا عن الشروط المتوافق حولها.

1 لا أذكر تاريخ نشر المقال بالتحديد ولكني أحتفظ بنسخة منه.