في الوقت الذي يتفرج فيه العالم كله على القواتِ الأمريكية البريطانية الصهيونية وهي تتوغل في أرض العراق محتلّـةً غازيـةً، تقتل، وتحرق، وتدمر، وتخرب، وتُجوّع، وتحاصر-

وفي الوقت الذي يتنادى فيه أحرار أمتنا، وفي طليعتهم العلماءُ ورثةُ الأنبياء، من أجل التعبئة وإحياء روح الجهاد والمقاومة والاستشهاد، ومن أجل حماية الدين والوطن والكرامة-

في هذا الوقت الذي يُذبَّح فيه العراق على مرأى ومسمع من العالم خارج أي قانون أو قرار دولي، وفي هذا الوقت الذي يدعو فيه كل شيء من حولنا إلى القيام لنصرة الأخ المظلوم، وتحرير الأرض، والدفاع عن المقدسات وعن قيم العدل والمساواة والتعاون بين الأمم والشعوب-

في هذا الوقت العصيب، بكل ما في الكلمة من معنى، تقوم دولتُنا المخزنية بحشد كل إمكانياتها لتسويغ موقفها المخزي الذليل الذي اتخذته إزاء هذا العدوان الظالم على العراق.

لقد سلكت الدولة من أجل فرض موقفها المستسلم المذعن المتوَلّي أمام العدو المعتدي المجرم مختلف المسالك، ومنها مسلك استغلال الدين، حيث عمدت إلى تعبئة كل من يقع تحت يديها من علماء وخطباء ووعاظ، وإبلاغهم تعليمات صارمة تقضي، في جوهرها، بالعمل في سبيل بث قيم الانهزام والاستسلام، وتصوير ما يقع في العراق على أنه أمر لا شأن للمغاربة به، وتقديم موقف الدولة الرسمي على أنه هو الموقف الصائب الذي ينبغي اتباعه.

لقد صدرت التعليمات إلى وزارة الأوقاف ومن يتبعها من علماء الإسلام الرسمي المأجورين، من أجل تفسير موقف التخاذل والانحطاط الذي اتخذه النظام المخزني تجاه العدوان المشتد على العراق العربي المسلم بأنه موقف الجماعة التي تأتمر بأمر أمير المؤمنين، وأن كل معارضة أو مخالفة أو رفض أو تشكيك لن يكون إلا خروجا على الجماعة وتحريضا على الفتنة ومسا بالأمن والنظام.

وقد تضمنت هذه التعليمات المخزنية أن يقوم ديدان القراء بالتزوير والتضليل والتخدير واللعب بالنصوص القرآنية والحديثية- بئس ما يفعلون- وتبرير الغاية التي يسعى إليها حكامنا المتخاذلون المنهزمون، وهي أن الإسلام، وفي هذا الوقت العصيب بالذات، لا علاقة له بالجهاد والمقاومة والاستشهاد، وإنما الإسلام هو دائما- كما يفهمه الجهال من حكامنا- دين المحبة والسلام والتسامح والدفع بالتي هي أحسن وإن غُزيت أرضه وسُلبت حقوقه، وانتُهكت حرماته، وأُهين أهله، وقُتل أطفاله ونساؤه وشيوخه، واستُغلت ثرواته.

باختصار، التعليمات المخزنية تقضي بعدم إدانة العدوان على العراق، وعدم إثارة مشاعر المسلمين ضد العدو الغازي المجرم، وعدم تعبئتهم من أجل النهوض في وجه الانحطاط والاستسلام والعار الذي يمثله حكامنا الظالمون المستبدون، وعدم التعبئة من أجل مواقف عملية للوقوف مع الأخ الشقيق المظلوم، ولو بأقل الأعمال، كقطع العلاقات الديبلوماسية مع العدو ومنعه من استخدام ممراتنا الجوية والمائية، والتعاون مع الدول الشقيقة والصديقة من أجل موقف دولي، أو إقليمي على الأقل، يدين العدوان ويدعو لوقف عمليات الغزو والقتل والتدمير والرجوع إلى ميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي على ما في هذه القوانين وذلك الميثاق من حيف وغبن.

التعليمات تقضي أن نسكت عن مناصرة العراق المظلوم، وأن نتركه لمصيره، إن لم نطعنه في الخلف، وأن يكون كل كلامنا- كما تريد أمريكا- محصورا في المسألة الإنسانية وكيف نجمع التبرعات لمساعدة الشعب العراقي في محنته، وكأن الأمر لا علاقة له بالدين والأمة وواجب نصرة المظلوم.

التعليمات تقضي ببث خطاب “إسلامي” مخزني رسمي، ملخصه أن كل سلوك تشتم منه رائحة المقاومة والرفض والاحتجاج هو تمردّ وفتنة وعصيان وخروج على ولي الأمر.

قبّح الله سعيكم أيتها الديدان الحقيرة، وخاب ظنكم، بإذن الله، أيها الحكام المستبدون.

وبعد، فتنفيذا للتعليمات المخزنية صدرت عدة مذكرات للعلماء والوعاظ وخطباء الجمعة تلقنهم كيف يتعاملون مع هذا الوضع من أجل تحييد الشعب إزاء معركة هي جزء من معركة أمته، بل هي معركة تعنيه في الصميم، لأنها معركة الدين والوطن والكرامة، وترسيخ ثقافة الهزيمة والاستسلام والانقياد.

ولإشراك زوارنا الكرام في الاطلاع على مضمون هذه “المذكرات” التي تركب ظهر الإسلام- والإسلام من فعلها بريء- لفرض الخضوع والخنوع والتسليم بالأمر الواقع، ننشر مع هذا المقال مذكرتين، إحداهما صادرة عن رؤساء المجالس العلمية، والثانية عن المجلس العلمي لولاية مراكش، وهي عبارة عن توجيهات إلى خطباء الجمعة والوعاظ بالمساجد.

وسننشر، قريبا إن شاء الله، مواقف لعلماء آخرين في بعض القطار الإسلامية تفضح هذا الحضيض الذي تردّى فيه ديدان القراء(علماء السوء) في المغرب الأقصى حين باعوا استقلالهم وضميرهم، وفرّطوا في أمانتهم، وقبلوا، عن طواعية، أن يكونوا أدوات مسخرة لخدمة التزوير والتضليل والاستبداد والانحطاط.