حدّدت الولايات المتحدة مصالحها الإستراتيجية في الشرق الأوسط في اعتبارين ، تأمين إمدادات النفط بأسعار معقولة ، و حماية أمن (إسرائيل) ، و بنت استراتيجيتها تجاه المنطقة على أساس أن تعرّض أي منهما – إمدادات النفط و أمن (إسرائيل) – لأزمة ما أو تهديد سيكون كفيلاً بدخول الولايات المتحدة الحرب دفاعاً عن أي منهما .

و الأزمة مع العراق بالنسبة للولايات المتحدة تخصّ عنصري استراتيجيتها في المنطقة ، ففي أزمة العراق يوجد النفط ، و أمن (إسرائيل) أيضاً . فالولايات المتحدة ترى أن النظام العراقي يمثل خطراً على تدفق إمدادات النفط بأسعار معقولة إلى الأسواق العالمية ، كما أنها ترى أن النظام العراقي و ما يمتلكه من أسلحة دمار شامل ، بات يمثل تهديداً حقيقياً لأمن (إسرائيل) ، لا سيما أن العراق سبق أن قصف (إسرائيل) بالصواريخ إبان حرب الخليج الثانية ، و قبلها بفترة محدودة أطلق صدام حسين تهديداً بحرق نصف (إسرائيل) بالأسلحة الكيماوية.

و في هذا السياق تتجمّع أطراف خيوط الأزمة العراقية الراهنة و التي بسببها حشدت الولايات المتحدة القوات و استعدت ليس فقط لضرب العراق ، بل لتغيير النظام و الوجود المباشر على أراضيه و تنصيب نظام “عميل” ، و جعله بمثابة النموذج لباقي دول المنطقة .

فالأزمة العراقية تشهد تكثيفا للعوامل التي يقود كلّ واحد منها بالولايات المتحدة إلى اتخاذ قرار الحرب ، فهناك أولاً النفط ، و ثانياً أمن (إسرائيل) ، و ثالثاً الرغبة في تغيير نظم الحكم في المنطقة و تغيير الجغرافيا السياسية و أيضاً الثقافية رداً على سؤال لماذا أنتجت النظم العربية من قاموا باعتداءات الحادي عشر من سبتمبر . و قد يضيف البعض إلى هذه العوامل اعتبارات أخرى تتعلّق بطبيعة الإدارة الجمهورية الحالية و رغبتها في إعادة تشكيل خريطة المنطقة كجزء من عملية تغيير الخريطة الكونية لإتاحة الفرصة أمام الولايات المتحدة لممارسة دور “الإمبراطورية المهيمنة” على النظام الدولي ، و هو ما يستشف من الجدل الحاد مع الحلفاء و شركاء المعسكر – فرنسا و ألمانيا – على خلفية تباين الرؤى بشأن سبل تسوية الأزمة . و جوهر الخلاف يعود إلى أن الدول الأخرى و تحديداً فرنسا و ألمانيا و معهما روسيا من القوى الكبرى تتعامل مع الأزمة وفق بعدها الرسمي المعلن ، أي أسلحة الدمار الشامل العراقية ، بينما تتعامل واشنطن وفق رؤيتها النابعة من أجندتها الخاصة و التي تضم إضافة إلى ما هو معلن عن أسلحة الدمار الشامل ، تأمين إمدادات النفط ، أمن (إسرائيل) ، تغيير النظام العراقي ، بدء موجة تغيير للجغرافيا السياسية و الثقافية في العالم العربي.

هذا من ناحية الولايات المتحدة و القوى الدولية الكبرى ، أما من ناحية (إسرائيل) ، فالقضية مختلفة ، و في هذا السياق تعد (إسرائيل) الطرف الإقليمي الأول الذي يرى في ضرب العراق مصلحة استراتيجية له ، و لا تتوقف النظرة (الإسرائيلية) عند حدود إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية أو تغيير النظام العراقي ، بل تتجاوز ذلك كثيراً و تدخل في نطاق الرؤية الاستراتيجية لما بعد التغيير و وضع تصوّرات تقول إن النظام الجديد في العراق ، سوف يدخل منظومة التسوية السياسية كفاعل رئيسي ، حيث سيوافق على صيغة التسوية السياسية القائمة ، و يدخل أيضاً طرفاً في تنفيذها عبر تحويل العراق إلى أحد أبرز ساحات التوطين كجزء من تسوية البعد الأصعب في معادلة التسوية السياسية و هو قضية اللاجئين .

و رغم أن كافة الحسابات (الإسرائيلية) تصب في اتجاه التأكيد على أن ضرب العراق و تغيير النظام ، سوف يصب في مصلحة (إسرائيل) بالكامل ، فإن هناك مؤشرات تفيد أن (إسرائيل) تتخوّف من بعض عواقب التدخل العسكري في العراق ، حيث ستصبح قضية أسلحة الدمار الشامل مطروحة على البساط ، و تتعرض (إسرائيل) لضغوط حقيقية من أجل إخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل لأن استمرار (إسرائيل) باعتبارها الدولة النووية الوحيدة في المنطقة و التي تحوز كافة أنواع أسلحة الدمار الشامل ، سوف يسبب حرجاً شديداً للسياسة الأمريكية ، و الأهم ، أنه سيكون حافزاً لقوى إقليمية عديدة كي تسعى لمعادلة أسلحة الدمار الشامل (الإسرائيلية) .

و حتى تتضح لنا أبعاد تداعيات ضرب العراق على (إسرائيل) ، و حدود المكاسب (الإسرائيلية) من جراء ذلك ، سوف نتناول أولاً الرؤية (الإسرائيلية) للعراق و لتغيير النظام ، و نتناول بعد ذلك التأثيرات المتوقعة لضرب العراق على (إسرائيل) من زاوية منظور حسابات المكسب و الخسارة .

الرؤية (الإسرائيلية) للعراق :

بدا واضحاً من متابعة التناول (الإسرائيلي) لملف الأزمة العراقية أن قضية ضرب العراق و إن كانت تمثل مصلحة أمريكية ، فإنها مثّلت أيضاً مطلباً (إسرائيلياً) مستمراً لاعتبارات تتعلق برؤية كل منهما لمصالحهما في المنطقة . و بدا واضحاً أيضا أن هناك مساحة كبيرة من التلاقي بين الرؤيتين الأمريكية و (الإسرائيلية) . في نفس الوقت هناك مساحة خارج منطقة التلاقي و تمثل مصالح ذاتية لكل منهما تضيف أسباباً خاصة لدى كل منهما لتوجيه ضربات عسكرية للعراق و إسقاط النظام .

و يجد الموقف (الإسرائيلي) من العراق أساسه في التقدير (الإسرائيلي) الذي يرى أن النظام العراقي يحمل رؤية راديكالية تجاه الصراع و التسوية السياسية في الشرق الأوسط ، فالعراق شكّّل قلب “جبهة الصمود و التصدّي” التي رفضت مبادرة السادات بزيارة القدس و تصدّت لمعاهدة السلام المصرية (الإسرائيلية) لعام 1979 ، كما أن العراق قاد عملية عزل مصر عن النظام العربي ، و العزل هنا كان “عقاباً” على الصلح و التسوية المنفردة .

و ارتباطاً بذلك نظرت (إسرائيل) باستمرار إلى النظام العراقي على أنه يقع ضمن معسكر الدول العربية التي ترى الصراع مع (إسرائيل) “صراع وجود” ، و من ثم فالحل يكون عبر السلاح و ليس على مائدة المفاوضات .

و استغلت (إسرائيل) حالة التمزّق التي مر بها العالم العربي ، فقامت في يونيو 1981 بتدمير المفاعل النووي العراقي ، و أعقبت ذلك بغزو لبنان ، إذ إن أجواء الانقسام العربي قد شجّعت تل أبيب على القيام بأعمال عسكرية في أنحاء مختلفة معتمدة على عدم تصوّر بلورة رد فعلٍ عربي متماسك على غرار ما جرى بعد 1967 أو ضمن الاستعداد لحرب أكتوبر .

و بطبيعة الحال فإن (إسرائيل) شعرت بدرجة أعلى من التهديد من ناحية الشرق بعد قيام الثورة الخومينية في إيران ، فبموجب هذه الثورة تحوّلت إيران من حليف استراتيجي إلى عدو إيديولوجي ، إذ إن الثورة استولت على مقر السفارة (الإسرائيلية) في طهران و سلّمته لمنظمة التحرير الفلسطينية لتستخدمه كسفارة لدولة فلسطين .

من هنا كانت (إسرائيل) صاحبة المصلحة الرئيسية في اندلاع الحرب العراقية الإيرانية ، فالحرب كانت في المحصلة النهائية بين عدوين لـ (إسرائيل) و إنهاكهما معاً يمثل مصلحة (إسرائيلية) عليا . و لذلك لم يكن مستغرباً أن تلجأ (إسرائيل) إلى إمداد إيران بالسلاح عبر وسطاء في مرحلة كانت ترمي من ورائها إلى إطالة أمد الصراع و زيادة معدلات التدمير المتبادل ، و هو ما تجسّد فيما عرف بفضيحة “إيران جيت” .

و مرة ثانية جاءت الفرصة لـ (إسرائيل) للتخلص من القدرات العسكرية العراقية و ذلك عندما أقدم العراق على غزو الكويت في الثاني من أغسطس 1990 ، فقد كانت (إسرائيل) صاحبة مصلحة في عدم تسوية الأزمة سلمياً و بعيداً عن الإطار العربي أيضاً فإن إقدام العراق على الربط بين قضيتي الكويت و فلسطين قد سبب نوعاً من الارتباك للسياسة الأمريكية التي كانت تهدف إلى بناء تحالف دولي لحسم الموقف عسكرياً .

يضاف إلى ذلك قيام العراق بعد بدء هجوم قوات التحالف بإطلاق مجموعة من الصواريخ من “طراز سكود” على المدن (الإسرائيلية) ، فرغم أن الأثر التدميري لهذه الصواريخ كان محدوداً للغاية ، فإن الأثر النفسي على الجانبين العربي و (الإسرائيلي) – و تحديداً المجتمعي- كان عالياً للغاية ، فللمرة الأولى منذ انتهاء حرب 1948 تتعرّض مدن (إسرائيلية) للقصف و يقضي (إسرائيليون) ساعات طويلة في المخابئ خشية التعرّض لهجوم من الخارج .

من هنا بدا واضحاً أنه رغم محدودية التأثيرات العملية للقصف العراقي لـ (إسرائيل) ، فإن تداعياته السياسية و النفسية كانت كبيرة للغاية لا سيما أن (إسرائيل) مُنعت من الرد بضغوط أمريكية حتى لا يتسبب الرد في تفكيك الائتلاف الدولي الذي يخوض الحرب ضد العراق ، و هكذا اضطرت (إسرائيل) إلى عدم الرد و ركزت فقط على جني أكبر قدر ممكن من المكاسب نظير عدم الاشتراك المباشر في العمل العسكري ضد العراق ، و في نفس الوقت كانت على قناعة تامة بأن القوات الأمريكية سوف تتولى تحقيق أقصى ما يمكن أن تطمح إليه (إسرائيل) من تدمير القدرات العراقية و نزع قدرات العراق العسكرية لا سيما فيما يخص أسلحة الدمار الشامل و وسائل توصيلها .

و جاء الرفض العراقي لمؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط و الذي عُقد في 30 أكتوبر 1991 ، ليضع العراق على قائمة القوى الموصوفة أمريكياً بالعداء لعملية السلام . أيضاً فإن مواصلة العراق رفض إفرازات هذه العملية ممثلة في اتفاق أوسلو ، جعل الولايات المتحدة تتعامل مع العراق باعتباره أحد أبرز القوى المعارضة لعملية السلام في الشرق الأوسط ، و هو الموقع الذي تشترك فيه إيران أيضاً و الذي تجلّى بوضوح في ضم الولايات المتحدة العراق و إيران إلى ما أسمته محور الشر في العالم ، و هو المسمى الذي يجمعهما مع كوريا الشمالية فقط ، أي أن واشنطن تقصر محور الشر على ثلاث دول فقط .

و طوال مرحلة التفاوض العربي (الإٍسرائيلي) ، حرص العراق على تأكيد موقفه المعارض لهذه العملية ، و بدأ نوع من الانفتاح على سوريا لا سيما بعد تأزم المفاوضات السورية (الإسرائيلية) . و تجلّى الموقف العراقي من عملية التسوية السياسية التي تنفرد واشنطن برعايتها و هندستها ، في الدعم السياسي و المالي الذي تقدّمه بغداد للشعب الفلسطيني على خلفية دعم صموده بعد اندلاع انتفاضة الأقصى في الثامن و العشرين من سبتمبر عام 2000 . فقد كان العراق في طليعة الدول العربية التي بادرت بالتبرع لدعم الانتفاضة ، بل و بادرت بالتبرع المالي لدعم أسر “الشهداء” ، و هو ما اعتبرته واشنطن و تل أبيب دعماً “للإرهاب” .

تداعيات الحادي عشر من سبتمبر :

مثَلت اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر 2001 فرصة نموذجية للولايات المتحدة الأمريكية من أجل تصفية الحسابات مع نظم حكم عربية رأت أنها لم تكن متعاونة على النحو الذي تطلبه و ترضاه . و منذ الوهلة الأولى لوقوع اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر ، حرصت (إسرائيل) على الزج باسم العراق محاولة الربط بين العراق و هذه الاعتداءات بأي طريقة . و في هذا السياق ، حدث نوع من التلاقي الأمريكي (الإسرائيلي) ، فالولايات المتحدة الأمريكية سعت عبر التأييد الذي حصلت عليه بعد هذه الاعتداءات إلى استغلال الموقف للانتقال من الرد على الاعتداءات إلى تنفيذ الأجندة الخاصة بالسياسة الخارجية الأمريكية في مناطق شتى من العالم .

و بخصوص الشرق الأوسط و في ضوء تحديد أولويات السياسة الخارجية الأمريكية في بعدي “النفط و أمن (إسرائيل)” ، فقد سعت واشنطن إلى استغلال هجمات الحادي عشر من سبتمبر من أجل القيام بعمل عسكري ضخم يقود إلى تغيير النظام في العراق و تسليم السلطة لنظام جديد موالٍ للغرب و للولايات المتحدة تحديداً ، و دفع النظام الجديد إلى الاعتراف بـ (إسرائيل) و ربما تبادل العلاقات الدبلوماسية معها ، و هو أمر يحقّق البعدين الرئيسيين للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط و هما ضمان تدفق إمدادات النفط بأسعار “معقولة أمريكياً” ، و ضمان أمن (إسرائيل) .

(إسرائيل) من جهتها عملت على الاستفادة من مساحة المشترك مع السياسة الأمريكية ، فما يهمها البعد الثاني المتعلق بأمنها و إقامة علاقات دبلوماسية مع النظام الجديد في العراق ، فتحقق هذا الأمر يعني لـ (إسرائيل) تحقق الشق الأكبر من هدفها الرامي إلى “التطبيع” مع القوى الرئيسية في العالم العربي دون الارتباط بقضية الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة ، و بالتالي فخروج العراق من معادلة الصراع يمثل هدفها رئيسيا لـ (إسرائيل) .

و لكن الأهداف (الإسرائيلية) من وراء التحريض على ضرب العراق و تغيير النظام لا تتوقف عند هذه الحدود ، فـ (إسرائيل) لديها مساحة خاصة بها غير متطابقة مع الأجندة الأمريكية بالضرورة ، و يمكن أن نلاحظ بصفة عامة بشأن العلاقات الأمريكية (الإسرائيلية) و الشرق الأوسط ، أن السياسة الأمريكية أو الأجندة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط تتحدّد بالأساس وفق الرؤية (الإسرائيلية) بشكلٍ عام ، بمعنى أن هناك حالات قد تشهد الخلاف أو الاختلاف ، و لكن إجمالاً فإن السياسة الأمريكية تتحدّد تجاه الشرق الأوسط انطلاقاً من أخذ المصالح (الإسرائيلية) بعين الاعتبار ، و أنه في الكثير من الحالات عادة ما تتحمّل الولايات المتحدة وزر “تبني الرؤية (الإسرائيلية)” و أيضاً مساوئ و كوارث السياسة (الإسرائيلية) تجاه المنطقة . و يبدو واضحاً أيضاً أن شقاً رئيسياً إن لم يكن الشق الرئيسي في حالة العداء العربي العام للولايات المتحدة يأتي بسبب التبني الأمريكي للرؤية (الإسرائيلية) ، بل إن كافة الاتهامات التي توجّه للسياسة الأمريكية باتباع معايير مزدوجة تأتي من مقارنة التصريحات و المواقف الأمريكية عامة بتلك التي تعلنها و تتخذها الولايات المتحدة تجاه الصراع العربي (الإسرائيلي) .

من هنا فأهداف (إسرائيل) من وراء ضرب العراق تتجاوز الأهداف الأمريكية ، و هنا ندخل في سياق الرؤية (الإسرائيلية) تجاه المنطقة ككل و التي تنطلق بالأساس من الرغبة (الإسرائيلية) القديمة بتفتيت الكيانات الكبيرة في المنطقة . فـ (إسرائيل) عملت في مناسبات عديدة ، و سوف تعمل في المستقبل أيضاً على تفتيت الكيانات الكبيرة في الشرق الأوسط و تحديداً العالم العربي بهدف ضمان ممارسة دور الهيمنة و السيطرة الإقليمية و دفع المنطقة إلى حالة من عدم الاستقرار . و يبدأ هذا التصور في التحقق عبر تفتيت الكيانات الكبيرة في المنطقة . و عند النظر إلى قضية تفتيت الكيانات الكبيرة ، و هي فكرة محورية في رؤية و تصور آباء الحركة الصهيونية و فكر قادة الدولة العبرية ، نجد الحديث عن الظروف و المناسبات التي ينشط فيها العمل التفتيتي . و يمكن القول إن أوضاع ما بعد الحادي عشر من سبتمبر باتت تمثل أجواءاً مناسبة لعمل (إسرائيلي) و نشاط مكثف لتفتيت العراق ، و شطر السودان ، و المثالان غير بعيدين عن حالات أخرى تحتل مواقعها في التصوّر (الإسرائيلي) .

في هذا السياق أيضاً نجد ملامح لحملة (إسرائيلية) تروّج لمقولة إن الولايات المتحدة لن تتوقّف عند حدود العراق ، بل إن العراق سيكون فقط البداية و إن الحملة الأمريكية ستطال مصر و السعودية بعد ذلك ، و يستندون في هذا القول إلى أصوات أمريكية سبق لها أن تحدثت بوضوح عن احتمال دعم نشاط مكثف بهدف فصل الأجزاء الشرقية من المملكة العربية السعودية – المناطق النفطية – و إعلانها جمهورية بحماية أمريكية .

أيضاً هناك تسويق (إسرائيلي) لما يسمى أفكار أمريكية حول تغيير نظم الحكم في الدول “التي تقع في خانة محور الشر” و تحديداً إيران و العراق ، ثم الدول غير المتعاونة و المعادية لـ (إسرائيل) – مثل سوريا – و الدول التي كانت موصوفة بالاعتدال و تعتبر في معسكر الأصدقاء مثل السعودية و مصر ، و الحجة في ذلك حسب ما تقول مصادر (إسرائيلية) في الولايات المتحدة – أليكس فيشمان مراسل صحيفة يديعوت أحرونوت في واشنطن – “أن تنظيم القاعدة نشأ و ترعرع على كراهية الغرب بفعل النظم الاجتماعية و الثقافية و التعليمية القائمة في هذه البلدان” . و أضاف “فيشمان” نقلاً عن بروفيسور (إسرائيلي) قدّمه باعتباره خبيراً في شئون مكافحة الإرهاب ، و بعد جولة لهذا الخبير في الولايات المتحدة و مجموعة من الحوارات في وزارة الدفاع الأمريكية : “… من الممكن تلخيص موقفهم بعبارة واحدة .. إنهم يعتقدون أن العالم العربي هو عالم يضم متخلفين لا يفهمون سوى لغة القوة” .

من هنا فضرب العراق بالنسبة لـ (إسرائيل) لا يمثل نهاية المطاف ، بل بداية لعملٍ واسع النطاق يضمن استهداف الكيانات الكبيرة في العالم العربي ، و لذلك تعمل إسرائيل على نحو حثيث من أجل عدم تفويت الفرصة ، و تجتهد من أجل أن تصل الأزمة الراهنة حول العراق إلى عمل عسكري أمريكي . لذلك أبدت قيادات (إسرائيلية) عديدة رفضها لفكرة قبول العراق العودة غير المشروطة للمفتشين الدوليين ، و رأت أن القضية باتت تتطلب جهداً أمريكياً للقضاء على النظام العراقي و ضمان نزع أسلحة التدمير الشامل الموجودة لديه . لذلك بادر بنيامين نتنياهو قبل دخوله حكومة شارون ، إلى التأكيد على أهمية استمرار الولايات المتحدة في خطتها الهادفة إلى ضرب العراق و تغيير النظام لأنه لا شيء آخر يضمن تدمير أسلحة العراق المحظورة ، و لهذا السبب أيضاً بدأ بصفته وزيراً للخارجية (الإسرائيلية) جولة أوروبية في السابع عشر من ديسمبر 2002 ، شملت إيطاليا و فرنسا و بريطانيا و روسيا .

و من أجل وضع الولايات المتحدة في أجواء المواجهة ، واصلت الحكومة (الإسرائيلية) استعداداتها الشكلية لمواجهة تداعيات العمل العسكري الأمريكي على العراق ، فواصلت عمليات تطعيم المواطنين و توزيع الأقنعة …

من هنا يبدو واضحاً أنه في الوقت الذي تعمل فيه الولايات المتحدة على استغلال أي مشكلة في علاقة العراق بالمفتشين الدوليين من أجل توجيه ضربة عسكرية للعراق و تغيير النظام السياسي و تنصيب نظامٍ حليف يتواءم و المصالح الأمريكية في المنطقة ، و من بينها أمن (إسرائيل) ، فإن للأخيرة حساباتها التي ليست بالضرورة في تناقض مع الحسابات الأمريكية ، و لكنها تتعدى هذا الهدف المباشر و تصل إلى رؤية ترمي إلى تغيير خريطة المنطقة ككل بحيث تخلو من الكيانات الكبيرة ، و يبدو واضحاً أن شقاً رئيسياً من هذه الرؤية (الإسرائيلية) يتحقّق عبر إشعار العرب بهزيمة الانتفاضة و تغيير القيادة الفلسطينية ، على أساس أن ذلك يمثل هزيمة لتيار المقاومة و مقدمة لإقرار مبدأ تغيير الحكومات و النظم العربية التي يمكن أن تقول لا أو أن تقف في وجه تحقيق الرؤية الأمريكية (الإسرائيلية) مع التسليم بوجود فوارق بين الرؤيتين ، إلا أنهما ينطلقان من أرضية واحدة ، كما أن الأهداف المنشودة لا تتصادم .

ما بعد ضرب العراق .. مخاوف (إسرائيلية) :

ترى (إسرائيل) أن ضرب العراق و إزالة أسلحة الدمار الشامل منه ، و تغيير النظام ، تمثل مصلحة (إسرائيلية) عليا على أساس أن ذلك سوف يحقق الآتي:

1. إضعاف جبهة قوى “التشدد” في العالم العربي و التي تحمل رؤية قومية و تعارض عملية التسوية السياسية للصراع العربي (الإسرائيلي) .

2. إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية و تغيير النظام سيوصلان رسائل واضحة للدول العربية الأخرى بأن أي محاولة لامتلاك أسلحة دمار شامل ستواجه أمريكياً و يمكن أن يتكرّر نموذج العراق .

3. وجود نظام جديد في العراق يكون موالياً للولايات المتحدة الأمريكية يزيد من فرصة تجاوب هذا النظام مع الضغوط الأمريكية الرامية إلى انتزاع اعترافه بـ (إسرائيل) و إقامة علاقات دبلوماسية معها .

4. حدوث هذه التغيرات سوف يمهّد الطريق أمام دخول العراق عملية التسوية من أوسع أبوابها ، أي دخوله مشاركاً فاعلاً عبر المساهمة في تمرير و تنفيذ صفقات من هذه التسوية و تحديداً ما روّجت له كتابات (إسرائيلية) لفترة طويلة من أن العراق يمكن أن يساهم في تسوية مشكلة اللاجئين الفلسطينيين و على النحو الذي يمثل مصلحة له أيضاً . فقد ذكرت كتابات (إسرائيلية) عديدة أن وجود نظام حكم “معتدل” في العراق يمكن أن يعقد صفقة مع الولايات المتحدة و (إسرائيل) يقبل بموجبها توطين مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين على أراضيه و تحديداً في الشمال – الكردي – و الجنوب – الشيعي – و أن ذلك سوف يحقّق مصلحة جوهرية للنظام العراقي ، فغالبية اللاجئين الذين يمكن توطينهم في العراق هم من المسلمين السنة ، و بالتالي يساعدون في حلّ مشكلة التفوق العددي الشيعي عامة و في الجنوب خاصة ، و يوجدون أغلبية عربية سنية في المناطق الشمالية على النحو الذي يمثل مصلحة للنظام الجديد في العراق.

و على الرغم من أن (إسرائيل) ترى في ضرب العراق و تغيير النظام مصلحة جوهرية ، فإن أصواتاً (إسرائيلية) عديدة بدأت تحذّر من المخاطر التي يمكن أن يحملها هذا العمل ، و تحديداً ما يمكن أن يترتّب على ضرب العراق من سياسات أمريكية جديدة تسعى إلى إعادة نسج الروابط مع العالم العربي و تقديم “ترضية ما” للشعوب و الحكومات العربية ، و هناك اتفاق على أن هذه الترضية ستكون على حساب (إسرائيل) و بالتحديد في قضيتين هما عملية التسوية السياسية للصراع العربي (الإسرائيلي) و تحديداً على المسار الفلسطيني و أسلحة الدمار الشامل (الإسرائيلية) .

و فيما يخص القضية الأولى ، أي عملية التسوية السياسية ، يبدو واضحاً أن هناك مخاوف (إسرائيلية) من تبلور ضغوط أمريكية على (إسرائيل) بعد الحرب على العراق من أجل إعادة استئناف المفاوضات ، و تحديداً على المسار الفلسطيني و وفق خطة محدّدة تتماشى و الرؤية التي عبر عنها الرئيس الأمريكي جورج بوش بإقامة دولة فلسطينية مستقلة عام 2005 . أي إنهم يخشون ممارسة الولايات المتحدة بعد الحرب على العراق لضغوط على (إسرائيل) للتجاوب مع الخطة المعروفة بـ “خريطة الطريق” .

و تستند المخاوف (الإسرائيلية) هنا على دراسة تجربة ما بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 ، حيث أدّى ربط صدام حسين للانسحاب من الكويت ، بانسحاب (إسرائيل) من الأراضي الفلسطينية ، إلى قرارٍ أمريكي بضرورة التحرّك بعد الحرب من أجل تسوية الصراع العربي (الإسرائيلي) ، و قدّم الرئيس الأمريكي – آنذاك جورج بوش الأب – تعهّدات واضحة للدول العربية بالتحرّك بعد انتهاء الحرب .

و تذهب كتابات (إسرائيلية) إلى عقد نوع من المشابهة بين الأوضاع عام 1991 ، و الأوضاع التي تحيط بالموقف الراهن ، فمن ناحية هناك إدارة أمريكية جمهورية مرتبطة بدوائر النفط و تسعى في نهاية المطاف إلى علاقات قوية بالعالم العربي ، و أن هذه الإدارة تدرك أن استمرار الصراع العربي (الإسرائيلي) و الانحياز الأمريكي لـ (إسرائيل) ، بات أحد أبرز أسباب كراهية الولايات المتحدة في العالم العربي . أيضاً قطعت الإدارة الجمهورية الحالية بقيادة جورج بوش الابن خطوات متقدّمة على طريق تسوية القضية الفلسطينية عبر حديث الرئيس الأمريكي عن ضرورة قيام دولة فلسطينية مستقلة إلى جوار (إسرائيل) ، و تحقيق ذلك في عام 2005 .

و يرون أيضاً أن الوضع الآن بالنسبة ـ (إسرائيل) يعدّ مشابهاً لما كان قائماً عام 1991 ، ففي الحالتين كانت هناك حكومة ليكودية – عام 1991 بقيادة شامير – و الآن بقيادة شارون ، و أن الحكومة في الحالتين طلبت ضمانات قروض أمريكية كبيرة – عشرة مليارات عام 1991- و الآن أربعة عشر ملياراً – و أن الحكومة في الحالتين لها رؤية مختلفة مع الإدارة الأمريكية حول أسس و متطلبات الحل ، ففي عام 1991 رفض شامير في البداية المشاركة في مؤتمر مدريد، و عندما شارك أعلن أنه سيفاوض العرب عشر سنوات دون أن يقدّم لهم شبراً واحداً من الأرض ، و كانت المحصلة أن أدركت الإدارة الأمريكية الجمهورية بقيادة بوش الأب أن شامير عقبة في وجه التسوية فرفضت منحه ضمانات القروض و عملت على إسقاط حكومته في انتخابات يونيو 1992 ، و جاءت بحكومة حزب العمل بزعامة رابين ، و هي الحكومة التي وقّعت اتفاق أوسلو .

و يخلصون من عرض هذه التجربة إلى القول إن السيناريو يمكن أن يتكرّر مع شارون في غضون عام بعد انتهاء الحرب على العراق ، و في هذه الحالة ستجبر (إسرائيل) على التوقيع على اتفاق للتسوية وفق الخطوط العريضة للمفاوضات التي جرت في كامب ديفيد في يوليو 2000 .

و على الرغم من أن هناك العديد من أوجه الاختلاف بين عام 1991 و 2003 ، فإن هذه الاختلافات لا تنفي إمكانية تحقّق هذه الرؤية إذ إن الإدارة الأمريكية و بعد أن قطعت شوطاً كبيراً في التسليم – اللفظي – بحقوق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة ، باتت في أمس الحاجة لطمأنة العالم العربي بأنها لا تستهدفه و لا تعاديه ، و من ثم يمكن أن تتحرّك على طريق تنفيذ هذه الرؤية شريطة تبلور مواقف عربية واضحة تطالب واشنطن بتنفيذ وعودها بشأن التسوية على المسار الفلسطيني أولاً ، و تطبيق هذه الرؤية على المسارات الأخرى ، أي السوري و اللبناني . و قد بدأت مؤشرات ذلك بإعلان الرئيس الأمريكي في 14 مارس 2003 ، التزامه طرح خطة “خريطة الطريق” بعد تثبت رئيس الوزراء الفلسطيني بصلاحيات واسعة .

أما فيما يخصّ القضية الثانية و التي تتعلق بأسلحة الدمار الشامل (الإسرائيلية) ، فيبدو واضحاً من متابعة الجدل الدائر في (إسرائيل) ، أن هناك درجة من الاعتقاد بأن الولايات المتحدة و بعد أن تنزع أسلحة العراق ، و تسوّي ملف كوريا الشمالية سوف تتحرك لاتخاذ خطوة مشابهة تجاه الملف النووي (الإسرائيلي) .

و يبدو واضحاً من الكتابات (الإسرائيلية) في هذا المجال ، أن الولايات المتحدة ربما تكون قد أبلغت (إسرائيل) بنيتها هذه، و من ثم فالقضية لم يعد تحرك الولايات المتحدة من عدمه ، بقدر ما باتت تتمثل في كيفية إبرام صفقة تتم في إطارها تسوية شاملة مع العرب قبل البدء في مناقشة البرنامج النووي (الإسرائيلي) .

و في هذا السياق كتب “ران أدليست” مقالاً بعنوان “العلاقة النووية” في صحيفة يديعوت أحرونوت بتاريخ الخامس من يناير 2003 : يقول : “لا يعلم أحد كيف سينتهي الوضع في العراق و لا في كوريا الشمالية ، و لكن واضح أن أحد النتائج ستكون زيادة الضغط على (إسرائيل) في مسألة السياسة النووية ، يوجد اتفاق حالياً بين الولايات المتحدة و (إسرائيل) يقضي روح هذا الاتفاق بأن يظل ما لدى (إسرائيل) من أسلحة دمار شامل على ما هو عليه ، إلا أن أي تقدّم في العراق و كوريا الشمالية يقتضي إجراء مماثلاً تجاه (إسرائيل)” .

و أن غاية ما يمكن لـ (إسرائيل) فعله – من موجهة نظر أدليست – هو أن تبدأ أولاً بالدخول في عملية التسوية السياسية بحيث تصل إلى تصالح مع العالم العربي ، و تدخل بعد ذلك في الملف النووي ، و يحذّر من البدء بالملف النووي قبل إتمام التسوية السياسية و التصالح مع العالم العربي .

من هنا يبدو واضحاً أن ضرب العراق و تغيير النظام و إزالة أسلحة الدمار الشامل العراقية ، و إن كان يمثل مصلحة إستراتيجية لـ (إسرائيل) ، فإنه يفرض في الوقت نفسه مجموعة من التحديات اقتداء بما جرى في أعقاب حرب الخليج الثانية من تحرك أمريكي فاعل لتسوية الصراع العربي (الإسرائيلي) و ضغوط أمريكية على الحكومة (الإسرائيلية) من أجل المشاركة في عملية التسوية السياسية التي انتهت بنشاط أمريكي قوي من أجل تغيير الحكمة (الإسرائيلية) التي كان يقودها شامير . أيضاً فإن الشق الأبرز الذي تتحسب له (إسرائيل) بعد ضرب العراق ، يتمثّل في تحرّك أمريكي على طريق احتواء البرنامج النووي (الإسرائيلي) ، و ربما خطوات أمريكية لنزعه حتى تحدث قدراً من التهدئة في العالم العربي و تمهد الطريق أمام مواجهة أي محاولة من قبل دول المنطقة لحيازة أسلحة دمار شامل .

المؤكّد أن أي عمل عسكري أمريكي ضد العراق هذه المرة سوف يستهدف تغيير النظام و تنصيب نظام موالٍ للغرب ، و لواشنطن تحديداً ، و أن هناك احتمالات أخرى لأن تتحرك الولايات المتحدة على المسار الفلسطيني (الإسرائيلي) بطرح “خريطة الطريق” ، و أيضاً التحرّك من أجل اتخاذ خطوات تجاه البرنامج النووي (الإسرائيلي) و أسلحة الدمار الشامل المختلفة ربما تمهيداً لإعلان منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل … كل ذلك يظلّ في دائرة التوقعات و الاحتمالات . و تحوّله إلى أرض الواقع و حدود الحركة باتجاهه يظلّ رهناً ببلورة رؤية عربية واضحة و متماسكة لمواجهة تحديات قادمة تترتب على ضرب العراق ، فالمؤشرات المتاحة حالياً تقول إن مرحلة ما بعد ضرب العراق سوف تشهد بروز سيناريوهات أمريكية تجاه العالم العربي و تحديداً بشأن إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية و الثقافية ، هذا بينما تصطدم محاولات طرح و تنفيذ خطة “خريطة الطريق” بعقبة حكومة يمينية في (إسرائيل) سوف تعمل على استنفاد الوقت في نقاشٍ حول تفاصيل كثيرة لا سيما أن حكومة شارون قد أدخلت أكثر من مائة تعديل على الخطة ، و يمكنها أن تتفاوض حولها فترة طويلة ، و الانطباع العام هو مفاوضات حول تنفيذ الخريطة ، بينما الواقع لا يعدو أن يكون استهلاكاً للوقت إلى أن تدخل الإدارة الأمريكية مرحلة الاستعداد للانتخابات الجديدة بدءاً من منتصف 2004 .