أعتقد أن القارئ، ذلك القريب الذي تربطني به تلك العلاقة الحميمة، سيتفهم سر تأخري عن كتابة مقالي العادي.. فقد كنت – وما زلت – أرى بغداد الحبيبة الحميمة تقصف ذلك القصف الهمجي الوحشي المجنون المجرم.. وللوهلة الأولى ظننت مع الدخان الذي تشكل على هيئة عش الغراب أن المسيخ الدجال بوش قد قصفها بقنبلة نووية.

كنت أراها..

وكنت أري وجه الخنزيرين بوش ورامسيفيلد فأكاد أقرأ على جبهة كل واحد منهما كلمات:

” كافر..

آيس من رحمة الله”..

مكتوبة.. يقرأها الأعمى والمبصر.. والمؤمن والكافر..

***

كان المجرمون ينفذون ضربتهم الهائلة، وكنت أتطلع في الغيب كأنما أتشوف إلى أبي عبيدة بن الجراح يحمل الراية، أو إلى سعد بن أبى وقاص يقود المسيرة، أو إلى خالد بن الوليد يلتف حول العدو، أو صلاح الدين يسحقهم أو سيف الدين قطز يحصيهم عددا ويشتتهم بددا..

وكنت أتطلع إلى الغيب فكأنما أقرأ رسالة يقول سطرها الأول : من أمير المؤمنين إلى كلب الروم بوش..

وكنت أدعو الله أن يمن علينا بمعجزة أعلم أننا لا نستحقها..

لكنني كنت أدعوه متوسلا بذلك الجهاد البطولي لشعب العراق المسلم الأبي..

لم أجرؤ على أن أقول إخوتنا في العراق..

وكيف أجرؤ..

***

وليس معنى هذا أنني أشعر بأي يأس..

على العكس..

على العكس تماما تماما..

فو الله الذي لا إله إلا هو إني لأرى بشائر النصر لا ريب فيها و أكاد أرى نهاية أمريكا الموشكة، بل إنني أري في كل هذا العنف والإجرام والجبروت إحساسهم بدنو نهايتهم، وكأي مجرم ، فإن شراسته تزداد كلما أحس باقتراب نهايته.

نعم ..

فهذه معركة تتحدد نتائجها من بداياتها لا من نهاياتها..

ولقد تحددت..!!

لقد انهار الحلم الأمريكي بعد أن أماط اللثام عنه هذا المجرم جورج بوش..

انهارت منظومة الديموقراطية و الحرية والعدل والشفافية والأمل لتسفر عن ذلك المسخ الشائه المرعب لأسوأ ما في تاريخ البشرية من إجرام ووحشية وجنون..

تماما كما حدث عند انهيار الحلم الشيوعي.. عندما بدا الشيوعيون في وضع مأساوي ، وقد تخلى عنهم وثنهم الذي كانوا يعبدونه..

الآن .. في العالم كله.. وفي أمريكا نفسها.. ينهار الحلم.. ويسقط المثال.. ويبقى الكابوس..

كان العالم -بالخديعة- يلهث خلف الحلم.. لكنه بالتأكيد سيلفظ الكابوس..

لقد كانت أمريكا على سبيل المثال تغوي العالم بادعاء انفصالها عن الأديان واحترامها لحقوق الإنسان، و أنها تمثل خليطا يتشكل من الأديان جميعا والأجناس جميعا..

وكان كل هذا مغريا بالغواية والكذب.. وكان يجذب من له دين ومن لا دين له على حد سواء..

نعم.. كان الإلحاد جاذبا وكان التدين جاذبا وكانت العلمانية جاذبة وكانت البراجماتية جاذبة وكانت نداءات النشوة واللذة والغني والقوة جاذبة..

لكن كل هذا انحسر فجأة ليبدو المجتمع الأمريكي تحت سيطرة عصابة مجرمة متعصبة عنصرية شديدة التخلف من المسيحيين الصهاينة..

فكيف يكون مغريا اتباع تلك الفئة المتعصبة المجنونة المتخلفة الغارقة في أساطير شيطانية تغذي الانحراف الشيطاني للمسيحية الصهيونية.. كيف يكون هذا النموذج النجس مثالا.. وكيف ينجح مهما كانت الغواية والكذب على جذب الناس..

كيف ينجح وهو حتى بالنسبة لباقي المسيحيين يشكل الكفر الفاجر.

***

أحد معارفي، من المنبهرين بالنموذج الأمريكي حتى النخاع ، بذلت معه فيما مضى جهدا كبيرا حتى أفتح عينيه لكنه كان مصرا على انبهاره الأعمى، وكان ذلك بلا جدوى حتى كففت. كان كل أمله أن يهاجر إلى هناك..

في الأسبوع الماضي، فوجئت به في حالة يرثى لها، كان ينظر نحوي نظرات منكسرة، وبدا أنه يشعر بتأنيب ضمير لا حد له، ووجدته يتطوع فيبادرني:

– – لو أنني كنت أمريكيا لشعرت بالخزي والعار.

– و أظن أن ما قاله هذا الشاب لا يمثل صدمته وحده.. بل صدمة العالم كله.. نعم العالم كله.. مليارات لا ملايين..

***

نعم..

سقط النموذج.. وقد يستغرق الانهيار أعواما لكنه تحصيل حاصل..

لن ينسى التاريخ أبدا مشهد ذلك الغبي المجرم المجنون بوش وهو يخدع العالم بدعاواه الكاذبة عن أسلحة الدمار الشامل في العراق، فلما جاراه العالم اضطر ليسفر عن نواياه الوحشية الهمجية..

في كتاب “كنيث بولاك”: ” العاصفة المهددة” يكشف الكاتب سر الحرب ضد العراق و خلاصته ” إن العراق اليوم ضعيف…بلا أسلحة نووية..وقيادته غير شعبية”…. ويذهب الكتاب أن الحرب آتية لا ريب فيها و أن المواجهة قادمة ولذلك فإن أمريكا ترى أن تخوضها الآن في ظل الاختلال الهائل في القوى .

***

سقط النموذج أيضا فكشف عن انهيار شرعية النظام العربي كله..

أقول: فكشف ولا أقول فأسفر..

باختصار شديد: كل النظم التي سبقت سايكس بيكو خائنة فقد أدت سياساتها الجاهلة العاجزة الخرقاء إليها.. وكل النظم التي جاءت بعدها خائنة لأنها لم تر سوى تقسيمات سايكس بيكو أساسا للعمل!!..

وباختصار أشد: كل من ابتعد عن المرجعية الإسلامية خائن أو جاهل.. وكافر أو منافق..

بل إنني أصاب بالذهول عندما أتأمل في الكلمات الأولية: النظام العربي، لأكتشف أنه لا هو نظام ولا هو عربي!! و لأكتشف أن أعداءنا قد نجحوا في أن يولوا علينا حثالة هي أسوأ من فينا و أجهل من فينا و أشد من فينا كفرا و أكثرنا خيانة..

***

لقد انكشف هذا كله.. ومن المستحيل أن يستمر.. ومن المستحيل أن تستمر أنظمة حكم : الحكم فيها بالقانون الوضعي هو الخيانة، وبأحكام الشريعة هو الكفر!!..

نعم.. مستحيل أن تستمر..

***

إنني أشعر بالحيرة لأن الألفاظ الواردة في المعاجم لم تعد كافية للتعبير عن المعاني.. و أن التشبيهات قد باتت قاصرة وعاجزة ومثيرة للسخرية، فالمشبه به يجب أن يكون أقوي حالا وكذلك الصفة ، والخيال يجب أن يكون أكثر غرابة من الواقع، فإذا انعكس كل ذلك، كأن تقول أن الشمس ساطعة كالشمعة، و أن الصاروخ سريع كالسارة أو السهم، أو أن الرجل قوي كالنملة فإن الأمر يتحول إلى سخرية مريرة تصاب اللغة فيها بالعجز والخرس.

وكذلك..

عندما تحاول أن تصف حال حكامنا.. فماذا يمكن أن تقول عنهم؟

خونة؟!..

ما أشد رأفتك ورقتك.. لكأنك تستعيض عن صفات الداعرة بأن شعرها مكشوف..!!..

***

بماذا يمكن أن نصف العائلة الحاكمة في الكويت على سبيل المثال؟..

العائلة التي ينطلق منها الهجوم الأمريكي على العراق..

وهذا فعل لا يفعله إلا كافر..

بماذا يمكن أن نصفهم؟..

هل نشبههم بأبي رغال؟

و أبو رغال هذا عربي خائن رضي أن يكون دليلا لأبرهة الحبشي في طريقه لهدم الكعبة، ومات الخائن في الطريق فظل قبره إلي يومنا هذا ملعونا من الناس، وما زالوا يرجمونه.

لكننا حتى في هذا التشبيه نظلم أبا رغال.. فهو بتصرفه هذا قد أساء إلى نفسه فقط.. أما العائلة الحاكمة الخائنة في الكويت فقد جلبت اللعنة على شعب الكويت كله ولشد ما أخشى أن تستمر هذه اللعنة الظالمة تطارد إخوتنا في الكويت أبد الدهر، ولست أشك في إخلاص معظمهم، فيما عدا خمسة آلاف من العائلة الخائنة وعشرة آلاف أو عشرين ألفا من خدمهم وحاشيتهم من خدم خدم وخدم صحافيين وخدم كتاب.. هؤلاء تحيق لعنتهم بشعب يقارب المليون.. وعندما تقع الواقعة فإن هذه الفئة الخائنة ستكون هي الفئة الوحيدة التي ستنجو من اللعنة.. لأنها ستهرب إلى الغرب.. وستترك الإسلام الذي لم تخلص له يوما وستتنصر.. تماما كما فعلت عائلة الملك فاروق..

هذه العائلة الخائنة أبا عن جد..

هل أكتفي بوصفها بالخيانة؟..

ما أبأس الألفاظ إذن وما أعجز المعاني..!!..

***

نعم ..

سقط النموذج..

والحكم في المملكة العربية السعودية لم يفقد شرعيته فقط.. بل فقدت العائلة والدولة كل شرعية.. والدولة التي خدعت الأمة بأنها بديل عن دولة الخلافة لتكون في النهاية محلا لتنزيل الحكم بكفر من يعاون الأمريكيين على المسلمين لم يعد لها أن تستمر.

كيف أصف وماذا أقول..

إن انخفاض سعر النفط أثناء الحرب على العراق يلطخ وجه دول النفط العربية بعار لن يزول أبدا..

لقد انتهت السعودية .. انتهت قبل أن ينتهي العراق.. فسبحان الله..

لكم هو محبط ألا أجد كلمات تعبر عما يحدث أشد من العار والخزي ..

***

نعم ..

سقط النموذج..

ففي مصر كان الطلبة يهتفون:

يا علاء قول لأبوك: كل الطلبة بيكرهوك..

كيف استطاع الشباب الغض أن يعبر بكل هذا الإيجاز البليغ عما في قلب الأمة كلها لا الطلبة فقط؟!..

وفي لندن كانت صحيفة القدس العربي تقول أن الرئيس المصري قد جلب العار لمصر بخطابه الأخير الذي ردد فيه اتهامات بوش لصدام حسين.. وزاد عليه أن صدام حسين هو سبب وجود أمريكا في المنطقة..

لكن صحيفة القدس العربي نفسها قد جلبت هي الأخرى العار للأمة عندما اتخذت في معظم تاريخها موقفا معاديا للإسلام والمسلمين.. وكان هذا الموقف امتدادا لمواقف أخرى هي التي قادتنا في النهاية إلى كل هذا الذل وكل هذا العار..

ورغم ذلك فقد كانت القدس العربي أفضل بكثير من سواها.. أفضل بكثير جدا من الأهرام والحياة والشرق الأوسط.. ومن صحف كانت الصغيرة فيها أشبه بالمومس والكبيرة أشبه بالقوادة.. وكانت المومس والقوادة تبيعان شرف الأمة؟؟..

***

نعم.. كان خطاب الرئيس مبارك الأخير كارثة.. وليته صمت.. وليته حين ابتلي استتر.

منذ عشرة أعوام كنت أكتب نفس الكلمات.. ونشرتها في صحيفة الشعب التي يصر الرئيس مبارك على مواصلة إغلاقها رغم 13حكما قضائيا نهائيا.. كنت أكتب نفس الكلمات تعليقا على خطاب للرئيس أيامها ( عام 93 ).. وكان الرئيس يقول بالحرف أنه لولا موقف مصر عام 1990ما استطاعت الولايات المتحدة الحضور إلى المنطقة!!..

لقد نشرت الواقعة كلها في أحد كتبي.. ولقد فكرت أن أعود إليه لأنشر نص التعليق أو المقال..

لكنني أشعر بالاشمئزاز والقرف..

(….)

***

يا عمرو موسي:

عار عليك ألا تستقيل.. عار عليك ألا تستقيل.. عار عليك ألا تستقيل..

(….)