ماذا بقي لنا من حرية الإرادة واستقلال القرار بعد الفعلة العدوانية الإجرامية الأمريكية البريطانية الصهيونية في العراق؟ والربط بين هذا العدوان الغاشم والصهاينة ربط ضروري، وإلا كان فهمنا وتفسيرنا لما جرى في بلادنا وما يجري ناقصا، بل سطحيا ومشوها. إن الفعل اليهودي الصهيوني قائم وراء كل إفساد في الأرض وعدوان وإجرام وإرهاب وتخريب. صدّقنا الله ورسوله، صلى الله عليه وسلم، وكذبنا التافهين من المفكرين والمثقفين والمحللين الذين “يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون”، الذين يحبسون تفكيرهم في حدود المعطى الحسي، ويعتبرون إدخال المُعطى الغيبي في التفكير والتحليل ضربا من التعسف والبعد عن الموضوعية.

ماذا بقي لجيوش دولنا العتيدة من دور بعد هذا الانهزام المهين والانحطاط الشنيع؟ وهل كان لهذه الجيوش “الوطنية الباسلة” من دور أصلا غير حماية عروش أصحاب الجلالة وقصور أصحاب العظمة وامتيازات أصحاب الفخامة السفيهة الساقطة الحقيرة، وغير قمع شعوب أصحاب القداسة المستضعفة الواقعة تحت نير الفقر والجهل والدعايات الكاذبة المُزوِّرة المضلِّلة لفائدة الحكام المتسلطين؟

أين الغيرة على الدين؟ أين الغيرة على الأرض والعرض والكرامة؟ أين أخوة الإسلام؟ أين هي المواثيق والعهود والاتفاقيات في ساحة الفعل والمبادرة؟

لقد بخّر العدوان الأمريكي البريطاني الصهيوني على أرضنا وإخوتنا في العراق كل الأحلام التي كانت ما تزال تداعب بعضنا في شأن مستقبل الجامعة العربية ومستقبل الأمن العربي. لقد سقط القناع عن أنظمة عميلة غارقة في الخيانة حتى الرأس، لا يمكن أن يُرجى منها خير بعد اليوم.

لقد بدأ العدوان الظالم الجبان على العراق في فجر يوم الخميس 20 مارس، ولم يجتمع مجلس الجامعة العربية(وزراء الخارجية) إلا بعد مرور أربعة أيام، وكأنهم كانوا يتوقعون أن تنتهي مراسم ذبح العراق في ثلاثة أيام كما وعد الغزاة، ليُخصص الاجتماع، بعدئذ، لذرف دموع التماسيح والتباكي على وضع العراق الشقيق والتعبير عن مشاعر التعاطف “الإنساني” إزاء محنة الشعب المقهور.

وحينما اجتمعوا مُكرهين للنظر في الأمر لم يستطيعوا أن يتفقوا على أكثر من قرار يعبر في حقيقته عن حضيض الانحطاط الذي تردّى فيه الوضع العربي؛ ماذا قرّروا؟ قرروا الرجوع إلى الأمم المتحدة وإلى مجلس الأمن بالذات، وهو المجلس الذي خذلهم، بل مرّغهم في المهانة والحقارة وفضح تخاذلهم وخيانتهم وعجزهم وتفاهتهم، لأن مجلس الأمن الذي ذهب العرب المتخاذلون المستسلمون للاحتماء به، والذي من مهامه، حسب ميثاق الأمم المتحدة، العمل من أجل حفظ السلم والأمن الدولي، لم يجتمع لمناقشة موضوع العدوان على العراق إلا بعد مرور سبعة أيام، بل أين هي الأمانة، والأمين العام للأمم المتحدة لم يجرؤ أن يسمي ما أقدمت عليه أمريكا وحلفاؤها في العراق عدوانا، واكتفى باستعمال كلمة “حرب”، وفي هذا ما فيه من التزوير والتضليل والخضوع وموافقة إرادة العدوان. ويمكن الوقوف على الخروقات القانونية والانتهاكات الصارخة لميثاق الأمم المتحدة التي وقع فيها العدوان الأمريكي على العراق، وكذلك المواقف والقرارات التي اتخذها الأمين العام كوفي عنان قبيل العدوان وبعده، في كلمة مندوبي العراق والجامعة العربية وغيرهما في الجلسة التي عقدها مجلس الأمن مساء يوم الأربعاء 26 مارس.

ماذا بقي من حرمة هذا المجلس وصلاحياته وهيبته بعد أن أصبح سيف الاستكبار والطغيان سيد الميدان، وبعد أن تقهقر بنا الزمان ورجعت الشرعية، مرة أخرى، بيد القوة العسكرية والغزو الاستعماري الغشوم؟

ونرجع إلى الحكومات العربية التي لا رابط بينها إلا رابط تكريس الاستبداد وقمع الشعوب وإذلالها.

لقد امتنعت الكويت- وهذا يظهر حقيقة هؤلاء الحكام في أبشع صورها- عن التصويت على القرار الهزيل، بل الميت، لمجلس وزراء خارجية العرب بحجة أنه لم يتضمن بندا ينص على إدانة الهجوم العراقي على أراضي الكويت غداة بدء العدوان!

ودولة الكويت التي تحتج بهذه الحجة السخيفة، ما هي؟

هي أرض مستعمرة منذ زمان، وكل أمورها هي بيد الأمريكان.هي اليوم رأس الحربة في العدوان الأمريكي البريطاني الصهيوني الظالم. هي منطلق جيوش القتل والخراب والدمار. هي حامية ظهر العدوان وقاعدته الخلفية. هي الشريان الحيوي لخطوط الإمدادات وسائر الخدمات اللوجيستيكية. والكويت هذه كانت من الدول التي اتفقت، كذبا ونفاقا وزورا، في القمة العربية الأخيرة في شرم الشيخ، على عدم السماح لأي عدوان على العراق من الانطلاق من أراضيها.

أما قطر فقد غادر وزير خارجيتها اجتماع مجلس الجامعة العربية معتذرا بأن له أشغالا أخرى وبأن البيان الذي سينتهي إليه المجلس لن يكون له أي فائدة ولا أثر.

هذا الفارس القطري المغوار، الذي أصبح يتكلم كثيرا في الشؤون العربية بعد أن تمكن الاستعمار الأمريكي في بلاده، والذي تحتضن بلاده قناة “الجزيرة” الشهيرة، يحتاج دائما- مع الأسف الشديد- لمن يذكره بأن مقر قيادة العدوان على العراق يوجد في قطر، مع ما يعنيه هذا من وجود متميز للإدارة الأمريكية الغازية في هذا البلاد. وإذا ما سأل صحافي “عنيد” أو “مغامر” عن هذا الوجود الأمريكي المتميز في قطر، فإن الجواب يكون بالحديث عن السيادة واحترام الاتفاقيات الثنائية والتضامن العربي والإسلامي إلى غير ذلك من الكلام الهارب من حرّ السؤال. لقد أخذ حكام الخليج، بعد 1991، دروسا مكثفة في العمل السياسي وطريقة مواجهة الصحافيين وتبريق العين فيهم بالكذب الصريح، بل واتخاذ مواقف هجومية بدل مواقف الدفاع والتبرير. وهل نجح التلاميذ الأغبياء في تطبيق ما تعلموه في حجرات التزوير والتضليل والتمييع!!؟؟

وماذا فعل النظام الملكي الاستبدادي في الأردن؟ طبعا، لن يكون إلا مطيعا للسيد الأمريكي الصهيوني، وإلا لم تكن هناك حاجة لوجوده أصلا. هذا هو الأساس في استمرار وجود أنظمة العض والاستبداد في البلاد العربية. لن يجد السيد الأجنبي أحسن منهم طاعةً وخنوعا وتملقا وتفانيا في تنفيذ الأوامر، فضلا عن استعدادهم في أي وقت، مجانا أو بمقابل، للخيانة وطعن إخوانهم من الخلف. يا حكام العض والجبر والعار والهوان، بارَ مكرُكم وساء سعيكم في كل زمان ومكان.

لقد عمد النظام الأردني بعد انطلاق العدوان على العراق إلى منع دخول القوافل المحملة بالغذاء والدواء، وهي من مال الشعب العراقي وفق الاتفاق الظالم الفاجر الذي يعرف باتفاق “النفط مقابل الغذاء”، متعللا بأن ظروف الحرب لا تسمح بتحرك الشاحنات. وللتذكير، فإن الأردن هو الآخر لا يستعمل في خطابه الرسمي كلمة “عدوان” أو “اعتداء” أو “غزو” لوصف العمليات العسكرية الأمريكية في العراق، بل يستعمل كلمة “حرب”، لأنها اللغة التي تليق بدول الحضارة والديبلوماسية وأبناء الغرب الممسوخين!!

ولم يكتف النظام الأردني العميل بهذا، بل استجاب لأوامر أمريكا وقام بطرد ديبلوماسيين عراقيين من غير أن يعطي سببا لذلك. وهناك حديث تتداوله كثير من وسائل الإعلام مفاده أن هذا الموقف التابع المتخاذل من النظام الأردني هو مقدمة لفتح جبهة عسكرية أخرى تنطلق فيها القوات الغازية المعتدية من حدود الأردن لتتجه نحو بغداد. هذا هو حساب الذين يريدون في الأرض علوا وفسادا، والله، تعالى، من ورائهم محيط، يثبت المجاهدين ويربط على قلوب المقاومين المدافعين عن دينهم ووطنهم وكرامتهم وحريتهم. وإن الشعوب المسلمة، في كل مكان، وخاصة في الكويت والسعودية والأردن وسوريا وإيران وكردستان وتركيا، لن تكون، بإذن الله وتوفيقه، إلا ضد الغزو والعدوان والاستكبار والإرهاب والإذلال، ومع المقاومة، اليوم وغدا، تحمي ظهرها وتؤمن لها الضروري من الإمدادات. “ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز”.

وماذا عن المغرب؟

الكل بخير، وكأن ما يجري في العراق لا يعنينا؛ البرامج في الإذاعة والتلفزيون هي هي: لهو وميوعة وأذواق سافلة وتحد لمشاعر المسلمين وذبح للأخلاق وتيه في صحاري التغريب والتطبيع مع كل ما هو غير إسلامي باسم الحداثة والديمقراطية والعهد الجديد. ويا ليت هذه العناوين والشعارات كان لها شيء من المصداقية في الواقع المعيش.

البرامج هي هي، مع زيادة يتطلبها الوضع العالمي الراهن المتمثل في العدوان الأمريكي البريطاني الصهيوني الظالم على العراق، وهي زيادة محسوبة لذر الرماد في العيون والتغطية على الموقف الرسمي المتخاذل الجبان.

التصريحات الرسمية المغربية- أقول الرسمية، أي التي تمثل الدولة- لم تجرؤ على استعمال كلمة “عدوان” أو ما يؤدي معناها من الكلمات لوصف الفعلة الأمريكية في العراق. إنه الخوف والانهزام والانبطاح والانحطاط والتخاذل.

إذا كانت كل القرائن، القانونية وغير القانونية، تؤكد أن ما يقوم به الحلف الأمريكي الإنجليزي الصهيوني في العراق منذ فجر يوم 10 مارس 2003 هو عدوان سافر لا غبار عليه، فماذا يمنع مسؤولينا الذين يتبجحون دائما بأنهم مع الشرعية الدولية ومع ميثاق الأمم المتحدة، ومع حرية الشعوب واستقلالها وحقها في تقرير مصيرها واختيار نظامها السياسي، إلى غير ذلك من مواد الأسطوانة التي يحفظها الجبناء من حكامنا عن ظهر قلب- ماذا يمنع هؤلاء المسؤولين من وصف ما هو واقع باللغة السياسية والقانونية الواضحة؟

ولماذا هذا الإصرار “الحقير”، وبكل الوسائل، على إلهاء الشعب وإغراقه في الهوامش والتوافه والجزئيات، وإبعاده أن يكون حاضرا في قلب هموم أمته.

نعم، هناك مسيرات، لكنها تحت المراقبة المشددة، وفي حدود الشروط والسقف الذي حدده الملك في كلمته القصيرة مساء يوم انطلاق العدوان على العراق.

لقد اكتفى الخطاب الرسمي للنظام المخزني المغربي بالتعبير عن انشغاله بما يجري في العراق وبتعاطفه مع الشعب العراقي في محنته. هكذا ينصر الأخ أخاه في منظومة قيم حكومات الجبر ودول القمع والاستبداد. لكن هذا الموقف الرسمي الجبان سيتكسر إن شاء الله، طال الزمان أم قصر، بإرادة الشعب المغربي الذي كان، وسيبقى دائما، مخلصا لقضايا أمته ووطنه، يدين الظلم الاستبداد والغزو والاستعمار، ويساند المقاومة بكل ما يملك من وسائل، وإن كان بينه وبين جبهات القتال آلاف الأميال.

وبعد، فإني ههنا لا أحمل الاستبداد وحده مسؤولية ما يقع على أمتنا من ذل وهزائم وهوان، لكني أراه سببا رئيسا لهذا الداء العضال الذي أورثنا الوهن حتى غدونا، كما أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، غثاء كغثاء السيل، لا كلمة لنا بين الأمم ولا هيبة ولا حرمة، يصول في أرضنا الغزاة ويجولون، تحت ألوان متعددة ورايات مختلفة، وهم مطمئنون آمنون. كلاّ، إنهم لن ينعموا بالطمأنينة والأمان ما دام في أمتنا إرادة وعزيمة وحافز للجهاد والمقاومة والاستشهاد. والله، تعالى، ولي المؤمنين، إنه نعم المولى ونعم النصير.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين