كان رائدَنا فيما كتبناه بفضل الله الحديثُ المنهاجيُّ الذي أخبرنا فيه الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بما كان مَطويا في ضمير الغيب لزمانه، وبما أصبح بعضُه وراءَ ظهرنا من تاريخ، وبعضه لا يزال أمامنا نطلبه بالعزم والجزم والثقة الصامدة. أخبرنا من لا ينطق على الهوَى أن بعد النبوّة خلافةً على منهاج النبوة، وأن بعد الخلافة الراشدة ملكا عاضا فجبريا، وأن بعد الملك خلافة على منهاج النبوة. فمن كان من ذراري المسلمين المغربين ينظر إلى المستقبل من وراء تخمينات الحساب وترتيبات الخَرْصِ، فنحن بحمد الله نمضي على هُدىً من وعد الله ورسوله. ونحسُب ما هو أمام أقدامنا وما في أفقنا حكمةً شرعية.

ومن كان من التراثيين ينظرون إلى وراءَ ليلتقطوا من ذخائر الحضارة الإسلامية العتيدة ما به يُسندون طموحا قوميا أو يبررون انتماء وأصالة وفخرا، فنحن نقرأ الوحيَ الخالِدَ: ماضينا وحاضرنا ومستقبلُنا على ضوئه نقرأه، وبأنواره نستجليه، وعلى منهاجه نبني ونُعد القوة. بحول الله وقوته، إنه القوي العزيز

الأرضي للبشر، يُساهم في النـزاع مع الناس إلى وِجهة لا تُعرَف. إنما يقتحم العقبة من خرقت عين إيمانه ونظرة إحسانه وأذنُ تلمذته للوحي كلَّ كثيف من أوهام الكون وحقائقه الصلبة. وإنما يبني القوة الاقتحامية ويُعتَمَد ركنا من أركانها من يتطلع للدار الآخرة راجيا طامعا خائفاً مستغفرا تائبا عابدا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر حافظا لحدود الله.

أمامَه الوعد الذي لا يُكْذَبُ، وعلى رأسه تخفق ألوية المجاهدين في سبيل الله، وفي ضميره تتألق أنوار البشرى بالنصر هنا والفوز هناك. نصْره المرجوّ إحدى الحسنيين، والفوز في الدار الآخرة أمله في الله الملك الوهاب.

يجب على المجاهدين المقتحمين أن يعرفوا العالم، وأحداث التاريخ، وسبَبيَّةَ حركته،والقوى المؤثرة فيه،كما هي لا كما يصورُها الطموح الجامح أو الأملُ المكبوت أو اليأس اليائس.

ولا يكون المجاهدون على خُطى الأولين من النبيئين والخلفاء الراشدين إلا إن انتسق العلم بالأسباب والتاريخ وحركة الكون والإرادات المتدافِعة فيه في نَسَقِ الإيمان بسنة الله تعالى وحكمته وفعله المطلق وإرادته الكونية.

يستنهضنا الشرع وتبشرنا بشائره. فعلينا النهوض للكسب والعمل والاجتهاد. وذلك حق على المكلف الموفق. وتَبَصُّرُه بما يعوق نهضته ويعرقل خُطاه ويقاوم إرادته متروك لاجتهاد عقله، يكايد الناس على الأرض،ويخاصم، ويصالح، ويقدم، ويؤخر. هو مسؤول عن اجتهاده، موصوم بإخفاقه.

لكنه يتميز عن الناس بحضوره الدائم، وذكره الملازم، لإرادة الله عز وجل في خلقه. يتدبر آيات الله التي يُظهرها في الآفاق والأنفس على ضوء الآيات التي أنزلها بالحق. وبذلك لا يضطرب خَطوُه، ولا ينقطع حبله،ولا تُهْزَم عزيمته لما في الكون من تناقض ظاهر، ولما يعتري ساكنيه من شدة ورخاء، من حرب أو سلم، من كفر الكافر وإيمان المومن، من إفساد المفسد وإصلاح المصلح.

يسير في ضباب الشك أو ظلمة الجحود من يغيب عنه أن الله جلت عظمته خلق الخلق ليبتلي الخلق. ويتساءلُ الغافل: لماذا تفوَّق علينا أعداء الله، نرى عندهم البسطة في العلم والرزق ونحن فقراء متخلفون؟ لماذا تتعمق الهوة بيننا وبينهم في كل ميدان؟ لماذا يتعسر علينا ما يتيسر لهم؟ وفي ضِمْن التساؤل اتهامٌ للقدَر والحكمة.كما أن في القعود عن الجهاد لإعداد القوة زعماً أن ذلك رضىً بالقَدَر مسؤوليةً لا عذرَ عن تضييعها.

كيف إذاً نصطحب الإيمانَ بالمقدور والحكمة ونحن نخوض غمار المعارك؟ كيف نقرأ في الآيات الكونية التاريخية والآيات الحِكمية من سنة الله بعينين لا بالعين العوراء؟

القراءة المفتوحةُ البصيرةُ لمخاض العالم، وتحولاته العجيبة وتقدمه العلمي الصناعي المذهل، وإغداق القدرة الإلهية على أبناء الدنيا من كل شيء نجدها في قوله عز وجل لنبيه وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم: “ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا. ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون. فلما نسُوا ما ذُكِّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء. حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مُبلسون.فقطع دابر القوم الذين ظلموا.والحمد لله رب العالمين”.1

ا يفُتُّ في عضد المجاهد الماضي لموعود الله ورسوله هذا الفرْقُ الهائل بيننا وبين الناس. إنها سنته سبحانه في الأمم. نَسُوا ما ذُكِّروا به ففتح الله عليهم أبواب كل شيء ابتلاءً بين يدي ما هو به عليمٌ من أخذٍ أو إمهال أو هداية يستعملنا فيها إن شاء. بيده الخيْر، وإليه المصير، وهو على كل شيء قدير.

قال تعالى: “فتحنا عليهم أبواب كل شيء”.2 عليهم لا لهم.عليهم اختبارا وكيدا. مثلها قوله سبحانه عن الأمم المتقطعة زُبُرا بعد أنبيائها: “أيحسبون أنّما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات. بل لا يشعرون”.3

عليهم لا لهم هذا الفيض العجيب المذهل من الأشياء والكشوف العلمية والإبداعات والسيطرة الظاهرة على الكوكب الأرضي وخيراته وفضائه.

ولنا لا علينا يكون كل نصر نحققه بجهادنا الدائب لنتعلم منهم ونستخلص ونوطن عندنا ونستنبت. بإذنه ورحمته، تعالى جَدُّ ربنا وتبارك.

لنا لا علينا إن نحن تمسكنا بمنهاج من خاطبه الله عز وجل بقوله: “إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويُتِمَّ نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرَك الله نصرا عزيزا”.1 فتحنا لك.

لنا إن شاء الله لا علينا إن تخطَّى إيمانُنا دار الامتحان مع سعينا الجهادي فيها، إن حطت طيور دعائنا على أغصان طلب المغفرة والثواب، إن ارتفعت آمالنا للنظر إلى وجه الملك الوهاب.

ذلك تمام النعمة على العباد فرادى، وذلك تمامها على الأمة، بتبليغ رسالة الله العزيزة. والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. سبحانه.