إن من يقرأ كتابات الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين، يقف عند خاصيتين أساسيتين: الأصالة والتجديد ولعل من أبرز المفاهيم المفاتيح في فكر الأستاذ المجدد، مفهوم اقتحام العقبة، الواردة في سورة البلد.

– الاقتحام:

ّفي سورة البلد دعوة ملحة من الله عز وجل للإنسان ليقتحم العقبة، دعوة للإنسان ذكرا وأنثى. ونتأمل هنا طريق السعادة التي يسلكها عباد الرحمن المتقون، إنها طريق شاقة، إنها عقبة، إنها امتحان وابتلاء، إنها بكل المعنى الثقيل ثقلا بليغا لكلمة صبر، إنها مسؤولية، إنها قوة، إنها إرادة، إنها اقتحام، وكلمة اقتحام تحمل معاني جساما” (الشورى والديمقراطية ص 15).

– العقبة … عقبات

“عقبات تثبط الإنسان عن اقتحام العقبة الإيمانية، وعقبات أوعر تعوقه عن الارتقاء في الإحسان، عقبات من تعلق نفسه بالدنيي، بالمال، بالجاه الذي يصرفه عن المرحمة، بالأنانية التي تجعله يستكبر عن الدخول في حضن الجماعة، يسمع النصيحة غافلا عن ربه، عن مخلوقيته، يحسب أن أحدا لا يراه ناسيا أن الذي برأه وجعل له لسانا وشفتين ديان” (الإحسان 1 ص 94).

– الكبد

ّ”ّذكر الله سبحانه وتعالى الإنسان في سورة البلد المكية، وذكر تعبه في الدنيا ما دام بعيدا عن ربه، وذكر نعمه عليه وما أودعه من طاقات، وما بعث إليه من رسل يهدونه، وما فطره عليه من استعداد، ثم خاطبه مخبرا محرضا: فلا اقحم العقبة … لا هنا للنفي والاستنكار فيكون المعنى: مع كل تلك النعم، ومع الهداية التي تخيره بين نجدي السعادة والشقاء لم يقتحم العقبة المؤدية إلى سعادته أو تكون لا للعرض والتحضيض فيكون المعنى: هلا اقتحم العقبة؟

وبكل المعنيين فهو نداء مؤكد من الله عز وجل للإنسان أن يسلك إلى ربه سبيلا”.

– النداء

“إلى ماذا يشير لفظ النداء؟ .. ماذا تحمل العبارة (اقتحم العقبة) من مواصفات في “الذات” وفي “الموضوع” الذي هو الطريق؟ قال الراغب الأصفهاني في مفردات ألفاظ القرآن: (الاقتحام توسط شدة مخيفة) وقال (العقبة طريق وعر في الجبل)” (مقدمات في المنهاج ص 54).

قال ابن كثير العقبة جبل في جهنم وقال قتادة: إنها عقبة قحمة شديدة فاقتحموها بطاعة الله تعالى.

– النجدين

“نجد أن النجدين الذين هدى الله تعالى إليهما الإنسان عقبتان: إحداهما تؤديه بعد الكدح والكبد والتعب في دنياه إلى الشقاء الأبدي في الدار الآخرة، والأخرى وهي التي عظم الله شأنها وشوق إلى معرفتها في قوله “ّوما أدراك ما العقبة” هي التي يقتحمه المؤمن اقتحاما فينال بعمله الصالح ذاك سعادة الدارين. نداء خالد من الله عز وجل للإنسان، والإنسان مخير ذو إرادة، الإنسان حري أن يسارع لرضى ربه ويتجسم في سبيل المشاق أو يختار النجد الآخر” (مقدمات في المنهاج ص 56).

– فك رقبة

وأخبر سبحانه عن اقتحام العقبة فقال: (فك رقبة أو طعام في يوم ذي مسغبة …) قال ابن زيد أي يسلك الطريق التي فيها النجاة والخير، ثم بينها: فك رقبة.

عن أبي نجيح قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيما مسلم أعتق رجا مسلما فإن الله جاعل وفاء كل عظم من عظامه عظما من عظامه محررة من النار، وأيما امرأة مسلملة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله جاعل وفاء كل عظم منها عظامها عظما من عظامها من النار. (رواه ابن جرير).

والرق في رؤية الأستاذ عبد السلام ياسين هو كل ما يستعبد الإنسان فإذا هو رهين بإرادة غير إرادته.

– الإطعام

أو إطعام في يوم ذي مسغبة: أي مجاعة، يوم عزيز فيه الطعام، يطعم في هذا اليوم يتيما ذو قرباة منه لأن الصدقة على المسكين صدقة وعلى ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة، أو يطعم المسكين الفقير فقرا مدقعا لا بيت ولا شيء يقيه من التراب أو الفقير المديون المحتاج.

فكيف بإطعام الأمة الجائعة الفقيرة أو المفقرة المقيدة بديون الأبناك الدولية؟

– أبعاد العقبة

“يقول: أخبرنا الله العليم الحكيم بثلاثة أبعاد وهي مجاري العقبة وآفاتها:

1. الرق الذي يستعبد الإنسان فإذا هو رهين بإرادة غير إرادته.

2. العوز الذي يقعد بالمسكين واليتيم، تنعهم المسغبة والاهتمام بالقوت عن كل خير.

3. الانفراد عن جماعة المومنين الذي يتأتى السفر والاقتحام في كنفهم” (مقدمات في المنهاج ص 56″.

(ثم كان من الذين…) أي ثم هو مع هذه الأوصاف الجميلة الطاهرة مؤمن بقلبه محتسب ثواب ذلك عند الله عز وجل. قال تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهومؤمن…).

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “فك الرقبة تحرير للإنسان من العبودية لغير الله عزوجل، إطعام اليتيم والمسكين تحرير لطاقاته لينتج ما به يستطيع أن يطعم المعوزين ابتداء بإطعام نفسه، الكينونة مع الذين آمنوا تحرير للإنسان المؤمن الفرد من العزلة والخمول والانفراد، وإدماج له في الجماعة يتحزب لله عز وجل.

– ثلاث مجالات

ثلاث مجالات: المجال النفسي والمجال الاقتصادي والمجال السياسي. ليس ما نحن بصدده تأويلا لكتاب الله عز وجل. فلا نقاش في أن فك الرقبة المومنة من الكفارات وغيرها قربة. والصدقة على اليتيم والمسكين عمل صالح، وصحبة المومنين ومشاركتهم في الحق والصبر انضمام للجماعة مأمور به (مقدمات في المنهاج ص 57).

– شروط الاقتحام

بعد أن ذكر الله عز وجل في سورة البلد الثلاثة شروط التي يقتضي الوفاء بها اقتحام العقبة قال تعالى: (أولئك أصحاب الميمينة) ففك الرقاب وإطعام الطعام والكينونة مع المومنين أفعال مرضية، أعمال صالحة تؤدي إلى الحشر في أصحاب الميمنة. يعني هذا أن مجال الحرية ليس الدنيا الفانية وانتهى كل شيء.

الحرية الفردية والإنتاج والتوزيع الاقتصاديين، والتحزب السياسي مع المومنين أفعال لا تقصد لذاتها، ولا لهدف حضاري أرضي، إنها تكسب معناها وشرفها لما تؤدي إليه من مصير بعد الموت” (مقدمات في المنهاج 63).

أما الذين كفروا … فأولئك أصحاب الشمال، عليهم نار موصدة مطبقة عليهم فلا محيد لهم عنها ولا خروج لهم منها. قال أبو عمران الحيوني: إذا كان يوم القيامة أمر الله بكل جبار وكل شيطان وكل من كان يخاف الناس في الدنيا شره، فأوثقوه بالحديد ثم أمر بهم إلى جهنم ثم أوصدوها عليهم قال فوالله لا تستقر أقدامهم على قرار أبدا، والله لا ينظرون إلى أديم سماء أبدا، والله لا يذوقون فيها بارد شراب أبدا. (ابن كثير).

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: “أقترح عليك الاقتحام وعينت لك الرفقة مع المريدين الذاكرين غير الغافلين أرباب القلوب العاكفين بباب الله بالغذاة والعشي.

فأين إرادتك من الإرادات؟ وأين همتك من الهمم؟ إن كانت لا تحركنا الإهابة القرآنية فلعل ملاحظة أقراننا في الإنسانية والإسلام، السابقين الراقين في مرافع الإحسان توقد فينا حمية المنافسة (الإحسان ص 126).

– كلمة لا بد منها

اعلم أن ألف كتاب تحفظه لا يتقدم بك شعرة في الطريق إلى الله إن لم تنبثق فيك إرادة ويقظة وهمة وطلب، ولم تجد من يسدد خطاك من رجال عصرك.

وتكفي كلمة صادقة في لحظة صفاء في لقاء شفوي أومقروء يباركه الله تعالى ليوري زندك، وتظلم الدنيا في عينيك، لا تقر لك قرار حتى تضم قدم قلبك في مدارج العقبة لتقتحمها، ولتكون من أهل المناجاة والنجوى والقرب مع ذوي القربى، كان الله معك. (الإحسان ص 133).