الكلمة للأستاذ حسن البنا رحمه الله. قال في رسالة “نحو النور”: “وقد يظن الناس كذلك أن نظم الإسلام في حياتنا الجديدة تباعد بيننا وبين الدول الغربية، وتعكر صفو العلائق السياسية بيننا وبينها بعد أن كادت تستقر. وهو أيضا ظن عريق في الوهم، فإن هذه الدول إن كانت تسيء بنا الظنون فهي لا ترضى عنا سواء تبعنا الإسلام أو غيره. وإن كانت صادَقتنا بإخلاص وتُبودِلَتْ الثقة بينها وبيننا فقد صرح خطباؤها وساستها بأن كل دولة حرةٌ في النظام الذي تسلكه في داخل أرضها، ما دام لا يمَس حقوق الآخرين.

قال رحمه الله: “فعلى ساسة هذه الدول جميعا أن يفهموا أن شرف الإسلام الدولي هو أقدس شرف عرفه التاريخ، وأن القواعد التي وضعها الإسلام الدولي لصيانة هذا الشرف وحفظه أرسخ القواعد وأثبتها.

قال رحمه الله: “فالإسلام هو الذي يقول في المحافظة على التعهدات وأداء الالتزامات، “وأوفوا بالعهد، إن العهد كان مسؤولا”.1 ويقول: “إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتِمّوا إليهم عهدهم إلى مدتهم. إن الله يحب المتقين”.2 ويقول: “فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم”.3 ويقول في إكرام اللاجئين وحسن جوار المستجيرين: “وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مَأْمَنَهُ”.4

قال رحمه الله: “فالإسلام الذي يضع هذه القواعد ويسلك بأتباعه هذه الأساليب يجب أن يعتبره الغربيون ضمانة أخرى تضمن لهم حقوقهم.نقول إنه من خير أوربا نفسها أن تسودها هذه النظريات السديدة في معاملات دولها بعضها لبعض. فذلك خير لهم وأبقى

قلت: هذا كلام رجل مومن يعمل على نصاعة المبادئ. رجل حكيم مجرب لا تستفزه سياسة الاحتلال الاستعماري الذي حاربه بشرف.

في ظروف أخرى يكتب مومن آخر،هو سيد قطب رحمه الله، في استعلاء على كل جاهلية، لا يهمه أن يهادن ولا أن يُسْمِعَ المستجير. وكذلك ينبغي للعلماء أن يخُطّوا بجلاء ووضوح الخط الفاصل بين الإيمان والكفر وهم في فراغ من شؤون التعامل الدولي.

في ظروف أخرى وزمان آخر ينتصب مومن آخر، رمزاً للرفض المطلق لدولة الكفر “الشيطان الأكبر”. لا يتلجلج في إعلان عِدائه. إنه الإمام الخميني رحمه الله، الذي خرج من سنوات طوال عاشها في المعارضة المطلقة والرفض الجذري، فلم يأبَهْ بمبادئ التعامل الدولي في الإسلام ولا في غيره، علما منه أن الساسة الجاهليين لا يتصرفون إلا على ضوء مصلحتهم في حدود ما تتيحه موازين القوى والأمر الواقع. كان الإمام رحمه الله غائبا عن مسؤولية رجل الدولة، حجبتها عنه رسالة رجل الدعوة الثائر الحانق. ولم يتعلم خلَفُهُ رحمه الله حدود التعامل الدولي إلا بعد عشر سنوات من الحرب والمقاطعة والضغوط والاضطرابات. إنها ثورة.

في ظروف أخرى، ومكان آخر وزمان،اضطُرَّ المجاهدون الأفغان أن يتلقَّوْا المساعدات والسلاح من الولايات المتحدة ومن سلاطين النفط. وليس في عملهم مِساس “بشرف الإسلام الدولي” خلافا لمن جلس على فراشه ينتقد.

نحن في غد الإسلام إن شاء الله بين المبادئ الثابتة، وبين حكم الاضطرار، وبين حِكمة علَّمَتْنَا إياها التجربة وعلمتها إخواننا الشيعة. على ضوء قول الله عز وجل نلتمس مسلك الحكمة والرزانة لنعامل بالقسط والبِر مَن عاملنا في حدود معقولة بالمسالمة، ولنحارب بلا هوادة من قاتلنا في الدين. قال عز من قائل: “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يُخرجوكم من دياركم أن تبَرُّوهم وتُقسطوا إليهم. إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن توَلّوْهم. ومن يتوَلّهم فأولئك هم الظالمون”.5

إن هيمنة “الشيطان الأكبر” إلى زوال في أفق المستقبل المنظور. ذلك أن العالَمَ يتمخض عن كيانات متعددة يُعلن عنها ما نشاهده من ثورة التكتلات الاقتصادية السياسية، ومن ثورة التقانة المذهلة، ومن ثورة الديمقراطية التي صرعت النظام الاشتراكي وأنهت عهد التقاطب الثنائي بين عملاقي أمس.

انتهى عهد الهيمنة الثنائية، وعهد التوازن النووي والأحلاف الكبرى العسكرية.لا يتحدث عن حلف عسكري إلا أمريكا التي تريد أن تطوق “دولة الشر” الإسلامية لتدرأها عن منابع النفط.

في الأفق القريب تظهر وحدة أوربا الغربية ذات الوزن الهائل تتوسطها ألمانيا الموحدة عملاقة اليوم والغد. وربما يتوسع التكتل الأوربي على المدى المتوسط ليكوِّن “البيت الأوربي” الذي كان يلهج به زعيم تصفية الاشتراكية جرباتشوف. هنالك تكتل البحر الهادي بزعامة اليابان من حولها “النمرات الأربع”. هنالك تكتل جنوب شرقي آسيا. هنالك تطلع دول كبيرة مثل الصين والهند والبرازيل.

في نظام عالميّ يتراءى في الأفق قِوامُه القوة الاقتصادية يمكن للمسلمين أن يحتلوا المكانة الشريفة بعد أن تنحل عنهم الأقفال التاريخية. منها قفلان لا ندري أيّهما يقصفه القدَر الإلهي أولا: الحكم العاض المتمثل في سلاطين النفط وأضرابهم، والحكم الجبري المتمثل في الزعامة القومية التي تقول كلمة الحق بشجاعة لكن من مواقع الباطل.

كثير من محتملات المستقبل رهن بصلابتنا واستقرارنا. فليس التاريخ مسرحا، وليس المسلمون الصاحون المجاهدون نظَّارة على الهامش. وليس في القانونية الدولية التي يستند إليها العالَم اليوم ليُبْقِي النفطَ في أيد سخية بأموال المسلمين وكنزهم التاريخيِّ الثمين ما يمنع الشعوب الإسلامية من زلزلة الأنظمة الفاسدة المقفلة. بتماسك الإرادة الإسلامية الوحدوية، وبمشروعها الواضح في مبادئه وأهدافه و”شرفه الدولي” يمكننا أن نتصدى للتحدي الداخلي. أيدي التكتلات الدولية، الحالية والمستقبلية، تمكنت من التكنولوجيا، بل تمكنت منها التكنولوجيا، فهي القائد الأعمى لحضارة عمياء. وهي هي طِلبَتُنا نحن العاطلين عن العلوم والصناعات.

ولا يمكن أن نستنقذ التكنولوجيا من أيدي الباخلين بها، ولا أن نستأنسها فنسميَها بلساننا “تِقانة” إلا إن تكتلنا. ولا تكتل يمكن أن نحققه ما دمنا حبيسين في السياجات القومية. ولا مخرج لنا من ربقة القوميات الضيقة إلا بالحكم القرآني: حكم الشورى والعدل.

يقول المعاند: كيف نطبق حلولا عتيقة يقترحها كتاب عتيق على مشاكل جديدة في نظام عالمي متطور؟ جوابنا أن كلمة الله عز وجل الخالدة تأمرنا باقتحام العقبة وبخوض غمار الدنيا لا التنَكُّبِ عنها. ومهما كانت تكوينات هذا العالم وأطواره فهداية القرآن الثابتة إن استنارت بها إرادة جهـادية صامدة واثقة بموعود الله، عالمة بحكم الله، صامدة تحت بلاء الله، هي القائدة إلى نصر الله.

ولا يمنعنا تمسكنا بالمبدإ القرآني وشرعه النبوي وشرف الإسلام الدولي من التعلم من سنة الله وما يحدثه سبحانه في كونه على يد العباد، فتحاً منه عليهم، وجناية منهم وإفسادا، أو مجاهدةً مُنْجية عزيزة. لا يمنعنا بل يحُثنا. ومرونة الاجتهاد في حدود الشرف الإيماني هي لنا التكتيك. ولا نحيد إن شاء الله عن الهدف الاستراتيجي: الخلافة الثانية بمنهاجها وشروطها.ونستعمل المصطلحات الحربية “التكتيك والإستراتيجيا” تذكيرا بأنها معركة، لا يُخرجها عن طبيعة المعارك تحوُّل الأساليب من استعمال سلاح الإماتة الحسية إلى استعمال سلاح القتال الاقتصادي.

إن خريطة العالم السياسية المحمية بقانون الأمم المتحدة التي لا محيد لنا عن التعامل الدولي في ظله موضوعة لمصلحتهم لا لمصلحتنا. ليستقِرَّ هذا عندنا!

وضَعَ هذه الخريطةَ استعمارُ أمسِ.وهو اليومَ يقود القافلة البشرية من وراء ستار مجلس الأمن الدولي بمنطق اقتصادي.لا فائدة من استعمار الأرض بعد أن أثبتت حروب الاستقلال الوطني،وحروب فتنام وأفغانستان وأنغولا والكمبوج وغيرها أن الشعوب المستضعفة تقاتل وتنتصر. احتلال الاقتصاد أجْدَى وأنفع. احتلالُهُ باحتكار المال والمعلومات والتكنولوجيا والعلوم. وبالتحكم في أسعار الفائدة الربوية. وباستعمال مشنقة الديون وأُنشوطة إعادة الجدولة. وبالتقويم الهيكلي. وبالمساعدات المشروطة.وبآليات السوق التي تديرها الشركات عابرة القارات. وببخس أثمان المواد الأولية، وإغلاء أثمان المواد المصنّعة. وباللعب بالأثمان والنقد لتبقى الشعوب المستضعفة تابعة خانعة يجود عليها الأغنياء الأقوياء نقطة نقطة باستثمارات كلما كانت الاستثمارات نهبا سافرا.

هذا منطق الاستعمار الاقتصادي، وهذه أسلحته. إلاَّ أن تقرر الدولة الآفلة، أمريكا، أن تعيدها جَذَعةً فتحتلَّ منابع النفط بعد أزمة صدام.

والمسلمون من بين سائر المستضعفين هم الهدفُ المُمَيّزُ لكُرْهِ الغرب وعِدائه.والرأسماليةُ غربية ولو تعددت السِّحْناتُ والجنسيات.هذا الكره المتأصل المتجدد بعد ثورة إيران وأخطاء ثورة إيران يجب أن لا يستفزنا.

كتبت جريدة “لومند دبلوماتيك”6 تصريحا لموريس شمت رئيس أركان حرب فرنسا، قال: “عديد من البلدان (يعني الشرق الإسلامي وشمال أفريقيا) تعاني من الضغوط الداخلية التي يمارسها الأصوليون. وتعاني من تفاقم التوازنات السكانية والاقتصادية. ولَدَى هذه البلدان قوة عسكرية مهمة لا تَحْسُبُ لها حسابا المراجع العسكرية”. وصرَّحَ وزير خارجية ما كان يسمى الاتحاد السوفياتي يوم 6 مارس 1990، قال في فيِنّا يخاطب الغربيين ويحرض على المسلمين: “في الجنوب من أوربا (يعني دائما الشرق المسلم وشمال أفريقيا) وفي الجنوب الغربي من آسيا إمكانيات لعلها تكون أقوى من إمكانياتنا”.

وقال الله جلت عظمته: “إنهم يكيدون كيدا وأكيد كيدا.فمهل الكافرين أمهلهم رويدا”. والله غالب على أمره.ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

1 سورة الإسراء، الآية 34.

2 سورة التوبة، الآية 4.

3 سورة التوبة، الآية 7.

4 سورة التوبة، الآية 6.

5 سورة الممتحنة، الآيتان 8-9.

6 غشت 1990.