بعيدا عما يمكن أن يبديه المرء حول مضامين وأشكال برنامج في الواجهة، تسعى هده الورقة إلى الوقوف عند بعض ما جاء به عبد العالي بن عمور ” الديمقراطي جدا ” ليلة الأربعاء 26 فبراير 2003.

بن عمور المتطرف و” التطرف”

من استمع إلى رئيس جمعية بدائل وهو يتحدث خلال البرنامج عن الأ صولية والماضوية والتطرف. . . يخرج بقناعة أساسية وهي أن الرجل متطرف (أس ما لا نهاية) فهو يعيش هاجسا نفسيا اسمه الاسلاميون انعكس في كلامه وسلوكه طيلة البرنامج، وهذه بعض الصور:

* دعوته الواضحة إلى تبني المقاربة الأمنية في تعاطي السلطة مع ملف الحركة الإسلامية، واستعداءه أجهزتها الأمنية من أجل التصدي لهذا “الخطر الداهم”، وفي هذا إقرار واضح، ورضاء تام بسياسة الإقصاء والمنع والاختطاف؛ التي تتعرض لها جل مكونات التيار الإسلامي في المغرب ولعل الأمر يكشف عن ضعف خطير عند صاحبنا في تقدير عواقب الأمور وكارثيتها على المجتمع، وفي تجارب الجيران عبرة وعبر لمن يعتبر.

* بل إن الأمر سيزداد اتضاحا وخطورة في نفس الوقت عند مناقشة ” قانون الإرهاب ” ليصبح ” الناشط المدني ” محام بالوكالة وبلا ثمن عن ” إرهاب القانون” الذي تتبناه الدولة في مواجهة حركة اجتماعية أصيلة وليخرق بآرائه المتطرفة إجماع كل أطياف المجتمع المدني الداعية الى وقف المصادقة على هذا القانون الذي سيصطلي بناره الجميع وسيعيد عقارب الساعة الى زمن ليوطي.

* من المفروض في رئيس لجمعية مدنية أن يكون دقيق الكلام والملاحظة معززا آراءه بالإحصاءات والحجج المنطقية ليقتنع ويقنع، فقد كان حديثه عاما وفضفاضا عندما قال بأقلية الحركة الإسلامية وأقر بانعدام مشروعها المجتمعي. ففيما يخص النقطة الأولى فإن رأيه يدعونا إلى استغراب أن تكون الحركة الإسلامية- إن كانت أقلية- محط اهتمام ودراسة أساتذته في الغرب (مثلا كتاب الإسلام السياسي صوت الجنوب لفرونسوا بورغا) كما أدعوه فقط إلى رصد المسيرات الأخيرة كمقياس لفاعلية الحركة الإسلامية في الشارع المغربي، أما مسألة المشروع المجتمعي بما هو نظرية لتغيير الإنسان والمجتمع والحكم وقدرة على قراءة التاريخ والواقع واستشراف المستقبل وإجابة عن الأسئلة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية فليرجع مثلا إلى كتاب “العدل الإسلاميون والحكم” للاستاذ عبد السلام ياسين، هذا مع ملاحظة مهمة جدا وهى غياب المشروع المجتمعي عند صاحبنا ومخزنه وأحزابه وإلا فأين هو؟ بل ونتحداه بطلب عرضه على الشعب المسلم.

* لم يقتصر تطرف بن عمور على الكلام فحسب بل تعدى إلى سلوك قمعي لمسناه في تعاطيه مع أسئلة وعلي أنوزلا صحفى بجريدة الشرق الأوسط، وقد كان السبب واضحا تمثل في جدية المساءلة وموضوعية المعالجة لقضايا: إقصاء الحركة الإسلامية، قدسية المؤسسة الملكية التي تتعارض مع مقتضيات الحداثة والديمقراطية، والهزال الفكري فيما يخص العلمانية واللائيكية.

على أية حال كنا نتوقع رجلا من المجتمع المدني يقترح حلولا,فطلع علينا بن عمور بافكار متطرفة لاتمت بصلة إلى قيم التعايش والتساكن بين المختلفين,وتناقض كل دعاوى الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان”فلا ديمقراطية لغير الديمقراطيين” هذه قناعة صاحبنا ,ثم إنها أفكار تفتقد النصاعة والبيان والنسقية فلا قوة اقترا حية هناك.

بن عمور يعاني من مرض نفسي اسمه الاقصاء نتيجة هاجس نفسي اسمه الاسلاميون.

أيضا عبدالعالي يشكل نمطا متجاوزا بالنسبة للمفكرين اللائكيين، ننصحه لتجاوز هدا التجاوز الاستفادة من “رفاق الطريق”.

المثقفون والحداثة

من عجائب زمن “الحداثة” ألا يعرف الصانع صنعته فبله أن يجيدها ويتقنها، فمن أنصت إلى”الاستاذ” بن عمور”المثقف”وهو “يحلل” بعض المفاهيم يصاب بالذهول والاستغراق في الاستغراب وخاصة مفهوم الحداثة ومفهوم اللائيكية وعلاقته بالعلمانية.

فالحداثة في نظره هي الديمقراطية الحرية حقوق الانسان الاصالة الاسلامية والتنوع الثقافي.

إن العجز الفكري على هدا المستوى يشترك فيه صاحبنا وغيره كثير من “مثقفينا” الذين شاع عنهم وداع قلة القراءة، فتعريف الحداثة بهذا الشكل يظهر نقاط ضعف كثيرة ويطرح عليها عدة أسئلة منها:

أليس من الغريب أن نتبنى إلى أقصى حد وننادي بشئ لايستمد وجوده -أي الحداثة- إلا من غيره؟

ثم إدا كانت الحداثة هي الديمقراطية الحرية. . . . . . ما هو الجديد الذي جاء به مصطلح الحداثة ؟

وهنالك أيضا أسئلة الهوية الإسلامية على الحداثة وملحقاتها، نتركها إلى حين لضيق المساحة.

وأورد هنا تعريف أحد أساتدة “أهل الصنعة” ألان تورين(A. Touraine) (1)

الحداثة ثورة الانسان المستنير على التقاليد.

الحداثة تقديس للمجتمع، خضوع لقانون العقل الطبيعي.

الحداثة تمحوالمعتقدات وأشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي.

مجتمع الحداثة يلزمه التخلص من الاشكال التنظيمية غير العقلانية التي تحاول كسب الشرعية بالتمسح بوحي أو بقرار غيبي.

هذه هي حقيقة الحداثة التي يريد عبد العالي بن عمور وفلول المثقفين تسريبها إلى أمة الغيب والوحي.

إن ما قيل عن الحداثة من عجز وضحالة سيتكرس أكثر ويمتزج بالخلط والخبط حتى أن المرء ليتملكه الشعور بالشفقة على ضيفنا اللائيكي وذلك عند حديثه عن اللائيكية والعلمانية والحدود الفاصلة بينهما، ليخلص إلى قناعة/ فكرة كارثية.

فعبد العالي بن عمور لائيكي وليس علماني وكأن اللائيكية(2) أقل علمانية من العلمانية، انه زمن الحداثة العجيب.

تقسيم لا ديمقراطي للسلط:

في عالم الديمقراطية ومند مونتسكيوه تقسم السلط إلى تلاث من أجل تحقيق الموازنة في اتخاد القرار السياسي، فحسب طبيعة النظام السياسي تخصص للمسؤول الأول في الدولة سلطات وصلاحيات في مقابل سلطة المجتمع والقضاء، ويتحدثون هنالك عن المحاسبة السياسية ومأسسة السلطة وسيادة القانون والاستقالة الاختيارية للمسؤولين.

وفي مغرب الاستبداد حيث السلطات مصدرها ومنبعها واحد ووحيد تتربع المؤسسة الملكية على عرش القرار بقوة الدستور والواقع والعرف “فالحاكم واحد وغيره موظف”.

في ظل قتامة هذا الوضع حاول عبد العالي بن عمور- وربما بحسن نية- إعادة تقسيم السلط باقتراحه حصة الأسد التي هي طبعا لمؤسسة القصر، وأجملها في: سلطتي الأمن والدفاع والسلطة الدينية وما أسماه الملفات الكبرى.

غير أن تقسيمه هدا كان غير ديمقراطي ولا يمت بصلة إلى النادي العالمي الدي يريد إدخالنا فيه، ثم إنه من جهة أخرى وقع في إشكال فكري يبين غياب وضوح الرؤية وذلك عند حديثه عن السلطة الدينية للملك ما دام الرجل اللائيكي من دعاة فصل الدين عن السياسة. هذا دون أن ننسى تراجع صاحبنا عن قناعاته هذه في البرنامج نفسه وذلك عندما أثير حرف كتابة الأمازيغية “تيفناغ” الذي حسم فيه الملك وقبله بن عمور مباشرة بعد تذكير منشطة البرنامج رغم أن رأيه الاول كان هو كتابتها بالحرف العربي. فأين يضع صاحبنا مثل هذا “التحكيم الملكي ” الذي تنعدم معه الآراء؟ هل في خانة “السلطة الدينية” التي تطال كل الميادين أم في خانة ” الملفات الكبرى” التي تطال كل كبير وصغير ؟

المفروض في المجتمع المدني أنه قوة اقتراحية حقيقية ودافعة فكرية ومحرك اجتماعي وقلب نابض وضمير حي، يراقب ويقوم ويصحح مسار المجتمع ككل في وضوح تام للرؤية قدرة ووسيلة وهدفا. غير أن صاحبنا -ولكل الأسف – فشل في اعطاء وتثبيت هده الصورة عن “مجتمعنا المدني”.

“الفقيه” عبد العالي:

على قدر القداسة التي يعطيها الحداثيون لانتاجات العقل الغربي، بحيث ليس من حقك أن تناقش أو تطعن في الديمقراطية أو حدود الحرية أو العقلانية أو الحداثة. . . على قدر التطاول الجاهل على الأمة في هويتها وعقيدتها ومسلماتها المقدسة.

بحيث كل من هب ودب يصبح “عالما” يعطي لنفسه الحق في تفسير الدين والشريعة حسب هوى الحداثة وبما يخدم هدف التحرر من الدين. فبقدرة قادر أصبح بن عمور اللائيكي رجل العلم الشرعي، فتقمص عبد العالي جلباب “الفقيه” ليحدثنا عن روح الإسلام “اللائيكية” وقيمه النبيلة وعن الاجتهاد في النصوص-مع أنه لا اجتهاد مع وجود النص- وفق منظور التناوب الديمقراطي !! بل سيزداد”تشابك” بن عمور مع عبد العالي ليخلص إلى دهنية “الإسلام الفردي” فالإسلام هو “ما بيني وبين الله” وهي على كل شطر من قاعدة اللائيكية الكبرى “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله”.

إنها خلاصات هجينة وجامعة لما لا يجتمع نتيجة خطر عظيم وهو أن نقرأ إسلامنا بأعين غيرنا، أن نقرأ الإسلام من خلال اللائيكية والحداثة بل أن نبقي على اسم الإسلام وشكله ونعانق روح الحداثة اللائيكية.

لا أعتقد أن صاحبنا سبق له أن صادف شعار “تعال بنا نؤمن ساعة” للصحابي الجليل عبد الله ابن رواحة أو عايش “الدين النصيحة ” أو”بلغوا عني ولو آية” أو حديث الخلافة على منهاج النبوة. . . وهي وصايا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم التي تجعل الاسلام دينا جماعيا يطال مناحي الحياة كلها وينسجم مع خطاب التكليف القرآني “ياأيها الدين آمنوا”.

و في الختام:

أشير في الختام إشارتين:

قد يكون الاسم الثاني للمجتمع المدني هو القوة الاقتراحية غير أن عبد العالي بنعمور فشل في أن يقترح بقوة وحكمة أفكارا ورؤى بمقدورها أن تبعث الحيوية والجدة في واقعنا.

لقد كان تحامل رئيس جمعية “بدائل” على الحركة الاسلامية واضحا للعيان في غياب تام للموضوعية والعلمية وقيم التعايش والحوار وفي هذا الإطار نقول:

الحركة الاسلامية حاضرة بقوة في قلب المجتمع وفاعل أساسي في توجيهه وتربيته، فكل محاولة لتجاوزها والقفز عليها مصيرها الانعزالية والفشل المحتوم.

لفهم هده الحركة ينبغي التعامل معها كما تعرض هي نفسها بعيدا عن الأحكام الجاهزة المسبقة “فالأمر ما ترى لا ما تسمع” كما ينبغي تجاوز الوسائط -من أمثال بن عمور- في تلقي خطاب الحركة الاسلامية والتقاط الصور، التي تكشف ماهيتها وتوضح هويتها، حتى تكون صورا شفافة ترصد الحقيقة كما هي دون تشويه.

إن كان الحداثيون يخاطبون العقل فالإسلاميون بنورانيتهم وربانيتهم يخاطبون قبله القلب ليعانق فطرة الإيمان الصافية، لدلك فإقناعهم القلبي أعمق أثرا من إقناعكم العقلي أيها الحداثيون.

1) نقد الحداثة, Critique de la modernité A. Touraine

2) اللائيكية : هي الترجمة الحقيقية ل Laïcité (بالفرنسية) وSecularisme (بالإنجليزية) وتعني فصل الدين عن الدولة أي اللادينية. ويعرف معجم روبير Robert اللائيكية أنها مبدأ الفصل بين المجتمع المدني والمجتمع الديني بحيث لاتمارس الدولة أية سلطة دينية ولا تتمتع الكنائس بأية سلطة سياسية. واللائيكية هي أشد صور العلمانية تطرفا، عرفت خاصة قي فرنسا. هذا مع ملاحظة أن بعض المفكرين يعتبرون اللائيكية ليست فقط فصل الدين عن السياسة بل إخضاع الدين للسياسة.