و”الحداثيون” “التقدميون” “اللادينيون” هم “البدائل”. هذا هو مضمون الدرجة التي تضيفها عصابة عبد العالي بنعمور “البدائلي” في سلّم الارتقاء إلى تجفيف منابع التديّن والقضاء على الظلاميين.

هذا هو ملخص التعليق على مضمون الحلقة الأخيرة من برنامج “في الواجهة”، الذي استضاف عبد العالي بنعمور رئيس جمعية “بدائل”، والذي بثته القناة المخزنية الثانية مساء يوم الأربعاء 26 فبراير 2003.

ففي خطوة نوعية في مسار التطبيع مع الخطاب اللاديني في بلادنا لم تجد القناة الثانية الرسمية، التي يُنفق عليها من أموال الشعب المغربي المسلم، حرجا في بث هذا الخطاب “البدائلي” الإجرامي الإقصائي في حق توجّه له امتداد واسع في قاعدة عريضة من أبناء الشعب وبناته، وهو التوجّه الإسلامي، الذي يزداد انتشارا يوما بعد يوم، والذي ليس له من وسائل العمل إلا اللسان والحوار والمجادلة بالتي هي أحسن والإقناع والتربية على العقائد الصحيحة والأخلاق الفاضلة والتؤدة والسمت الحسن. والاستثناء لا حكم له.

لا تجد هذه القناة الدعائية المخزنية حرجا في استضافة هذه الأصوات الشاذة المُنكرة لتُؤذيَ أسماع المشاهدين وأبصارهم بخطاب يفتقر إلى أبسط شروط الحوار السليم وهو التواضع واحترام الرأي الآخر.

ماذا يُمثل عبد العالي بنعمور وعصابتُه في المجتمع المغرب؟ لا شيء؛ نكراتٌ في نكرات، ومع ذلك فهم يتجرّأون ويتكبّرون ويتكلمون كلام الأوصياء على الشعب المسلم، ولا يفترون عن الادعاء بأنهم هم المنقذون المُنتظرون لحماية البلاد من شرّ “الإسلاميين” وخطرهم الماحق الذي يهدد مستقبلنا.

خطاب غارق في الأوهام، يفيض من الحقد والكراهية والعدوان، يطبع أسلوبَه المغالطةُ والكذب والتشكيك والاتهام والإقصاء، ماذا يمكن أن يُرجى منه غير الفتنة ومزيد من التخلف والاضطراب والانحطاط؟

أهناك انحطاط تحت هذا الانحطاط الذي يبشّر به البدائليون؟

أهناك حضيض أكبر من هذا الذي تردّت فيه هذه الحفنة البشرية المرتزقة الشاذة؟

خطاب دعائي مخزني سافر تُرصد لتمويله وتشجيعه وحمايته والترويج له أموال باهضة من الصناديق “السوداء” و”البيضاء”، في شكل عطاءات سخية وامتيازات باذخة وإمكانيات لوجيستيكية ضخمة، كاستغلال التلفزيون والإذاعة وغيرها من الفضاءات العمومية الإعلامية والثقافية والرياضية والفنية، فضلا عن إمكانيات أخرى واسعة للتحرك والاتصال وربط العلاقات داخل المغرب وخارجه.

هذه هي حقيقة المجتمع المدني المغربي في منظار العهد الجديد؛ أموال تُبذر بلا حسيب ولا رقيب، ومؤسسات وهيآت وجمعيات تُصنع للدعاية والتزوير والمسخ، وإرادات تنحط وضمائر تخرب ونفوس حقيرة تطمع ولا تشبع.

إن المتتبع لبرنامج “في الواجهة” لا يفوته أن يلاحظ الوجه الدعائي الذي يميز، في الغالب، شخصية الضيف المختار، لكن هذه الدعاية ليس لها من اتجاه آخر سوى ترسيخ فلسفة الدولة المخزنية والتمكين لسلطتها، والتشكيك والتجريح والاتهام في حق معارضي هذه الدولة، فضلا عن اصطناع الكذب والاختلاق والطعن بالباطل قاعدةً أساسا في الكلام على الرافضين لدولة الجبر والتعليمات وعلى رأسهم الحركة الإسلامية التي تتقدمها جماعة العدل والإحسان.

في هذا البرنامج- وهو في اعتقادي برنامج رديء بالميزان الإعلامي المهني، فضلا عن تميزه بغياب قيم العدل والموضوعية والحوار النزيه والبناء- يحرُم الحديث عن الإسلاميين بخير، بل القاعدة هي ذكرُهم بكل الشرور وإلصاق مختلف التهم بهم، تصريحا أو تلميحا؛ فهم ظلاميون بلا تمييز. وإن كان لا بد من التمييز فهو كلام غامض لا يُعرف فيه كوعُ الحقيقة من بُوعها.

والإسلاميون أيضا، في غالب خطاب ضيوف “في الواجهة”، لاديمقراطيون يتحينون الفرصة للانقضاض وسفك الدماء، وما حديثهم عن الديمقراطية ومشاركة بعضهم في لعبتها، على الرغم من افتقارها لكثير من عناصر المصداقية، إلا ذر للرماد في العيون، لأن الهدف الحقيقي للظلاميين هو استغلال الديمقراطية للسيطرة على السلطة، وبالتالي إلغاء الديمقراطية وفرض الاستبداد وشريعة القتل باسم الدين.

والإسلاميون أيضا، في هذا الخطاب الإقصائي الذي يروّج له هذا البرنامج، خطر على قيم التقدم والحداثة، التي يمثلها، طبعا، أمثال بنعمور وأفراد عصابته، وهم يهدّدون الاستقرار ومستقبل الديمقراطية في البلاد؛ إذن، لا بد من مناصرة الاختيار الأمني في مواجهتهم، مع مراعاة “حقوق الإنسان” عند قمعهم ومنعهم وإقصائهم وتجفيف منابعهم!! اظلمْه، واسلبْ حقه، وصادرْ حقوقه، وحاصرْه، وامنعه، واقمعه، واختطفه، وعذبه، باختصار، جرّب فيه كل أشكال الظلم والقمع، لكن بطريقة تُحترم فيها حقوق الإنسان. هذا أقصى ما يمكن أن تجود به إنسانية هؤلاء البدائليين الحداثيين المجرمين. فهل هناك حضيض بعد هذا الحضيض؟!!

أيها العقلاء، أي حوار يُرجى مع من ينكر الحقيقة الساطعة التي تملأ السمع والأبصار والأفئدة؟ أقصد حقيقةَ الحركة الإسلامية التي تنتشر انتشارا واسعا في المجتمع، بكل طبقاته، والتي تتبنى جميعُ فصائلها أسلوب الحوار بالتي هي أحسن، وتنبذ العنف، وتجهر بمواقفها ومشاريعها وبرامجها، وتصر، في كل خطاباتها وبياناتها وكتاباتها، على أن تكون المرجعية العقدية والأخلاقية للشعب المغربي المسلم هي الإسلام، ويبقى في التدافع السياسي مجال واسع لتنافس الآراء وتناظر الأفكار وتغالب التيارات. ولا عبرة هنا بالأفراد الذين اختاروا سبيل المغامرة والدخول في مضايق المجهول، لأنهم استثناءات موجودة في كل مجتمعات الدنيا، وتسليطُ الضوء على هذه الاستثناءات على أنها هي القاعدة، كما فعلت أمريكا وحلفاؤها بعد أحداث 11 شتنبر، هو من قبيل التزوير والتضليل والباطل الذي سيبقى حبله دائما قصيرا مهما حاولت تطويله الدعاية المغرضة والأقلامُ الممسوخة، كقلم جمال براوي.

أيها الفضلاء، أيّ نفع يمكن أن يثمره حوارٌ مع من يغمض عينيه عن كل معطيات الواقع من حوله، ويجحد الحقيقة التي تحرق جلده، وينكر كتابات الإسلاميين التي تُعدّ، في المغرب، بالعشرات، إن لم نقل بالمآت، ثم ينعتهم، وكأن الأمر من المسلمات، بأنهم حركات لا برنامج لها إلا الهروب إلى الماضي بخطاب قائم على نصوص لا يمكن أن تصلح لا للحاضر ولا للمستقبل. وكلمة “النصوص”، في خطاب هؤلاء اللادينيين تشمل أيضا، إن لم يكن أساسا، القرآنَ الكريم وأحاديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لكن المنافقين الجبناء يتفادون، دائما، من التصريح بذلك ويحتمون بظلام التعميم والمغالطة، حتى إذا ما وُوجهوا بالحقيقة التي تُضمرها صدورهم قاموا وصاحوا واحتجوا بأنهم قد قُوّلوا ما لم يقولوا. ألا لعنةُ الله على الكذّابين والمنافقين.

وبعد، فإلى أين تسير الدولة المخزنية بهذه الحرب الإعلامية الفاجرة الظالمة العدوانية على شريحة واسعة- وما تزال في اتساع، والحمد لله- من الشعب المغربي المسلم، لا لشيء إلا لأنها، أي هذه الشريحة، تدعو الناس إلى التحصن بدينهم واتخاذه أصلا ومرجعا لتدبير شؤونهم والنظر في مشاكلهم وبناء مستقبلهم؟

إلى أين تسير الدولة المخزنية بهذا الظلم الفاضح والتمييز القادح والعدوان الغاشم في حق الحركة الإسلامية، فكرها واجتهادها ومشروعها ومنظورها للمستقبل؟

إلى أين نسير بهذا العناد “اللاديني” الأعمى؟

أيها البدائليون الحداثيون، أيها المخزنيون الجدد، إن الإسلاميين كانوا وسيظلون، إن شاء الله، حقيقة راسخة الجذور في المجتمع المغربي المسلم، وإن بناء حاضرنا ومستقبلنا لن يكون، بإذن الله، إلا في الإسلام وبالإسلام؛ في الإسلام وبالإسلام وأنفكم راغم وجمعكم مدحور أيها الظالمون الحاقدون، وإن الله من ورائكم محيط، وهو، تعالى، وليّ المؤمنين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.