مما فتحه العزيز العليم عليهم من فنون الابتلاء في هذا الطور التاريخي تسارُع الأحداثِ وجريانها بما لم يكن في حُسبان الحاسبين. فبعد نهاية القرن الرابع عشر الذي عرف الغزو الاستعماري، وعرف حربين كونيين، وعرف استقرار العالم على ازدواج المعسكرين الشيوعي والرأسمالي، وعرف بزوغ الصحوة الإسلامية، وعرف حركات التحرر الوطني، ها هو القرن الخامس عشر يدُق طبولَ النصر على رأس الرأسمالية المنتصرة في موكب أحداث تحمل بشائر تغيُّرٍ حثيث واسع هي في آخر المطاف بشائر النصر للإسلام. إن شاء الله العلي العظيم.

في العشر الأولى من هذا القرن سمعَ العالَمُ بدهشة فرقعة الثورة الإيرانية، ومجد المقاومة الأفغانية، وآية أطفال الحجارة. على عتبة العشر الثانية نعيش خلخلة النظام السوفياتي وتحرر أوربا الشرقية، ثم هجمة الزعيم القومي صدام حسين وتحفز العالم كله لمحاصرته.

انتهت الحرب الباردة بين العملاقين الخصمين بالأمس، فأمريكا المخدوشة الوجه بماضيها البغيض في دعم الأنظمة الاستبدادية، المسؤولةُ عن زرع الدولة اليهودية في أرض الإسلام وتسليحها، تكشف عن نياتها الاستعمارية الكَلِبة بنـزولها في أرض النفط، أرض الإسلام المقدسة.

توحدت الحضارة الأوربية، بقيادة هذه الأمريكا المعادية للإسلام أشدَّ ما يكون العداء، بعد ذوَبان التناقض العسكري والإديولوجي. انهارت الشيوعية وبرهَن تخاذلُها أمام رأسِ المالِ على أن التاريخ يصنعُه الاقتصاد أكثر مما تصنعه القوة العسكرية. ففي المعسكر الشيوعي سابقا مراجعة وإعادة نظر في تمويل السلاح، وفي الدبلوماسية، وفي الاستراتيجية، وفي الأحلاف. وفي المعَسْكَر الآخر، قل في الجناح الآخر للحضارة الأوربية الأمريكية، توجُّهٌ لتوطيد نظام عالَمي جديد توَدُّ الولايات المتحدة الأمريكية لو تكون عميدتَه الوحيدة الزعيمة. لولا أن مديونيتها وعجزها المالي الفادح وسمعتَها وعادتَها تُمسكُ بتلابيبها إلى الوراء. فهي تتخذ الأمم المتحدة قُفازا لإدارة سياستها تحت شعار حقوق الإنسان وحرية الشعوب والشرعية الدولية.

هناك بالفعل ملامح نظام عالمي جديد وخطوط توازن عالمي جديد هو في طور التكون. أوضاع تنقلب ليرتفع أغنياء العالم: ألمانيا واليابان وأمريكا.

استعادت الدولتان المهزومتان عسكريا في الحرب العالميـة الثانية قوتهمـا على طريق التفوق الاقتصادي. ففي أفق النظام العالمي الجديد منابِر جديرٌ أن يعلوَ فيها صوت الأغنياء القادرين المستحوذين على خيرات الأرض بالإبداع والتقانة على كل صوت. وما تحركات الولايات المتحدة الأمريكية وتقلبها في الأرض إلا محاولة للبقاء على رأس القـافلة. لا تزال لذلك الليث الهرم، نمرِ الوَرق، أنياب.

النظام العالمي الجديد يتألق في أوْجِهِ المنظور بريق المـارْكِ واليِنّ، يَنْخَرُ اقتصادهما في اقتصاد الدولار ويَسْحَبُهُ.ولن يلبث التفوق الأمريكي الذي تتيحه سَعةُ رقعة البلاء، وتنوُّعها، وحجم سكانها أن يتجَـرَّر في الذيل. فمنذ الآن يتفوق اليابانيون ويتقدمون في بعض الميادين بعقدين من الزمان أو أكثر. ومنذ الآن تبرهن التكنولوجيا الألمانية التي تعتمد الصناعة المدنيةَ على تفوقها وسبقها لتِقانة التساقطات العسكرية.

سؤالنا المحوريُّ هو: كيف يتصرف الإسلاميون في الحكم مع هذه التطورات الجديدة؟ وما هي الأسئلة التي يطرحها عليهم التطور السريع،خاصة في تسابق أمم العالم للديمقراطية وفي بروز الأمم المتحدة بوصفها فاعلا رئيسيا في استراتيجية ما بعد الحرب الباردة؟

الديمقراطية المُعلنة في غرب أوربا وشرقها يردد أصداءَها في الأرض الحجَر والمَدَر، هل تقتصر على مصلحة ذلك المعسكر الكافر المعادي للإسلام؟ هل يعوقها المانع الجنسي القومي من عبور الحدود إلى ديار المسلمين؟ أم إن حظهم وحظ المستضعفين في الأرض الرزوح تحت كلكل الاستبداد المحلي والعدوان الخارجي؟

ما حظ المسلمين من انفراج النظام العالمي الجديد؟ ماذا يمكن أن ينتظروا من قيادة الأمم المتحدة وهي تركيب يسكنه الجن الأمريكي وتحركه إرادة الخمسة المتحكمين بحق الفيتو؟

المسلمون هم خزَنةُ القدَر الإلهي على النفط، والنفط هو عصَب الاقتصاد العالمي، وعلى النفط تتحلب أفواه الأمم الغالبة.قضية منطقية ما نتيجة مقدماتها في عالم الغد، وفي سياسةٍ عالمية تُدَبَّر في غياب الإرادة الإسلامية الحرة،وبمُمَالَأةِ الحكام العاضينَ الجبريين؟

أسئلة ومعادلة نجد في صميمها الإمساك الشديد بيد القهر العسكري الأمريكي لمصادر المسلمين الحيوية. يد تُنـزل الجنود الأمريكيين في الأرض المطهرة قرب البيت الحرام، ويدٌ تخنق بالديون والاستحقاقات والبرمجات.

نفس القوة العجوز المهزومة في فتنام ولبنان تحمِي اليوم محميتين على منابع النفط: محميةَ دولة اليهود، ومحميةَ دولة سلاطين النفط. وللمسلمين خارج المحميتين سوءُ المصير. منذ بضع وأربعين سنة يعيث اليهود فسادا في أرض فلسطين، وتُصدر الأمم المتحدة القرارات فيحبسها في مجلس الأمن الحق الأمريكي في الرفض، أو تتجاهلها الدولة اليهودية مطمئنة إلى سنَدِهَا هناك. ومنذ هجم الزعيم القومي صدام عل الكويت جنَّدَت أمريكا العالم كله، وانتضت الأمم المتحدة في ثمان وأربعين ساعة سلاحَ المقاومة والمحاصرة بإجماع لم يسبِق له مثيل.

هذا يدل على أن النظام العالمي الجديد وجه جديد لنفس الهيمنة الاستكبارية. فالقارونية الرأسمالية لها أنياب هي اليوم أكثرُ حِدة من أي وقت مضى، وأكثر تلهفا على ما في أرض المسلمين من هذه الثروة الفريدة: النفط. القارونية الرأسمالية لها أنياب ذرية، فهي جَذلَى بمستقبل لا تنغصه المعارضة الشيوعية الآفلُ نجْمُ نظامها.

الظلم الواقعُ على عالم المستضعفين لا يزال القاعدة. كلما ازداد الاقتصاد الرأسمالي ازدهارا ازدادت حالة المستضعفين في الأرض سوءا. ازدهارهم كارثة مدمرة لنا ولمن على الأرض، سُكانِها وبيئتِها.

في عنق المستضعفين حبلُ مشنقة تشده أو تُرخيه الهياكل المالية الرأسمالية. المديونية كلمةٌ عنوانٌ في زمن النظام العالمي الجديد على حال المستضعفين.

كان المستضعفون، على عهد التقابل والتضاد بين الشيوعية والرأسمالية، يجدون مُتنفسا بين العملاقين. أمريكا كانت تدعم الطواغيت فتجد الشعوب المقهورة سلاحا ونصيرا استراتيجيا عند الدولة العظمى التقدمية السوفياتية. أما اليوم فالوِفاق بين شرق الجاهلية وغربها وحَّدَ السياسة بما لا يُبْقي متنفسا للمستضعفين.

كان الحِلف الغربي ضدَّ الشيوعية مُحَرِّكَ “الناطو” وعامِلَ التلاحم بين الأغنياء الأقوياء. أما اليومَ فالمحرك في النظام العالمي الجديد هو العِداء للإسلام. الإسلام هو “دولة الشر”.

كان الرئيس الأمريكي السابق ريجان منذ بضع سنوات يصف الاتحاد السوفياتي بأنه “دولة الشر”. وقد انتهت تلك الدولة إلى السقوط في أحضان عدو الأمس. وبذلك فقدت الحضارة الرأسمالية مِرآة تعكِس لها حقيقتها لترى وجهَ نفسها في عدوٍّ مطلق، في “دولة شر”. ولا تجد الحضارة المادية في تاريخ عِدائها للإسلام، ولا في حاضر استعمارها لمنابع النفط، ولا في مستقبل تخوفها من الصحوة الإسلامية “دول شر” أشرَّ من الإسلام.

ليكن هذا ثابتاً عندنا. فالدولة اليهودية القابعة في ديارنا مذكِّرٌ كاف، مذكر حاضر، مذكر مؤلم، مذكر جارح، مذكر قاتل، بمعاني العداء الأبـدي في صدورهم. وصدق الله العزيز العليم قال: “ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبعَ ملتهم”.1

إذا ثبت هذا عندنا، فلنتيقن معه أن اختزال التاريخ وتلخيص موقفنا في شعار “أمريكا الشيطان الأكبر” مُقابِلَ نظرتهم إلينا بعين العائذ من “دول الشر” لن يتقدم بنا خطوة في طريق تحررنا.

لا بد لنا أن نعرف العدُوَّ، ولا بد لنا أن نعرف سبب عدائه، وجذور عدائه، وتكتيك عدوانه. ونكون أغبياء إن لم نستعمل النظام العالمي والحقوقية الدولية لنكسِبَ من خلالها بعض المعارك.

نتأكد أولا من قوتنا الذاتية،وعلاج أمراضنا الذاتية، وتحرير إرادتنا الذاتية. وكل ذلك تعرقله إن قدرَتْ قوى العدوان. علينا أن نجاهد حتىنغلبَهم على أمرنا. وأثناء ذلك وبعده ننزل إلى “ساحة المعارك الأساسية” بنيةٍ اقتحامية وبأهداف تحريرية.

كان نكسون الرئيس الأمريكي السابق يقول عن حقوق الإنسان: “إنها ساحة المعارك الأساسية”.ذلك كان شعارَهُ على عهد الحرب الباردة.في العبارة اتهام للسوفيات بما يعترف به السوفيات الآن من أنهم ظلموا العباد.

علينا بعون الله أن ننازل الجاهلية العادية على المستضعفين على أرضيـة هذه “المعارك الأساسية” بالوسائل التي نصَبُوها من قوانين دولية وأعراف وشعارات. إن نازلناهم ونحن جميعٌ صفُّنا، ملتئمةٌ إرادَتُنا،عالٍ قصدُنا،فلن نعدَم من الله تعالى التوفيق. إنه هو العلي القدير.