سنتقدم رويدا رويدا، فصلا بعد فصل، في أرض التناقضات التي تشوه الرؤية وتقزم الإنسان، عسانا نتجاوزها. ورغم الشدة التي ستطبع مرافعتي فأنا أؤكد أنني أكتب حبا للإنسان، مواطن الحداثة الذي يصده هذا الركام الهائل من التعميات عن إدراك مغزى وجوده والحصول على تذكرة تؤهله لولوج عالم الإنسان … الحقيقي.

لا يسعنا سوى الإشفاق على هذا الظل الباهت الذي أصبح حبيس ذاته، غافلا عن جوهره، محروما من معنى يجده لحياته.

هدفي الأساسي هو تحطيم العوائق التي تحجز لين الإنسان وحقه في معرفة سر وجوده بعد أن يعترف بخالقه.

لذلك سيتعقب الجزء الأول من هذا الكتاب معالم البيئة التي قرر العقل الغربي أن يستوطنها محاولا تشخيص أمراض الحداثة المتدقعة المقتحمة.

أما الجزء الثاني فسيعمل على تحطيم الأحكام الجاهزة التي رسخها في الأذهان العرف الغربي المذعور أو المتحامل. سأحاول فيه أن أعرض بعض المواقف وأهاجم بعض الأطروحات التي لن تذوق البشرية طعم الراحة إلا بعدأن تتخلص منها.

ويبقى الجزء الثالث محاولة لعرض الإسلام الأصيل وكشف الانحرافات التاريخية التي شهدتها المجتمعات المسلمة. لأن النقد الذاتي ضرورة يمليها الخوف من شبح التهرب من المسؤولية وإلقاء التبعة على الآخر. هذا الخيار السهل الذي تعلل به الهمم الفاترة الحجب التي تمنع الرسالة الإلهية من بلوغ القلوب والعقول !

سيسعى إذن هذا الجزء الأخير إلى استقصاء جذور الانحدار وتخليص الإسلام من ترسبات تاريخ المسلمين.

لكنني قبل هذا وبعده لا أدعي أبدا التزامي في هذا المؤلف بالصرامة الأدبية، فهو أولا وقبل كل شيء نداء قلبي مدعوم بالبراهين والأدلة، دعوة متحرقة إلى الإبحار بحثا عن المعنى، معنى هذا الوجود