في وقت يتوسع فيه النقاش بكل حمولاته السياسية والحقوقية والتاريخية والقانونية بين نشطاء حقوق الإنسان، وفي أوساط نساء ورجال فكر وتاريخ وإعلام، هنا داخل المغرب ومن خارجه، حول مسألة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب وما خلفته من ضحايا ومن آلام، وحول الممارسين لتلك الجرائم والمسؤولين عنها باسم الدولة ولحسابها، وفي لحظات التفكير الجدي وسط الضحايا أنفسهم في أسلوب المعالجة الحقيقي والمناسب، والبحث في الاجتهادات التي شهدتها تجارب دول لطي صفحات الماضي وبناء مناخ مصالحة مع الذات والذاكرة، وفي الوقت الذي تتطلع فيه حركة حقوق الإنسان من خلال وقفات رمزية لحشود من المواطنين ضحايا سنوات الرصاص ببوابات تازمامارت، قلعة مكونة،، درب مولاي الشريف، مقهى ليب بباريس… لتقول للدولة ومسؤوليها وللأجهزة التي كانت وراء المحن والمصائب والانتهاكات لعقود طويلة من تاريخ مغرب الاستقلال، لتقول لهم قفوا… كفاكم من الضحايا فقد حصدتم ما يشبع شهواتكم باستعمال الاختطاف والتعذيب والقتل خارج نطاق القانون، والمحاكمات غير العادلة، والحبس في معتقلات غير قانونية وتذويب الجثث وإحراقها، و، و،…

وفي الوقت الذي يؤكد ويجدد فيه ملك المغرب في كل مناسبة، خلال السنوات الأخيرة، الالتزام بمقومات دولة القانون والتعهد بترسيخ الحقوق وضمان ممارسة الحريات، ويدعو إلى مفهوم آخر لممارسة السلطة، في ذات الوقت يأبى العاملون في الأجهزة السرية الموالية لوزارة الداخلية، إلا أن يتحدوا الجميع، أي أن يتحدوا القانون والملك والرأي العام ومناضلي حقوق الإنسان، ويقوموا بممارسة الاختطاف لعدد من المواطنين جهرا ونهارا ويحتجزونهم لعدة شهور. فإلى أين يريد هؤلاء أن يصلوا بالمغرب؟ ونحو أي اتجاه يدفعون النظام المغربي؟ ولفائدة من يقدمون هذه الخدمات المسمومة؟ وإلى متى سيظل هؤلاء بدون محاسبة عن أفعالهم؟

أي مجتمع نريد

إنها أسئلة ضمن أخرى علينا أن نجيب عليها حتى نتمكن من صياغة نمط المجتمع المغربي الجديد والفصل في إرث الماضي ودفن تداعياته. إنها أسئلة تفرض نفسها علينا كذلك، أمام الفضيحة التي تفجرت أمام الرأي العام الوطني والدولي بمناسبة آخر عملية قامت بها الأجهزة تحت مسؤولية وزير الداخلية الجديد عندما أقدمت على اختطاف بعض المواطنين، الفضيحة التي أظهر الوزير أمامها إنكاره، وحاول أن يبرئ نفسه حين أثير موضوع الاختطاف بمجلس الحكومة المنعقد أخيرا، كما أخبرتنا جريدة الأحداث المغربية في عدد يوم السبت الماضي. فهل الموضوع لدى وزير الداخلية بهذه السهولة حتى يتم التعامل معه بهذا الاحتقار؟ أم أن الشعور بالذنب يؤدي بمن لا يحس بالمسؤولية إلى الهروب نحو الأمام؟ وهل أن أمر الاختطاف الذي أيقظ مشاعر السخط لدى المواطنين قد طال حيوانات ودوابا ولم يتعلق بأشخاص من بني الإنسان وبمواطنين لديهم كرامة وحقوق على الدولة؟ وما هو جواب وزير الداخلية بعد الإفراج عن مختطفين اثنين وتقديم ثالث منهم لقاضي التحقيق؟ فإن كان يعتبر أن اختطافهم ليس سوى ادعاء فقط، فقد كان عليه أن يتقدم بشكاية ضدهم بسبب القذف والوشاية ونشر الخبر الزائف، وكان عليه أن يجيب منظمات حقوق الإنسان بل ويقاضيها، وهي التي اتهمت الأجهزة التابعة له بممارسة الاختطاف. كما كان عليه أن يشتكي من وزيري البيئة وحقوق الإنسان اللذيين أكدا، حسب جريدة الأحداث المغربية، وقوع الجريمة وأكدا على خطورتها وصعدا من انتقاداتهما لمثل هذه الممارسات… وما عسى يقول وزير الداخلية، بعد أن قام المختطفون التابعون لوزارة الداخلية بوقف عملية الاختطاف القسري لمواطنين اثنين يوم الخميس السادس والعشرين من دجنبر أي قبل يومين من الإضراب عن الطعام الذي قررت السيدة الرويسي والسيد بن عبد السلام شنه غضبا وضد استمرار هذه الجريمة، بعد أن ظل المختطفون يحتجزون ضحاياهم لفترات طويلة يرجع بعضها إلى شهر شتنبر الماضي، من دون أن تستطيع أية سلطة، ولو القضائية، الجواب عن التساؤلات التي أثارتها الجريمة من لدن العائلات ومن لدن منظمات حقوق الإنسان، كأن المغرب دولة في حالة استثناء وطوارئ، وكأن المغاربة في غابة من الوحوش المفترسة ينقض القوي على الضعيف والحاكم على المحكوم، ليس لهم إلا الصبر والصمت، وليس فيهم مسؤول يستجيب لدعوة الداعي ولا لأنين المظلوم، رغم أن لديهم وزارة يطلق عليها وزارة حقوق الإنسان، ديوان مظالم ومجلس استشاري لحقوق الإنسان. ورغم الضجة التي أثارها هذا الحدث، لزمت وزارة حقوق الإنسان الصمت منذ شهور، كما لزمته سابقا في قضايا التعذيب والمحاكمات غير العادلة والاعتداء على حرية الصحافة… وكأنها تقول لنا بصوت محتشم خافت: إنني وزارة بدون مهام، وزارة متضامنة مع أخواتي الأخريات حتى ولو كان من التضامن ما يعتبر جريمة دولة. ورغم الضجة التي أثارها هذا الحدث كذلك، لزمت وزارة الداخلية صمتها المعهود، فكيف لها أن تتحرك وهي المتهمة بالأساس في عملية الاختطاف؟.. ولم يكن ينتظر منها أي مواطن، بالطبع، أن تغير أسلوبها وتقرر تجنيد أجهزتها القانونية للكشف عن الضحايا وعن المختطفين، أي الاقتراب من حاجيات المواطنين والدفاع عنهم، رغم الأوامر الصادرة لها على الخصوص لكي تغير صورتها السوداء وأساليب أجهزتها التي تمارس ممارسات خارج نطاق القانون، ولكي تتصالح مع الرأي العام وتكفر عن ماضيها وتنتقل إلى درجة سلطة القانون وتتخلى عن سلطة القوة واللاقانون.

مسؤولية الدولة

إن الدولة المغربية مبدئيا ونظريا مسؤولة عن حياة وحرية مواطنيها، ومن هنا كانت تكفي مجرد إشاعة بوجود حالة اختطاف أو مصير مجهول لمواطن، لكي تأمر كل سلطة ممن لها حق إجراء الأبحاث والتحريات، لكي تجند إمكانياتها لكشف الحقيقة ووضع حد لكل التخوفات، لكن حين تلجأ الدولة بواسطة بعض أجهزتها الأمنية غير المسموح لها بالقييام بما هو منوط بالضابطة في إطار المسطرة الجنائية وتحت مراقبة النيابة العامة ورؤسائها، وتسمح لهم بالإخفاء القسري للمواطنين واحتجازهم في دهاليز سرية غير رسمية خارجة عن رقابة القضاء، من دون أن تجيب العائلات ولا المنظمات القلقة على مصيرهم، فإنها ترتكب جريمة دولة، بمعنى الكلمة، بل جرائم مركبة ومتعددة، ونصبح كمواطنين أمام حالات رعب وإرهاب الدولة. ويعلم الجميع أنه حتى في غوانتانامو، حيث يوجد الآلاف من المحتجزين لدى الولايات المتحدة الأمريكية بدون اتهام وفي شروط إرهاب دولة عظمى، فإن أسماء المحتجزين بدون محاكمة معروفة بل والبعض من المنظمات الإنسانية الدولية استطاعت الاطلاع على شروط اعتقالهم غير الإنسانية، وإنه لا يمكن للمغرب قبول النموذج الأمريكي في أسلوب اغتيال حقوق الإنسان وإذلال البشر واحتقار مقومات القانون الإنساني الدولي، ولا يمكن للمغرب أن ينقل تجربة المخابرات المركزية الأمريكية في الاختطاف والحجز والمعاملة غير الإنسانية، ليطبقها على مواطنين هم بشر ولهم كرامة، كيفما كان ذنبهم إن ثبت أنهم ارتكبوا ذنبا ما، ولا يمكن للمغرب إلا أن يختار المشروعية لأنها هي التي تنشر الاستقرار وتضفي الأمن وتثبت دعائم النظام.

الاختطاف في القانون المغربي والقانوني والدولي:

ومع كل أسف لم تقم إلى الآن الأجهزة الرسمية والقانونية الموكول إليها بالبحث والتحقيق في الجرائم، من نيابة عامة وشرطة قضائية، بأية مبادرة تستوجبها مسؤوليتها للكشف عن هوية المختطفين، هل هم أشخاص عاديون أم موظفون تابعون للدولة ومصالحها، وعن هوية رؤسائهم وعن الجهة التي أمرت بالاختطاف والوسائل التي استعملت من أجله، والكشف عن مكان الاحتجاز السري، وعمن وضعه تحت تصرف المختطفين، والكشف عن الظروف التي كان يوجد فيها المخطوفون، وهل تعرضوا للتعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة، والبحث عن الأهداف التي كانت وراء ذلك، وهل وضع المختطفون تلقائيا حدا للاختطاف أم أن جهة ما معينة أمرتهم بتسريح ضحاياهم. وهل سيقوم قاضي التحقيق الذي سينظر في ملف المواطن قتوبي لكبير الذي أحيل عليه ملفه بعد مرور أيام من الاختطاف، في البحث قبل كل شيء، في ظروف الاعتقال وإجراءات البحث التمهيدي وأين تمت، ومن كان يقوم بها؟

وهل سينتقل قاضي التحقيق إلى عين المكان الذي كان المخطوف محتجزا به؟ وهل سيستدعي كل من له علاقة بعملية الاستنطاق والبحث؟ وهل سيحقق في التواريخ التي يمكن أن تكون غير قانونية ومطعون في صحتها بمحاضر البحث التمهيدي..؟

إن القانون الجنائي المغربي في الفرع الرابع من الباب السابع المتعلق بالاعتداء على الحرية الشخصية الذي يرتكبه الأفراد العاديون يعاقب في الفصل 436 جرائم الاختطاف والقبض والحبس والاحتجاز خارج نطاق القانون ودون أن تأمر به السلطة المختصة الذي يرتكبه الأفراد بعقوبة تصل إلى حد عشر سنوات حبسا، وإذا استغرقت مدة الاختطاف ثلاثين يوما، فإن العقوبة تصل إلى 30 سنة، وإذا وقع تعذيب المختطف، فإن العقوبة تصل إلى الإعدام حسب الفصل 438 ولم يكن ببال من وضع القانون الجنائي منذ 1962 أن يتعرض وينص على جريمة الاختطاف التي يرتكبها موظف الدولة التابع لأجهزتها الأمنية السرية أو العلنية نظرا لكون طبيعة الأشياء وإطار المسؤولية تتناقض مع هذا التصور والاحتمال، إذ من المفترض أن الأجهزة المذكورة هي التي تحافظ على حرية المواطن وعلى سلامته وعلى حقه في الحياة وتحول دون تعرضه للتعذيب ولا لسوء المعاملة، وبالطبع لا تقوم تلك الأجهزة ولا موظفوها باختطافه، لأن الدولة تملك مصدر سلطتها أساسا من القانون ومن المشروعية ولها استعمال الإجراءات المسطرية المسموح بها لكي يقع التصدي لما يمكن أن يقع من جرائم، ولكي تستجوب شخصا أو تضعه تحت الحراسة القانونية لذلك، وأن يلتجئ موظفوها إلى رؤسائهم ليأخذوا منهم التعليمات في نطاق من المشروعية والمحافظة على الضمانات التي ينص عليها القانون لكل المشبوه فيهم ولها أن تحيلهم على الجهات التي يمكن أن تتهمهم وتحاكمهم.. لذلك لم يخصص القانون الجنائي للجريمة المتعلقة بالاختطاف سوى ما يهم السلوك الصادر عن الأفراد العاديين بدون صفتهم ومسؤوليتهم الوظيفية، معتبرا أن دولة القانون تتجنب ارتكاب الجرائم، بل هي التي تحاربها ضمانا للاستقرار وحماية للمواطنين. لكن حين يقع اختطاف مواطنين من قبل الدولة بواسطة فرق سرية من موظفين معروفين لدى أكبر إدارة من إدارات الدولة المكلفة بالأمن أي وزارة الداخلية، فهذا يعني أن الدولة نفسها تشجع على تكوين العصابات، وبالتالي فإن هذا التصرف يشكل علاوة على مخالفته للقانون الجنائي، اعتداء عى مقتضيات دستورية كذلك، خصوصا الفصلان التاسع والعاشر اللذان ينصان على حرية التجول والاستقرار وعلى تحريم إلقاء القبض والاعتقال خارج ما يبيحه القانون، وكلها مبادئ تحمل مضامين تتعلق بالحق في الاعتراف بالشخصية القانونية لكل مواطن والحق في السلامة التي لا يتأتى إلغاؤها أو التقليص منها مؤقتا إلا في الحدود التي تنص عليها القوانين.

لا … للاعقاب

إن الاختطاف في الشرعية الدولية لحقوق الإنسان، وبالخصوص في اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بحماية جميع الأشخاص من التعرض للاختفاء القسري، مثله مثل جرائم الحرب وجرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، يعتبر انتهاكا لقواعد القانون الدولي الذي يلزم الدولة بعدد من الالتزامات إزاء المجموعة الدولية، لأنه يهدد الإنسان أولا كما يهدد حقه الأساسي في الحياة ما دام الاختطاف غالبا ما يتم باستعمال كل أساليب العنف المادي والمعنوي قد يؤدي إلى القتل، ويهدد الحق في عدم التعرض للتعذيب والحق في الضمانات القانونية لكل مشبوه فيه أثناء البحث والتحقيق، أي أن الاختطاف في الأخير يؤدي إلى انتهاك عدد من الحقوق، وحين تقوم الدولة بارتكاب جريمة الاختطاف ولا تقوم بكل ما يفرض عليها منعه أصلا في قوانينها أو إيقاف آثاره حين حدوثه ومتابعة ومعاقبة من يقومون به، فإنها بذلك تكون كمن يقرر رسميا بمشروعيته ويبيح استعماله، ومن هنا يصبح الاختطاف ممارسة منهجية وسلوكا مدبرا مما يضفي عليه صبغة الجريمة ضد الإنسانية تقع تحت طائلة اختصاص القضاء الدولي طبقا لاتفاقية روما التي تأسست بموجبها المحكمة الجنائية الدولية، وبالتالي يمكن لأية دولة متابعة ومعاقبة مرتكبيه بغض النظر عن جنسيتهم والمكان الذي ارتكبوا فيه عملية الاختطاف. إنه يتعين التذكير على أن المغرب الذي وقع على إعلان روما المتعلق بتأسيس المحكمة الجنائية الدولية وهو يدرك دواعي التأسيس وخلفياته وآفاقه وينتظر منه ومن الحكومة أن تصدق على المعاهدة، وأن تنشرها بالجريدة الرسمية، لا يسمح له أن يرتكب في حق مواطنين وبواسطة بعض الأجهزة، انتهاكات توصف بالانتهاكات الجسيمة التي تعرض مرتكبيها إلى ما تنص عليه أنظمة المحكمة الجنائية الدولية. لقد ناضلت حركة حقوق الإنسان والعديد من نشطائها بالمغرب منذ عقود ضد ظاهرة الاختفاء القسري كأخطر انتهاك ضد حقوق الإنسان وأكبر جريمة من الجرائم التي تقترفها الدولة بواسطة أجهزتها ضد مواطنيها وذلك في سياق الاختطافات التي شهدتها حقب طويلة بداية من النصف الثاني من القرن الماضي، طالت العديد من المعارضين السياسيين، وهي الآن تعمل بكفاءة وجدية حتى تنهي الخوف من تكرارها وتحاول وضع أسلوب مناسب لهذه الغاية، لكن الأجهزة تعمل على إفشال الانتقال إلى مجتمع حقوق الإنسان، وتحاول الانقلاب على توجهات السلطة العليا بالبلاد. إن إصرار حليمة لكي تعود إلى عادتها القديمة، سيتكسر حين ستتوفر إرادة وضع حد للإفلات من العقاب ومساءلة الموظفين مرتكبي الجرائم ضد القانون وضد حقوق الإنسان، وإلى ذلك الحين، هل سيفتح التحقيق القضائي النـزيه فيما جرى؟