نظمت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان مساء يوم الأربعاء 31/01/2003 نشاطا حقوقيا حول الحق في التنظيم الحزبي والجمعوي شارك فيه مجموعة من الأطراف السياسية المحرومة من حقها في التنظيم مثل جماعة العدل والإحسان والحركة من أجل الأمة والبديل الحضاري والوفاء للديمقراطية والنهج الديمقراطي، وكذا بعض الجمعيات مثل الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين.. استمع خلاله لشهادات هذه الأطراف حول معاناتها، كما شكل مناسبة أخرى لتسليط الضوء على حقيقة التعددية السياسية ببلادنا، وفرصة لرصد أساليب وأشكال الالتواء والتماطل والتمييز التي ما زالت الأسلوب المفضل لدى القيمين على إدارتنا، رغم حرصهم المتكرر على الظهور بمظهر المحافظ على القانون والمدافع عنه، ويمكن اختزال هذه الأشكال في:

1. رفض تسلم الملف القانوني للجمعية سواء من أصحابه أو عبر البريد المضمون أو عبر العون القضائي.

2. رفض تسليم المعنيين بالأمر الوصل الذي يفيد إيداع ملف الجمعية.

3. التماطل في تسليم الوصل، حيث هناك جمعيات لم تتسلم وصل الإيداع إلا بعد سنتين من تأسيسها، والغريب أن خاتم التاريخ ينص على تاريخ التأسيس وليس تاريخ الاستلام.

4. مطالبة مسؤولي الجمعية بوثائق غير منصوص على وجوب الإدلاء بها قانونيا.

5. اشتراط السلطة على مسؤولي الجمعية إحداث تعديلات على تشكيلة المكتب، أو على بعض بنود القانون الأساسي بما يوافق رغبتها مقابل حصولهم على وصل الإيداع.

وحتى في حالة حصول هذا النوع من الجمعيات على وصل الإيداع، فإن المضايقة والتعسف في حقها تتخذ مسارا آخر وتنتقل إلى مرحلة أخرى لتتركز على:

1. حرمان الجمعية من حقها في الاستفادة من القاعات والفضاءات العمومية.

2. ترهيب وتخويف الوافدين الراغبين في العمل داخل الجمعية أو التعامل معها من قريب أو بعيد.

3. حرمان الجمعية من حقها في المنحة.

وهذه كلها تجعل هذا النوع من الجمعيات في منزلة بين المنزلتين، فلا هي بالممنوعة، ولا هي بالمعترف بها؛ كما أن مجموع هذه السلوكات، التي لا يمكن أن تصنف إلا في نطاق الشطط في استعمال السلطة، تفرغ نظام التصريح المعتمد في قانون الجمعيات كما وضع في 15/11/1958 وكما وقع تعديله في 1973 و2002 وتحوله إلى نظام ترخيصي غير خاضع لمقاييس قانونية واضحة ومفهومة وعامة على كل الجمعيات كيفما كان أعضاؤها أو تخصصها أو مكان وجودها.

إن هذا الوضع يدفع إلى الوقوف على مجموعة من الخلاصات نوجزها في:

1. لم نصل بعد في بلادنا إلى تجسيد التعددية السياسية في عمقها وجوهرها، بما هي تعدد للآراء وفسح للمجال أمام كل وجهات النظر ومختلف الفاعلين المجتمعيين مهما بلغت اختلافاتهم مع السلطة، بل إن هذه السلوكات تفضح حقيقة التعددية المزعومة لأنها تقتصر على تعدد في التنظيمات، وهذا شكل لا قيمة له إن غاب العمق.

2. ولوج الحقل السياسي الرسمي غير مقترن بالموافقة على الشروط القانونية المنصوص عليها، وهي بسيطة لأنها لا تتجاوز تصريحا يتضمن معلومات ويرفق بوثائق لا يتطلب تهييئها أكثر من يوم؛ ولكنه مرتبط أساسا بالقبول بقواعد لعب موضوعة سلفا ولا دخل لأي طرف فيها فهما أو صياغة تنفيذا أو متابعة لأنها موضوعة بإرادة منفردة وعلى مقاس واضعها ووفق مزاجه يحركها كيف ومتى شاء بحسب الزمان والمكان والموضوع والتنظيم المعني، ولذلك نجد السلطة تعلل رفضها في حق هذا بمبررات معينة، وبالمقابل تعلل رفضها لآخر بمبررات تناقض ما سبق وعابته على الآخر، بل نجدها في أحيان أخرى تعلل قبولها -إن كانت تعلل أصلا- لآخر بما رفضت به آخرين، ولهذا لا يمكن تصور عمل سياسي وحياة سياسية سليمة بدون القطع مع هذه الأعراف التي لا يعرف فحواها ولا يستطيع فك طلاسيمها إلا السلطة.

3. كان من الممكن وضع حد لهذه التعسفات لو قام القضاء بدوره، لكننا نلاحظ ضعف القضاء في هذا المجال، فحتى الأحكام القضائية لا تحترم، وتصر السلطة على خرقها وتجاوزها، وخير مثال الحكم الصادر عن استئنافية القنيطرة بتاريخ 24/04/1990 وهي تبث في قضية توبع خلالها أعضاء من جمعية الجماعة الخيرية “العدل والإحسان”، حيث جاء في الحكم: “حيث من الثابت من أوراق الملف أن الجمعية المذكورة قد قامت بإيداع نظامها الأساسي بكتابة الضبط بالمحكمة الابتدائية بالرباط بتاريخ 26/04/1983 حسب الوصل المسلم بنفس التاريخ وذلك طبقا للكيفية المنصوص عليها في الفصل الخامس من ظهير 15/11/1958 الأمر الذي يفيد بأن تلك الجمعية قد أنشئت بكيفية صحيحة وتمارس نشاطها في ظل من المشروعية الواضحة تزكيها المقتضيات القانونية المشار إليها، ويدعمها نظامها الأساسي الذي تم الإعلان عنه وإيداعه وفق مسطرة سليمة”.

ورغم هذا الحكم الواضح نجد السلطة مازالت حريصة على اعتبار العدل والإحسان جماعة محظورة وخارج القانون، بل تصر على متابعة كل من تعتقله من أعضاء الجماعة بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مرخص لها؟ !!!.

هذه فقط بعض الخلاصات التي تجعل الجميع أمام امتحان صعب، وأمام وجوب ترتيب جديد للأولويات إذ ما جدوى التنافس بين فرقاء سياسيين لا حق لهم في الوجود والتجمع والتحرك، وحول ماذا يتنافسون؟ ولا أحد منهم يتوفر على إمكانية تطبيق ما يدعو إليه؟

أليس الأولى بجميع الفرقاء أن يصبوا اهتمامهم على تكوين تكتل مفتوح يدافع عن حق الجميع في التنظيم والوجود والتحرك والتعبير والتجمع، والعمل على إرفاق ذلك بكافة الضمانات التي تجنبنا الارتداد عن هذا الحق كيفما كانت آراء أي طرف ومرجعيته وتوجهه طالما أنه يتحمل مسؤوليته فيما يدعو إليه في جو من الوضوح؟

إن هذا أول مطلب ينبغي أن تتوحد حوله جهودنا، وهو الكفيل وحده بالقطع مع مجموعة من الأعراف المخزنية المتسلطة على رقابنا، والتي تكاد تخنق تحركاتنا جميعا وتفقد حركتنا جدواها؛ وبعد هذا فقط يصبح للتنافس بين الفرقاء حول البرامج وتقدير الوضع ودراسة الواقع والبدائل جدوى وفائدة، فهل يستوعب الجميع حقيقة هذه الدعوة؟ ومن له الإرادة على الانخراط في هذه الجبهة؟ أليس نقاشا من هذا القبيل يجب أن يحظى بالأولوية في اجتماعاتنا ولقاءاتنا؟