بمجرد إعلان الملك، بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان 10/12/02، عن تخفيض سن التصويت إلى 18 سنة عوض 20 سنة تعالت صيحات المهللين والمباركين والمطبلين، كعادتهم، مفلسفة أبعاد هذا القرار، حيث اعتبره البعض قفزة نوعية، وهناك من وصفه بالثورة الحقيقية، وبعضهم صنفه ضمن الإشارات القوية التي ما فتئ الملك يرسلها للآخرين (أحزابا وحكومة وشعبا)، وهناك من ذهب إلى حد اعتبار هذا القرار تجسيدا حقيقيا لشعار العهد الجديد، والمشروع الحداثي للملك محمد السادس، مع العلم أن أغلب هؤلاء كانوا إلى أمد قريب يعارضون هذا الاقتراح، بل وظفوا كل جهودهم للتصدي له، والعمل على إقباره.

وكعادتهم دائما، لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث في مغازي هذا القرار، ومدى إمكانية تحقيقه للهدف الذي ألصق به، أي إشراك الشباب، والقضاء على العزوف الانتخابي وسطهم، وتحقيق المصالحة بينهم وبين العمل السياسي، مع أن المنطق يفرض هذا، إذ كم هي القرارات التي بقيت حبرا على ورق، أو لم تحقق المبتغى منها، وكم من قرار كان مقبولا في مضمونه، لكن شكله والسياق الذي أتى فيه يثير الكثير من النقد.

ولهذا نرى ضرورة الإدلاء بمجموعة من الملاحظات بهذا الصدد:

1. يأتي هذا القرار ليطرح على الواجهة قضية جوهرية، لا يمكن تصور انتقال حقيقي دون إيلائها حظا وافرا من النقاش، ويتعلق الأمر بدور المؤسسات الموجودة حكومة وبرلمانا وأحزابا، فما جدواها إن كانت كل القرارات تتخذ من طرف الملك، وما هي حدود الصلاحيات بينهما؟ ألم يكن من الأجدى أن يحسم الأمر من خلال مسطرة عادية بحيث يعرض على الحكومة وتضع في شأنه مشروع قانون، أو يتقدم بشأنه حزب معين بمقترح قانون؟ لماذا كل القرارات الهامة تتخذ بهذه الطريقة؟ لفائدة من يتم إضعاف دور المؤسسات؟ والتأكيد على هذا الأمر يتضح جدواه من خلال رفض هذ المقترح داخل البرلمان شهورا قليلة قبل هذا القرار. فماذا تغير إذن ليتحقق هذا الإجماع الغريب بعد ذلك؟.

2. يأتي هذا القرار ليفتح المجال لتساؤل آخر عن توقيت هذا القرار، وسبب تأخيره إلى ما بعد الانتخابات التشريعية، وقبيل الانتخابات الجماعية، رغم أن النقاش حوله كان محتدا، والمطالبة به كانت من طرف أكثر من حزب.

هل هي فلسفة جديدة في العمل يفتح بموجبها المجال للشباب محليا، ويغلق عليهم مركزيا؟ أم أن أصحاب القرار لاحظوا بعد اقتراع 27 شتنبر 2002 عزوف الكبار وبدؤوا يراهنون على الشباب؟ أم ماذا؟

3. يأتي هذا القرار ليستجيب لمطلب طالما نادت به العديد من الأطراف، ولكنها استجابة جزئية، لأنها خفضت سن التصويت، ولم ترفقه بتخفيض سن الترشيح من 23 سنة إلى 21 سنة، فما سبب ذلك؟ هل يتعلق باقتناع المسؤولين بأن الشباب غير ناضج ليتولى مهمة التسيير وإدارة الشأن العام؟ أم هو اقتناع بأن هذا الشباب لا يصلح إلا ليكون خزانا انتخابيا، وأرقاما تعزز الإحصاءات العامة؟ أم أن الأمر يتعلق بسياسة الاستجابة الجزئية حتى لا يتفرغ المطالبون بمطالب أخرى؟.

نؤكد على هذه الأسئلة لأن المنطق يقتضي تلازم هذين الأمرين إن كان السبب في التعديل هو إشراك الشباب وتحقيق المصالحة بينهم وبين السياسة.

هذه فقط بعض الملاحظات الشكلية، أما الملاحظات حول المضمون فيمكن إجمالها في:

1. يأتي هذا القرار ليؤكد مرة أخرى بعد المسؤولين عن الواقع، وعدم معايشتهم لمشاكل الشعب، ومعاناته، لأنهم بهذا القرار الذي علقوا عليه آمالا عريضة يختزلون المشكل في بعده القانوني، وكأنه المانع الحقيقي في وجه الشباب الذي يحول بينهم وبين المشاركة في الانتخابات، إذ لو كان الأمر مرتبطا فقط بالقانون لما عانى المغرب من هذا العزوف العام للشعب بمختلف فئاته وشرائحه، رغم أن القوانين تكفل لهم حق المشاركة، ولعل نسبة المشاركة التي أعلن عنها رسميا -رغم ما يشوبها من تضخيم ومبالغة- خلال انتخابات 27/09/02 خير مثال، والأكيد أنهم يعرفون هذا الأمر عن كثب، وإلا لما عارضوا إعادة النظر في اللوائح الانتخابية واكتفوا فقط بتنقيحها.

إن هذا الأمر يطرح ضرورة مقاربة شمولية للمشكل.

2. إن الإشكال أكثر تعقيدا، وأكبر من أن يتم اختزاله في قرار وحيد، وكأنه بضربة لازب ستتغير الأوضاع، فالشعب، وضمنه الشباب، يقاطع لأنه متأكد من عدم جدوى صوته، ومتيقن من أن النتائج محددة من قبل، والخريطة مصنوعة سلفا، وتوالي الانتخابات لا يزيده إلا يقينا بهذه المسلمة، ولعل المهازل التي رافقت العملية الانتخابية الأخيرة خير مثال، سواء في مرحلة التسجيل في اللوائح حيث حشر فيها الموتى، أو في مرحلة التقطيع الانتخابي الذي لم يوضع إلا لإرضاء مطامع الأباطرة وخدمة حسابات السلطة، أو في مرحلة القوانين التي صيغت على مقاس السلطة، وكذا مرحلة إعلان النتائج التي دام ترقبها وقتا قياسيا !!.

فكيف يمكن لهذا الشباب أن يشارك؟ وفي ماذا يشارك؟.

إن هذا الأمر يطرح ضرورة العمل على تهييء الشروط الضرورية لنـزاهة الانتخابات.

3. كيف لهذا الشباب أن يشارك، وهو يرى أن العمل السياسي أصبح عند العديد من الساسة وسيلة لتسلق المراتب وتحقيق المنافع الشخصية أو تصفية الحسابات مع الخصوم، أما بالنسبة لمن عافاهم الله من هذه الأمراض، وأرادوا ممارسة السياسة بمدلولها النبيل فإنهم مهمشون ومطاردون ومحرومون من حقوقهم في التنظيم والحركة والرأي. فكيف له أن يشارك؟ وأين سيشارك؟

إن هذا الأمر يطرح ضرورة إعادة الاعتبار للعمل السياسي لقطع الطريق على كل الوصوليين وفسح المجال للمناضلين الحقيقيين.

4. كيف لهذا الشباب أن يشارك وهو متأكد من أن صوته لن يكون له أثر في صناعة القرار -هذا إذا سلمنا بنـزاهة الانتخابات وهي حلم مستحيل في ظل ما نعيشه- إذ أن اختصاصات الحكومة والبرلمان محدودة وشكلية، ويمكن الاستغناء عن خدماتهما في كل لحظة وحين، وهذا ما يقع في كل الملفات الحساسة والمهمة.

وهذا أمر يجعلنا نؤكد على أولوية الإصلاح الدستوري بشكل يعيد النظر في الاختصاصات ويدقق في المسؤوليات.

5. كيف لهذا الشباب أن يشارك، وهو محروم من حرية الاختيار، لأنه يجد نفسه مجبرا على الاختيار من بين أطراف مج خطابها ويئس من إمكانية تحقيق وعودها، وعايش كذبها وتلاعبها، بل إنه يراها مفروضة عليه في وسائل الإعلام وملصقات الشارع وأينما حل وارتحل.

وهذا أمر يجعلنا نؤكد أن المدخل الأساس لمشاركة الشباب هو فتح المجال لتعددية سياسية حقيقية يكون أساسها تمثيل كل وجهات النظر، والحسم في الأول والأخير لصناديق الاقتراع، لأن إرادة الشعب، وضمنه الشباب، هي التي تحكم على هذا وذاك، وليس السلطة.

6. كيف لهذا الشباب أن يشارك وهوغارق في البطالة، والآفاق أمامه منسدة، وعصا السلطة تترصده أينما حل وارتحل سواء في الجامعة أو في تجمعات المعطلين، أو كلما حاول التعبير عن رأيه، هذا دون أن نتحدث عن أوضاع أسرته وحيه وبيئته و… !!

وهذا أمر يجعلنا نؤكد على أن لا أمل يرجى في مشاركة الشباب بدون إصلاح أوضاعه ولو من خلال توفير الحد الأدنى من مطالبه، فهذا هو ما سيعطي للخطابات مصداقية، وللقرارات واقعية، لأصحابها مكانة وقدوة.

لهذا فالفرق شاسع بين مضمون القرار والهدف المتوخى منه، وأكبر خدمة يمكن أن يسديها هذا القرار لبلادنا هي أنه أخرجه من دائرة الحرج التي كان فيها، فقد نص في ديباجة دستوره على احترام حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا ولكنه في هذا الباب -أي سن التصويت- يناقضها بشكل صارخ، كما أنه فسح المجال للشباب الذين في سن 18 سنة للمشاركة في الاستفتاء، وهو أمر مصيري لا يقل أهمية عن المشاركة في الاقتراع، كما أنه فك بهذا القرار تناقضا في منظومته القانونية طالما نبه إليه العديد من الباحثين، لأن سن 18 سنة هي المحددة لولوج الوظيفة العمومية والخدمة العسكرية، ولا يشك أحد في خطورة هاته المسؤولية، وفي المجال المدني تنص المادة 140 من مدونة الأحوال الشخصية على أن القاضي يمكنه أن يرشد الشاب ببلوغه 15 سنة كلما ظهرت عليه علامات الرشد في تعاطي الصناعة أو التجارة أو إدارة أمواله الخاصة، كما أن المميز المأذون يتميز بكامل الأهلية فيما أذن له به وفي التقاضي فيه (المادة 142 من مدونة الأحوال الشخصية)، وفي المجال الجنائي يتحدد سن الرشد في 16 سنة، وفي قانون الشغل -ظهير 29/10/1962 المنظم لمندوبي العمال وتمثيلهم في المقاولات- تنص المادة الخامسة المعدلة بظهير 20/10/1969 على أن سن الرشد المطلوب في الأجير لانتخاب مندوبي العمال هو 18 سنة، كما أن هذا القرار من شأنه إشغال الساحة لبعض الوقت بإحداث دينامية مؤقتة سرعان ما ستخبو، كما هو المعتاد.

ولعل هذا هو السبب الذي جعل كتابة الدولة المكلفة بالشباب تعلن عزمها على تنظيم ألف منتدى لشرح المغزى من هذا القرار، وكأنه قرار مكتوب بلغة لا يفهمها الشعب، أو كأن محتواه مغلف بالطلاسيم ولابد من فكها ليفهم الجميع أبعاده ومراميه؛ ولا يسع المتتبع إلا الاستغراب، إذ لو كان للدولة كل هذه الإمكانيات، وهذه الإرادة فلماذا لم توظفها في التواصل مع هذا الشباب بشأن قضايا أخرى تحتل أولوية وتحظى باهتمام الشباب أكثر من هذه المواسم الانتخابية التي يعرف مسبقا أن لا فائدة لا ترجى منها؟ والأحرى أن نطرح السؤال بصيغة أكثر وضوحا، لماذا ترفض هذه الكتابة التدخل لتحقيق تواصل بين هذا الشباب المعطل المطالب بحقه في الشغل، مثلا، وبين باقي الوزارات المعنية؟، ولماذا لم يكلف نفسه كاتب الدولة هذا عناء الحديث عن هذا الموضوع وغيره؟ ألم يظهر له إلا هذا القرار ليقيم الدنيا حوله ويقعدها؟ أم أنه الفراغ القاتل الذي تريد كتابة الدولة -التي لم تعرف اختصاصها بعد- تغطيته؟ أم أن الأمر يرتبط بتوظيف مجاني لإمكانيات الدولة وللمال العام بهدف تحقيق أهداف حزبية وفسح المجال لشباب حزب معين من خلال تهييء فضاءات عامة له مدفوعة الأجرة، وكلنا يتذكر ما حدث في منتدى الشباب المغربي للألفية الثالثة، وننتظر جميعا ما سيحدث في المؤتمر العالمي للشباب خلال غشت 2003، وهذه كلها محطات استأثرت بتنظيمها وزارات يرأسها أعضاء حزب واحد. مصادفة غريبة؟ !

ستمر هذه الزوبعة بانتهاء الحملة، وستبقى مشاكل الشباب قائمة، والأسباب الحقيقية لعزوفه عن الانتخابات موجودة، وبالتالي فلا شيء تغير سوى استهلاك الجهد وتبذير المال وتضييع الوقت،ولعل هذه أشياء لا قيمة لها عند المتسلطين على رقاب الشعب ظلما وعدوانا. وسيتأكد مرة أخرى عزوف الشباب عن حضور هذه المحطات لتنضاف إلى مهزلة المهرجانات الخطابية التي واكبت انتخابات 27/09/02 التي لم تحظ بحضور عدد محترم من المواطنين رغم الاستنفار المادي والإعلامي و…