يعيش المغرب هذه الأيام، أو يراد له أن يعيش، على إيقاع أحداث غريبة؛ فمنذ أيام اختطف بعض المواطنين من طرف أجهزة المخابرات بالطريقة نفسها التي ظن بعضنا أنها أصبحت في حكم الماضي.

وبعد صيحات إعلامية وحقوقية شجبت العودة إلى سنوات “الرصاص”، وأدانت هذا الخرق السافر لحقوق الإنسان، أعلنت حكومة السيد جطو أنها ستحقق في الأمر، لتكشف بعد أيام هذياننا جميعا ! حيث لا اختطاف هناك ولا تعذيب ! أما آثار التنكيل هذه، وصور هؤلاء المختطفين، وشهاداتهم، وتحقيقات الصحفيين، وتحريات الحقوقيين، فكلها تواتر على ضلال وصناعة من خيال !!

على أي حال، إن هذا أسلوب قديم جديد تتوارثه الحكومات بالمغرب، قلب للحقائق وتمويه وتعتيم، وما أسطورة البصري في قلب حصار الأستاذ ياسين إلى حماية له عنا ببعيدة.

اختطف أولئك المواطنون، واعتقلوا قانونيا “حسب الحكومة للاشتباه في انتمائهم لتنظيمات إسلامية متطرفة”، وفي نفس الآن كان آخرون يحاكمون لاقتراف أفعال إجرامية، اجتهدت -بل مكرت- بعض الأوساط في ربطها بفتاوي إسلامية وتنظيمات متطرفة، غير أن محكمة الاستئناف بالبيضاء أثبتت -على الأقل- فيما يتعلق بقضية “القردودي” بسيدي مومن أن الأمر لا علاقة له بأية فتاوي أو تنظيمات.

وبينما يجري التحقيق بشأن قضايا أخرى مشابهة أعلنت أجهزة الأمن عن اكتشافها لأسلحة مسروقة من بعض الثكنات العسكرية (جرسيف، تازة)، وبعد اعتقال السارقين ثبت -والمصدر دائما أجهزة الأمن- أن هذه الأسلحة كانت مهربة لفائدة “تنظيمات إسلامية متطرفة”.

تلقفت بعض الجرائد “الفرنكفونية” أو “المخابراتية” الخبر بسرعة مفرطة، لتشرع في تحليلات وتخمينات حول الإسلاميين واستراتيجياتهم العسكرية، ولم يقتصر الأمر على “الصراط المستقيم” أو “السلفية الجهادية” -هذان التنظيمان اللذان لا نعلم بعد حقيقة وجودهما بهذه الأسماء- بل تعداهما إلى جماعات إسلامية أخرى يعرف عنها نبذها الصارم للعنف، من مثل جماعة العدل والإحسان، هذه الجماعة التي يعلم الجميع اختيارها للمنهاج النبوي في التغيير، منهاج الرحمة والرفق.

في خضم هذه الأحداث، التي ضخمت كثيرا، صادق المجلس الحكومي على “مشروع قانون لمكافحة الإرهاب”، ورغم اعتراض بعض الهيئات الحقوقية عليه، لما فيه من مس مباشر بحقوق الإنسان، فإن المجلس الوزاري برئاسة الملك أقره بتاريخ 13 يناير 2001، وصمت أغلبية الأحزاب المشاركة في البرلمان بخصوص المشروع يغلب احتمال المصادقة التشريعية عليه. وبالتالي سنكون في الأيام القليلة المقبلة أمام قانون يقر عدة إجراءات منافية لحقوق الإنسان منها:

1. رفع مدة الحراسة النظرية إلى 144 ساعة قابلة للتمديد مرتين بإذن من النيابة العامة بمعدل 96 في كل مرة.

2. منع المشتبه فيه بالاتصال بالمحامي أو تأخير ذلك.

3. القيام بإجراءات التفتيش والحجز والمعاينة خارج الأوقات العادية.

4. إباحة التنصت والتجسس على المكالمات والاتصالات المنجزة.

5. إلزام الأبناك بالتصريح لبنك المغرب بكل العمليات المشتبه في ارتباطها بالإرهاب.

بعد هذا العرض السريع لأحداث شكلت السياق الخاص لمشروع_ قانون خطير أدلي بالملاحظات الآتية:

أولا: إن لتضخيم الخطاب الرسمي حول الإرهاب علاقة بالولاء للولايات المتحدة الأمريكية، حيث يلاحظ أن الدولة المغربية أصبحت في كل مناسبة، وبكل الوسائل والأساليب، تخطب ود أمريكا، خاصة بعد تشديد الاتحاد الأوربي للهجته ضد المغرب، وبعد ذلك التعاون الملحوظ بين الولايات المتحدة والجزائر فيما يتعلق بالتسلح.

بل إن من أهداف هذا الخطاب الرسمي المكثف حول الإرهاب الحصول على المزيد من المساعدات المالية من الولايات المتحدة الأمريكية بمبرر محاربة الخطر الأصولي. وهكذا لا يسع المرء إلا أن يستغرب من سلوك دولة تصر على جعل بعض مواطنيها إرهابيين من أجل كسب رضا أمريكا، والظفر ببعض دولاراتها.

ثانيا: لا شك أن الانتخابات سبب في هذه الحملة المصطنعة، لكنها بالتأكيد ليست السبب الوحيد أو الأهم. وذلك لأن المخزن لازال يمتلك الكثير من وسائل التحكم في الانتخابات. فأمر الشفافية الكاملة الذي من شأنه أن يمنع المفاجآت، خاصة فيما يتعلق بحزب العدالة والتنمية، لا يمكن السماح به من طرف المخزن وأعوانه.

وبالتالي قد يكون من دواعي هذه الحملة، بالإضافة إلى ما سبق ذكره، إخفاء الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي يتخبط فيها المغرب، وكذا السعي للنيل من سمعة الحركة الإسلامية، خاصة المقاطعة للانتخابات، والعمل على الحد من توسعها.

ثالثا: أقر مشروع قانون الإرهاب إجراءات تعصف بضمانات حقوقية هامة على أساس هش، إذ اكتفى بتعريف عام وغامض للإرهاب، فالأفعال الإرهابية حسب المشروع هي تلك الأفعال التي لها علاقة عمدية بمشروع إجرامي فردي أو جماعي أو تلك التي تمس الأمن العام.

إن هذا التعريف الغامض قد يتيح لأجهزة الأمن استعمال غطاء مكافحة الإرهاب لملاحقة مواطنين أبرياء، ولعل الشواهد على المتابعات الظالمة المغلفة بالقانون في التاريخ الحديث للمغرب كثيرة جدا.

رابعا: معلوم أن القاعدة القانونية لها خاصية الاجتماعية، بمعنى أنها تصبح ضرورية حسب الحاجات الملحة للمجتمع من خلال ظواهر يكثر تكرارها وانتشارها، وبالتال لنا أن نتساءل هل فعلا تلك الأحداث التي “نًُُفخ فيها” تستأهل وضع قواعد قانونية استنثنائية لها؟ أم أن القانون الجنائي في صيغته العادية كان يكفي لمعالجتها؟ لماذا لم يتم إحداث قوانين جديدة لظواهر هي أكثر تكرارا وانتشارا من مثل ترويج المخدرات في المؤسسات التربوية، والدعارة…

خامسا: للمتتبع أن يستغرب من صمت بعض من نصبوا أنفسهم مدافعين على الحداثة والديمقراطية بخصوص المشروع الذي أقر إجراءات منافية لحقوق الإنسان، في الوقت الذي يطالبون فيه بإلحاح بالتزام مقتضيات حقوق الإنسان في قضايا أخرى من مثل قضية المرأة.

ولنا أن نتساءل مع الديمقراطيين، ألا تقتضي الديمقراطية المطالبة بتعريف واضح للإرهاب حتى لا يظلم أناس بغير وجه حق؟ ألا تقتضي المطالبة الصارمة باحترام حقوق الإنسان في حق المخالفين؟ بل أليس من حق المجرمين كذلك التمتع ببعض الضمانات الحقوقية؟