أستعمل “عمران” ولا أستعمل “حضارة” حرصا على أن لا تختلط المفاهيم على قاصدين مسلمين سِكَّتُهم إلى المستقبل الدنيوي والأخروي يجب أن تكون واضحة.

فكلمة “حضارة” يترجم بها العربي الكلمة الفرنجية “سفلزسيون” التي تكسوها الأنفس المُعجبَة بزينة الدنيا وبَهْرَجِها حلة من الهيبة والجلال. ومدلولها ماديٌّ دنيوي محض. لا تُنْبئ عن شيء من معنى الإنسان ومصيره. لا تنبئ عن البعث والجزاء والخلود في الدار الآخرة. فهي خِداجٌ.

قال أحد “علماء” الاجتماع يعرِّفُ “الحضارة”: “الحضارة تشمل الوسائل المنفعية المادية للحياة الإنسانية الاجتماعية. الحضارة لها طابعٌ عقلاني يفرضه تقدم الظروف الطبيعية المادية للعمل والإنتاج والتكنولوجيا”.

هذا تعريف من بين عشرات التعريفات التي يتفنن فيها خاصة الألمان. وقد وضعتُ بين هلالين كلمة “علماء” احترازاً من الخلط. إنما العلماء المومنون بالله وباليوم الآخر، الذين يخشون الله، ويطيعون الله، وينصرون الله ورسوله. أولئك هم الصادقون. وفي بقية هذا الكتاب إن شاء الله أستعمل كلمة “فضلاء” لوصف أهل المعارف الدنيوية بنَعْت يعترف بما معهم من مروءة يقدرها الإسلام ويعترف بها دون أن يتجاوز بها حدها. وقد كان أسلافنا يقولون: “الفاضل إبوقراط” و”الفاضل جالينوس”. لا يقولون “عالم” إلا لأهل القرآن.

أستعمل “عمران”، لا أستعمل “حضارة” لأن الحضارة “وسائل منفعية مادية للحياة”. ولا يعرف المُرَصِّفون للحضارة آخرةً ولا يعترفون برب حتى يكونَ بين قُصُودنا وقُصودِهم معنىً مشترك تجمعنا معهم عليه كلمتهم المترجمة “بحضارة”.

كان ابن خلدون رحمه الله يضع كلمة “حضارة” في مقابلة “بداوة”.وكان يستعمل كلمة “عمران” للتعبير عن الازدهار الاقتصادي من زراعة وتجارة وبناء.

قصدي بالعمران يشمل المدلول الخلدونيّ “لعمران” والمدلول العصري “لحضارة” مربوطَيْن بتوجّه القاصدين المعمِّرين المتحضرين على منهاج السكة المستقبلية العابرة من الدنيا للآخرة، مربوطين بمعاني عِمارة المساجد الواردِ فيها قوله تعالى: “إنما يعمُر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين”. مربوطين بالكلمة القرآنية التي بلغ بها العبد الصالح سيدنا صالح عليه السلام قومه بمراد الله الشرعي من المومنين إذ قال لهم: “هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب”.

القاعدة “الطبيعية المادية للعمل والإنتاج والتكنولوجيا” هي القدرُ المشترك بيننا وبين أبناء الدنيا. وهم في عصرنا متمكنون من هذه القاعدة مستقرون في الأرض مستكبرون فيها.وهم ممكور بهم لطغيانهم في الأرض بغير الحق،تقودهم التكنولوجيا إلى حيث لا يعلمون.أما نحن فدعوة الله عز وجل لنا للاستخلاف في الأرض، ووعده لنا بالتمكين فيها متى وفينا الشرائط الكونية الشرعية حافزٌ معنوي إيماني قوي لنزاحم أبناء الدنيا في الأرض،ونزحزحهم عن القيادة، ونقيم دين الله عز وجل، ونأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونحكم بالعدل، ونَحنُوَ على الإنسانية بالإحسان.

في مقابل حضارتهم المادية التائهة يقترح علينا الإسلام، ويجب أن نقترحَ نحن على البشرية، مشروع مجتمع أخوي، عمران أخوي، لا مجرد حل إسلامي بديل. بديلٍ له، شاء أم أبى، ملامحُ المُبدَلِ منه وحدودُه.

رائدُ اقتراحنا ومشروعنا وأملنا، بل يقينِنا، قوله تعالى: “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمنا. يعبدونني لا يشركون بي شيئا”.

شرط الوفاء أن نكون له سبحانه عبادا عابدين، لا عبادا للدنيا وزينتها، لا خدَمَةً لهوانا ولذتنا،لا عبيدا للدنيا والدرهم والقطيفة والشهوة والغضب والميل والبغض وسائر ما يحرك الحضارات الأرضية وأهلها.

وأقصد بكون العمران أخويا احتضانه الأخوة الموصوفة في الشرع بين المسلمين والمومنين، المأمورَ بها من قِبَله.

عمران العدل والإحسان ينبغي أن يبسُط للأخوة بين التائبين المتحررين من سياق الحضارة المادية والقانون الوضعي والمعَاشِ الغابوي بِساط الرحمة. قال الله تعالى يوجه تعاملنا مع من جاء من شرك لإسلام: “فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتَوا الزكاة فإخوانكم في الدين”.

إقامة الصلاة ليسَ مجردَ أدائها، بل القيام بشرائطها، من أول شرائطها تشييد أركان الإسلام في حياة التائب من شرك أو من إسلام وِراثي بالٍ. ثم الانتهاء عن المنكر لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. بانتهائه وكفه نعلم هل هو مقيمٌ للصلاة أم منافق مُندس.

ثم من شرائط دخول التائب في نطاق أخوتنا الزكاة.وهي المساهمة في الحد الأدنى من التكافل الذي يطبَع العمران الأخوي.

المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه. من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته. ومن فَرّج عن مسلم كُربة فرج الله عنه بها كُربة من كُرب يوم القيامة. ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة”. حديث رواه الشيخان والترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم.

أخُوة بين مسلمين تضُمُّ إليها التائبين في أمان وخدمة متبادلة ورحمة وعفو وستر.

وتحيط بهذه الأخوة الحانية وتكلأُها أخوة بين المومنين. والمومنون، لا المسلمون، هم المخاطبون بالقرآن الحاملون أعباءَ المجتمع الأخوي. الرباط بينهم قلبي إيماني.التأليف بينهم عميق الجذور كالشجرة الطيبة تثمر للمسلمين التائبين وللناس أجمعين ثمار العدل والإحسان والبر والعطاء الأخوي والأمن والعفو والستر. وتفريج الكُرب والخدمة وقضاء الحاجات.

قال الله عز وجل يخاطب حمَلَة الأمانة: “يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تُقاته. ولا تموتُن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعا. ولا تَفَرَّقوا. واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا”.

هذا التأليف القلبي بين المومنين، وتلك الأخوَّة الحانية الخادمة العادلة المحسنة بين المسلمين هما المِيزتان الظاهرتان،يراهما المراقب من خارج ويعيشهما العضو الحامل و المشارك.

لجغرافية السياسية القومية برداء الرحمة، رحمةِ: “فأصبحتم بنعمته إخوانا”.

هذه المواطنة المزدوجة يشير إليها ويُشَرِّعُها قول الله عز وجل عن الأنصار الذين آووا النبي صلى الله عليه وسلم وإخوانهم المهاجرين ونصروا وأنفقوا وأحبوا: “والذين تبوّأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خَصاصةٌ. ومن يُوقَ شُحَّ نفسه فأولئك هم المفلحون”.

“تبوَّأوا الدار والإيمان”. لو تبوأوا مع الآخرين الدار فقط لكان الكل مواطنين يجمعهم الوطن وتملي عليهم ضرورة التعايش قوانين وضعية لحفظ المصالح. لكنهم تبوأوا الدار وتبوأوا الإيمان كما تبوَّأهما من هاجر إليهم. وبهذا التبوُّءِ الثنائي كانت الأخوة التي أثنى الله عز وجل عليها ونقرأ عنها بإعجاب في السيرة.

تبوّأ المكان بمعنى استوى فيه واستقر. فكيف الاستقرار في الإيمان إن كنا نَعرف الاستقرار في الأوطان؟ هذا هو السؤال المحوري دائما. نمسك من هذه الآيات في سورة الحشر أن هؤلاء الأنصارَ المحمودين المشكورين وُقُوا شُحَّ أنفسهم. شح النفس بخلها وانقباضها. فصفتُهم الأولى المؤهِّلة هي خروجهم من عبودية النّفس وهواها إلى عبودية الله تعالى. بهذا الخروج نعرف من تاب “التوبة قلب الدولة”، ومن يحمِل العمران الأخوي. والله ولي المومنين.