إنه موكب النور الذي ينتمي إلى تلك الدوحة الشماء، دوحة الأنبياء والمرسلين.

نتكلم عن واحد من تلك السلسلة المباركة النورانية التي صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقي على العهد، رجل لم يتغير حاله حين تغير حال الناس، إنه عبد الله بن عمر رضي الله عنه، قال عنه السدي كما جاء في كتابه “حلية الأولياء”: “رأيت عبد الله بن عمر وأبا سعيد وأبا هريرة وغيرهم، وكانوا يرون أن ليس أحد منهم على الحال الذي فارق عليه محمدا صلى الله عليه وسلم إلا بن عمر”.

إنها شهادة عدول فضلا عن كونهم من خيرة صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم في حق ابن عمر رضي الله عنهم أجمعين … فلنتساءل:لماذا تغير أو لم يتغير؟ إن عبد الله بن عمر، وإن انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وغاب عنه شخص الرسول الكريم، بقيت سيرته ماثلة أمام عينيه وفي قلبه يعيش بها ولها فتشربتها روحه الزكية، وكيف لا وهو المصاحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر، حتى اشتهر بين الصحب الكرام أنه من أراد سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه في السفر فعليه بابن عمر.

إذن فهي الصحبة، صحبة سفر وحضر، صحبة كانت سببا في تغيير ما بنفسه، غير الله ما به، فأصبح التغيير الذي حصل له يقينا ومحبة في الله استمده من قلب المصحوب صلى الله عليه وسلم ثم تصديقا به صلى الله عليه وسلم.

إن سيرة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ملأت سمعه وبصره فكانت تضلله في حياته، حتى لنجده رضي الله عنه يسافر بعد انتقال الحبيب المصطفى إلى الرفيق الأعلى إلى مكان قد مر عليه هو ومحمد صلى الله عليه وسلم وقد يتذكر أنهما جلسا تحت ظل شجرة فيجلس رضي الله عنه تحت ظل نفس الشجرة، بل حاول مرة أن يلزم ناقته أن تضع حوافرها في نفس الموضع الذي وضعت فيه ناقة سول الله صلى الله عليه وسلم حوافرها. إذن فهي صحبة ومحبة نبت الإيمان بها في قلب ابن عمر ونبت اليقين.

ثم هي رعاية من رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تكتنفه وهو غلام، وتوجيه نبوي نسج منه طرازا من الذين لم يتبدلوا، قال له الرسول صلى الله عليه وسلم مرة “نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم الليل”.

قال سالم: “فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلا قليلا” رواه أحمد.

ولكن ما المخرج بالنسبة لنا نحن لكي لا نتغير ، لكي ينبت الإيمان واليقين في هذه القلوب المتقلبة.

إن هذا الحديث الذي رواه أحمد يدلنا على معلم من معالم الرجولة والثبات حين يتغير الناس، فربط الرسول صلى الله عليه وسلم الرجولة بقيام الليل الذي هو دأب الصالحين قبلنا، ونعت الرسول صلى الله عليه وسلم بالرجل وقتذاك وهو غلام، إن هذا التوجيه النبوي كان سببه رؤيا رآها عبد الله وقصها على النبي صلى الله عليه وسلم قال: “كنت غلاما عزبا وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان الرجل في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأى الرؤيا قصها عليه، قال فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت في النوم كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا للنار شىء كقرن البئر، وإذا فيها أناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار فلقيهما ملك آخر فقال لي “لن ترع”، فقصصتها على حفصة فقصصتها حفصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:” نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل”.تأويل رسول الله صلى الله عليه وسلم لخطاب الغيب الذي ألقي في روع ابن عمر، ..

إخوتي لقد عز في زماننا من يصدق بغيب الله ويصدق بالرؤيا التي هي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة كما جاء في الحديث الشريف …

“اللهم اجعلنا من الذين يصدقون بغيبك” …

أخي المسلم، أخي المؤمن، إنها النصيحة والمحبة، والصدق والإقبال على الله، هذا هو الذي جعل ابن عمر لا يتبدل (قلبه) …

“اللهم ارزقنا الاقتداء بسيرته” …

وأختم هذا الحديث إليكم بدعاء ابن عمر متوجها إلى الله عز وجل، راجيا أن يقبلني ويتقبل مني: “اللهم اجعلني من أعظم عبادك نصيبا في كل خير تقسمه الغداة، ونورا تهدي به ورحمة تنشرها، ورزقا تبسطه وضرا تكشفه وبلاء ترفعه، وفتنة تصرفها”.

وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد …