تُحَلَّى الديمقراطية في عين عشاقها وخيالهم بزينة الذكاء، والتسامح، والتنوّر، والانفتاح، وقَبول الرأي الآخر واحترامه، والاستفادة من التعددية الحرة، ومقابلة الأفكار بعضها مع بعض في جو الثقافة العالمية المتقدمة التي تجاوزت بدائية الأفكار المطلقة والحقائق المطلقة المزعومة. فكل ما هو واقع من قوى قائمة، وأفكار متداولة، وكشوفات علومية، وفن، وتاريخ، وأنظمة حكم، ودروس تاريخ تمخض عن زبدة فلسفية إجرائية اسمها الديمقراطية، وحكمة إنسانية تسمى اللاييكية ضامنة الحرية حافظة حقوق الإنسان.

” الأعلَوْنَ ” المثقفون من الطبقة السياسية لهم دين هو الديمقراطية وصنوها اللاييكية مُجَمّلتين بمزايا الحرية وحقوق الإنسان. دين يوجب عليك أن تحترم الرأي الآخر ولو كان الآخر يمارس حريته في سب الملة وتنجيس المصحف وعيب الدين الإسلامي والسخرية الجاهرة المكتوبة في الجرائد والمصورة المسموعة في التلفزيون بقيم الأمة.

ليجهر ” الآخر ” بجحوده كما يجهر بفسوقه. إن كان من هواة الانتحار السياسي. لا مانع عندنا من ذلك. الكفر الصراح يزيل عن أعين المسلمين الغماضات، أما النفاق ودخول الأجحار الملتوية فخِسة لا تليق بالأحرار.

يعاني ” الأعلون ” المثقفون، خاصة منهم المناضلون التقدميون آنِفا قبل أن تسفر الإديولوجية التقدمية عن إفلاس، من عقدة، من أزمة، هي أن ” الأسفلين ” من الشعب الأمي لا يزالون مومنين الإيمان الضروريَّ الفطريَّ، إيمان العجائز المفوِّض لله، المتوكِّل على الله، العابد لله، فإن عصَى استغفر الله ورجع إلى الله وتمنى أن يُدفَن في مقابر المسلمين، يصلي عليه الأتقياء،ويشفع له النبي ليحشر مع المسلمين إلى جنة النعيم.

إسلام العجائز وإيمان العجائز حركة قلبية فطرية، يتضخّم العقل الاستدلالي الباحث عن يقين بوجود الله الخَالق فيُغَيّم على القلب سماء الإيمان الفطري. لذلك تمنى إمام الحرمين أستاذ الغزالي، بل طلب من الله عندما حضره الموت، أن يعطيه إيمانا كإيمان العجائز. الجُوَيْنِيّ إمام الحرمين أمضى حياته في مُجادلة أهل البِدَع إذ كان إمام المتكلمين.

كانت له مع الله تعالى قضية هي أن ينال سعادة الأبد في آخرة دله عقله على وجوب الإيمان بها بعد أن دلّه على وجوب صانع خالق للكون والإنسان، وبعد أن دله على الصفات العُلَى الواجبة في حق الخالق، وبعد أن دله على أن النبوة والوحي هما الطريق الوحيدة لمعرفة الخالق ومعرفة المصير بعد الموت، لا الفلسفة الإغريقية التي نازلها طول عمره.

أما ” الأعلَوْن ” من النخبة المثقفة فلهم قضية أخرى سياسية. كانوا زمانا وُسطاء بين الشعب ومراكز القرار، وكانوا تراجمة مناضلين عن حقوق شعب يريدونه نصيرا لمشروعهم.

من كان منهم مسلما بقي على أصله، أو قارئا للقرآن جادّا في طلب الحق، قد لا يجد ضيرا ولا صغارا ولا احتقارا لنفسه حين يعلن أنه مسلم، لأنه بالفعل مسلم. عقدة مثلِ هذا تفصيلية. يجادل ” الدخيل ” الجديد في الحقل السياسي – أعني الإسلاميين – فيما هو الإسلام وما هي الشورى، وما هي الديمقراطية، وما هو القاسم المشترك ؟

أما من كان انتماؤه إلى الإسلام من الطبقة المفكرة الترجمانية الوسيطة المناضلة انتماءً بالاسم والنسب والسِّحنَةِ والفكرُ غربي والدين لاييكية فعقدته وكارثته ومَثارُ ألمه وجام غضبه وصارم عَطَبه أن يرى جهوده لمدى خمسين سنة، وآماله وطموحه وغرس يده، يجنيها ويقطفها غيره.

عقود طويلة من النضال تبلورت جهودها في طلب ديمقراطية، فإذا الديمقراطية تنادي إلى الحكم هامشيين -كانوا – في السياسة، يقفزون فجأة إلى الواجهة ويفوزون بالرهان.