اعتمادا على الوثائق الرسمية الأمريكية، كتب الصحفي “بوب ودورد” تحقيقا يحمل عنوان: “الحروب السرية لأجهزة المخابرات الأمريكية CIA”، جاء فيه أن هذه الأخيرة قدمت مساعدات تقنية ومعلومات مهمة للحسن الثاني “مكنته من الاحتفاظ بمقاليد السلطة منذ اعتلائه العرش سنة 1961، وأصبح، بفضل ذلك، أقدم رئيس دولة إفريقي. مقابل ذلك، أطلق الملك الراحل يد المخابرات ووكالة الفضاء الأمريكيتين، وتمكنتا من تنفيذ أعقد العمليات على الأراضي المغربية نظرا للموقع الاستراتيجي للمغرب وقربه من مضيق جبل طارق، الذي يؤهله لمراقبة المنفذ الغربي للبحر الأبيض المتوسط”.

وأضاف “ودورد” أن دعم أمريكا للحسن الثاني كان “جد حيوي بالنسبة لنظام هذا الأخير )الذي تعرض لانتقادات شديدة من الجناح الراديكالي للحركة الوطنية(، وأن الملك كان جد حساس تجاه أي تجاهل أمريكي وكل مؤشر، مهما كان ظاهريا، يدل عن لامبالاة واشنطن. بحيث أن الملك أسر “لأندري مالرو” خلال زياراته للمغرب لحضور احتفالات عيد العرش سنة 1964، بأنه قلق”، على خلفية أن الولايات المتحدة لم تقدم دعمها للملك في حرب الرمال ضد بن بلة، وأنه متأكد من أن الولايات المتحدة لا تؤمن كثيرا “بمستقبل الملكية”.

بعد ذلك، سيحسم المغرب الأمر وسيطلب، عبر سفيره بأمريكا أحمد العراقي، بأنه مستعد لتلقي “توجيهات” أمريكا حول الموقف الذي ينتظر منه أن يلعبه بمناسبة انعقاد الاجتماع الوزاري للجامعة العربية سنة 1966، الذي خصصت أشغاله لموضوع الأسلحة التي كانت أمريكا تنوي بيعها لإسرائيل، وعبر المغرب عن استعداده لمحاصرة أي نقد يحتمل توجيهه لأمريكا.

من جانب آخر، كانت أمريكا تقوم بأداء فاتورة هذه الخدمات، “بشرائها” للفوسفاط الذي كان يوجه لكوريا الجنوبية حليف أمريكا الآخر، شريطة أن يقلص المغرب وارداته من سكر كوبا.

وبشيء من النسبية تناول “محمد حسنين هيكل”، في كتابه المشار إليه، مجمل التصريحات والوقائع المرتبطة بعلاقة الحسن الثاني بالمخابرات الإسرائيلية، وكتب: “في مطلق الأحوال فإن البشر لا يملكون أهلية الحكم على البشر في السياسة، وإنما يملكون أهلية التقدير والتقييم بعد إطالة النظر في الوجوه المتعددة للحقيقة”.

وفي موضع آخر من نفس الكتاب، أفرد حيزا هاما لتصريحات وكتابات مسؤولين قياديين في جهاز الموساد والصحفيين الإسرائيليين.

فقد كتب “إريك سيلفر”، صحفي إسرائيلي، في جريدة “الإند بندنت” البريطانية مقالا بتاريخ 27 يوليوز 1999 أي بعد وفاة الحسن الثاني، جاء فيه: “… المخابرات الإسرائيلية هي التي أشرفت علىتنظيم المخابرات المغربية وتدريب عملائها. ولمدة أربعين سنة فإن العلاقات بين الجانبين كانت علاقات غير عادية وبخاصة في مجال المخابرات وضد أعداء مشتركين في الشرق الأوسط. كما لعبت أدوارا مهمة في مطاردة وتصفية أعدائه والمعارضين له…

وكانت الموساد هي التي تولت متابعة تحركات المعارض الشهير للملك المهدي بنبركة والإبلاغ عنه تمهيدا لخطفه وقتله بواسطة رجال الملك..”، وكشف أمير أورين (وهو مسؤول بارز في الموساد)، في استجواب خص به جريدة “معاريف” الإسرائيلية بتاريخ 26 يوليوز 1999 على “أن الملك الحسن الثاني سمح للموساد بأن تتسمع على المناقشات التي دارت بين الزعماء السياسيين والقادة العسكريين للعالم العربي، وذلك أثناء مؤتمر قمة عربي عقد في الرباط سنة 1965، وكان موضوع البحث الرئيسي فيه هو مخطط القيادة العربية الموحدة في المواجهة مع إسرائيل. ولابد من الاعتراف بأن هذا التعنت كانت له نتائج مخابراتية هامة في الجهد الذي أدى إلى انتصار إسرائيل في حرب الأيام الستة سنة 1967. ونشرت صحيفة “النيويورك تايمز” تقريرا لمراسلتها جاء فيه: أن “الملك الحسن أعطى للموساد ولغيرها من أجهزة الأمن الإسرائيلي الإذن بأن تتنصت على مناقشات ومداولات مؤتمرات عربية وإسلامية على مستوى القمة، وفي نفس الوقت فإن الموساد كانت مسؤولة عن حماية الملك من أية محاولة لاغتياله سواء في بلاده أو خارجها وخصوصا في فرنسا التي كان الملك دائم التردد عليها”.

وأضاف محمد حسنين هيكل: “وربما أنه الآن فقط يمكن لأي متتبع مهتم بالشأن العربي أن يسمح لنفسه بالتساؤل على الأقل -عن أسباب الحرص الزائد للملك الحسن على استضافة أكبر عدد من مؤتمرات القمة العربية والإسلامية .. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن الملك استضاف سبعة مؤتمرات قمة عربية، وهذا عدد قياسي من المؤتمرات لم تستطع دولة عربية أن تتحمل تكاليفه أو مسؤوليته: مؤتمر القمة العربية في الدار البيضاء (شتنبر 1965)، مؤتمرا القمتين العربيتين في الرباط (دجنبر 1969 وأكتوبر 1974)، مؤتمرا القمتين العربيتين في فاس (نونبر 1981، وشتنبر 1982) ومؤتمرا القمتين العربيتين الطارئتين في الدار البيضاء )غشت 1985 وماي 1989(، كما استضاف الملك ثلاث قمم إسلامية كان أولها وأخطرها مؤتمر القمة الإسلامية (شتنبر 1969) بعد حريق المسجد الأقصى الذي نصب خلاله الملك رئيسا للجنة إنقاذ القدس، ثم مؤتمر القمة الإسلامية (يناير 1982 و1994).

وعن مظاهر التعاون بين الحسن الثاني والمخابرات الأمريكية، كتب وليام بلوم في كتابه “الدولة الصعلوكة”: “إن إدارة “كارتر” عمدت، مرتين سنة 1977 و1978، إلى إرسال مساعدات عسكرية مهمة نحو “زايير”، وأقامت، لهذه الغاية، جسرا جويا، بين المغرب والدولة المعنية، في إطار الدعم الذي وفرته أمريكا بغاية محاصرة الثورة الشعبية وإبقاء موبوتو في السلطة. بعد ذلك سيصرح “جورج بوش” بأن “موبوتو” “هو أحسن صديق لأمريكا في القارة الإفريقية”.

وقد أفرد “بلوم” لائحة بأسماء الشخصيات التي كانت المخابرات الأمريكية وراء اغتيالها، ومنها الجنيرال أحمد الدليمي الذي اغتيل سنة 1983.