توطئة:

لاشك أن الاقتصاد يشكل دعامة كبيرة في قوة الدول أو ضعفها، ويرجع ذلك إلى ارتباطه بمستوى الرفاه الذي يحققه الفرد من جهة وما يتيحه من إمكانات للدول والأمم من أجل رفع مستوى القطاعات الإنتاجية دعما وتحفيزا من جهة أقوى، إلا أن السياسة الاقتصادية تبقى عاملا حاسما في رسم الخطة العامة والسعي إلى الانسجام بين القطاعات المنتجة وسياسة النقد المالية ومواجهة الأخطار الني قد تنجم بين الفينة والأخرى وتعتبر المناطق المنكوبة مؤخرا في الشاوية عموما وحريق لاسامير من أهم الأحداث التي تجعل ضرورة إحداث صندوق الطوارئ أو ميزانيات تعديلية.

فإذا كان الأمر ممكنا ومعقولا، فما يمكننا القول عن المقاولات الصغرى والمتوسطة والتي تواجه تحديات العولمة وضعف الطاقات والإمكانات، في غياب التأطير اللازم والدعم المطلوب. إن الجواب عن هذه الإشكالية يطلب إلينا الحديث عن واقع هذه المقاولة بصدق ويدفعنا إلى مساءلة من يتكلفون بشأن الاقتصاد، ماذا يفعلون لكي يحافظوا على ما تبقى من مقاولات، ولماذا ينظرون إلى مسلسل الإفلاس والإغلاق بعين اللامبالاة؟ وأية آفاق للمقاول المغربي والمقاولة المغربية بشكل عام.

1-واقع المقاولة المغربية :

حسب الإحصاءات الرسمية تمثل المقاولات الصغرى والمتوسطة أكثر من 93 % من مجموع المقاولات إلا أنها لا تحقق من الناتج الداخلي الخام أكثر من 20 % ، وهي بذلك تستجيب لقانون باريطو الذي يتحدث عن 20 % من السكان الذين يحتكرون 80 % من الثروات، وبالفعل فإن هشاشة المقاولات الصغرى تظهر من خلال ضعف ما تمثله في الاقتصاد في حين أن المجموعات الكبرى والشركات المتعددة الجنسيات على الرغم من قلة عددها تستحوذ على معظم خيرات الأمة، وتشتكي هذه المقاولات الصغرى من مشاكل عدة نذكر منها ما يلي:

– ضعف المردودية: ينتج عن ذلك ارتفاع تكاليف الإنتاج: مواد أولية، طاقة، التجهيزات ، النقل ، العقار ….

لا توجد أية سياسة واضحة لدعم المقاولة، فإذا كانت بعض الدول المجاورة تعفي المستثمرين من تكاليف العقار بحيث قد تعطاها مساحات أرض مجانا مقابل الاستثمار تحت شعار “الأرض لمن يزرعها” فإن هذا الامتياز لا يحضى به إلا الأجانب في مناطق التجارة الحرة، وأما الطاقة فليست هناك أسعار تفضيلية خاصة بعد خوصصة هذا القطاع في المدن الكبرى، لأن صاحب الامتياز يسارع في تحصيل ثمن التفويت في أقل من 3 سنوات.

بالنسبة للنقل ومصاريف الشحن : إذا كانت بعض الدول تعفي المصدر من جميع التكاليف الإضافية في هذا الباب من أجل الحفاظ على القدرات التنافسية فإن الأمر في البلاد لا يشكل أدنى اهتمام، ذلك أن من أراد أن يستثمر أو يصبح مقاولا فعليه أن يتعلم حل مشاكله بنفسه.

وأما الجانب الضريبي فقد هلل البعض به وقال عنه كثيرون إنه بوابة الازدهار، حيث إن تخفيض العبء الضريبي من 46 % إلى 35 %، أي بنسبة قاربت 22 %، بالإنجاز الكبير ، علما أن البلدان التي تبني سياسة الدعم على المدى الطويل قد تخفض هذه الضريبة على الشركات إلى نموذج فرنسا( وقد تتدنى إلى أقل من 20 % على اعتبار رفع المعاملات أو القطاع أو الانتماء إلى هذه الجهة أو الأخرى.

وخلاصة، فإن المتغيرات التي تنتظر البلاد ستصيب المقاولة الصغيرة في العمق، ولكن من يهمهم الأمر لا يكترثون لهذا القادم لأن المهم هو تدبير الأزمة وليس الحلول البنيوية.

2- المقاولة المغربية: آية أفاق

بالرغم من الصمت المطبق وتغليب التفاؤل غير المبرر عند حديث من يهمهم الأمر على مآل المقاولات الصغرى والمتوسطة على المدى المتوسط والبعيد، فإن الحقيقة مرة وتكشف عن احتمال إفلاس محقق لشريحة كبرى من المقاولات الصغرى لأسباب ثلاثة على الأقل:

– غياب الرؤية المستقبلية: أغلب هذه المقاولات تعيش اللحظة وليست لها أية رؤية بعيدة المدى تطرح فيها إمكانية نضج الرأسمال أو الشراكة، أو تطرح أشكالا أخرى للاستفادة من العولمة الاقتصادية، كالبحث عن مقاولات أجنبية من أجل التمثيلية المزدوجة، أو توقيع عقود الاستفادة من تجارب وتكوين هذه المؤسسات، ويرجع ذلك إلى انكبابها على مشاكل الأجور، احترام المواعيد، النقابة إن وجدت في المؤسسة، تسديد مستحقات الممونين، فلا يجد رب العمل وقتا للتفكير في التحديات الآجلة.

نخلص بعد ذلك إلى أن توفر رؤية بعيدة المدى لابد أن يصبح سلوكا عند المقاول المغربي وإلا فإنه يصبح بعد ذلك أدنى حدث في التاريخ.

– ضعف الإمكانيات: يسهل عليك أن تصبح مقاولا بعد أن تؤسس شركة كيفما كان شكلها القانوني، ولكن الصعب هو أن تؤمن لمقاولتك الاستمرارية، ويرجع هذا الأمر بالأساس إلى ضعف الإمكانات المادية، حيث إن الشركة تظل رهينة المؤسسات المالية أو المساهمات المحدودة للشركاء أو لدعم رسمي قد يأتي أو لا يأتي، في المقابل تجد أن مجموعة من الدول التي تدرك واقع المقاولة بعمق تشرع وتشجع فتح الرأسمال أو تعطي دعما مباشرا شرط توفر شروط الاستحقاق، دون ذلك يظل المقاول يدور حول نفسه لا يكاد يجد مسلكا للحل أو الخروج، ولا يمكن أن ننسى أيضا الإمكانات البشرية التي يظل مستواها أقل من المطلوب رغم ما قد يتوافر لها من إمكانات التدريب وإعادة التأهيل.

خاتمة:

لاشك أن هذا الواقع لا يبشر بخير، وأن الأمر جد ويحتاج إرادات قوية، وإدراكا عميقا لخطورة المرحلة، وقد يقول بعضهم لقد انطلقنا في برنامج بشراكة مع البنك المغربي للاستثمار وباعتمادات مالية مهمة، نتساءل ما حصيلة كل ذلك؟ هل بإمكان من يهمهم الأمر أن يعطوا إحصاءات واضحة عن المستفيدين من هذه الأموال؟ وإلى أين وصلت جهود إعادة هيكلة الجوانب المالية والتجارية والتقنية والتنظيمية؟ الجواب معروف والاعتمادات استهلكت ويطلب المزيد. فما أمل المقاول إلا أن يطلب رحمة الله التي وسعت كل شيء ويسائل من شغله أو شغلهم التكاثر والجمع عن القيام بمسؤولياتهم على الوجه المطلوب.

ومعلوم أن من الأمور العظيمة التي تتوفر في نظام الزكاة، وهم الذين أثقلتهم الديون، فأسأل الله للمقاولين البقاء والحياة حتى يرى سهم الغارمين النور في الصبح القريب.