تقديم:

تبذل فرنسا حاليا جهودا مكثفة من أجل استرجاع مكانة لغتها في البلدان الفرنكوفونية ، فقد شدد رئيسها، في اجتماع للدول الفرنكوفونية على هامش القمة الأخيرة التي عقدت في جنوب إفريقيا حول” التنمية المستديمة والبيئة”، على ضرورة ترسيخ التعددية الثقافية واللغوية في العالم والتصدي لهيمنة اللغة الإنجليزية ، وطبعا فإن هذا الموقف لن يكون إلا في صالح اللغة الفرنسية عبر أنحاء العالم. وعلى وجه الخصوص المحافظة على مكانتها في الدول التي كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي ومن بينها المغرب.

وفي الوقت الذي يسعى التيار الفرنكوفوني ببلادنا إلى عزل الأمة عن قيمها وتجفيف المنابع التربوية التي تخرج أجيالا من الشباب المعتز بدينه ولغته وهويته العربية الإسلامية من خلال التنقيص من شأن اللغة العربية والمواد المرتبطة بالتربية الإسلامية تجده يعمل جاهدا على التمكين للغة المستعمر الفرنسي في بلادنا بدعم المشاريع التي تريد فرنسا تمريرها وفرضها بحجة العصرنة والإصلاح.

جهود كبيرة تبذل حاليا من أجل تعزيز وجود اللغة الفرنسية في المغرب والإبقاء على التبعية الثقافية للمستعمر باعتبارها الأسلوب الأمثل لتكريس التبعية الاقتصادية والسياسية والحضارية عامة، وقد تجسدت تلك الجهود فعليا في عدة أعمال منها ما تم تنفيذه ومنها ما هو مبرمج ينتظر التنفيذ، ويتجلى ذلك بوضوح من خلال:

-تعزيز الوجود الثقافي بالمغرب.

-دعم توزيع الكتاب المدرسي الفرنسي وإشاعته في المؤسسات التعليمية الخاصة بحيث أصبح معظمها يتبنى المقررات الفرنسية لتعليم اللغة الفرنسية بحمولتها الفلسفية والثقافية.

-برامج تكوينية لفائدة الأطر التعليمية كبرنامج التكوين عن بعد “FAD ” لفائدة معلمي اللغة الفرنسية بالوسط القروي.

-برامج ثقافية وترفيهية للأطفال عبر القنوات التلفزية.

من الجانب المهم الذي دخل حيز التنفيذ مع ” الإصلاح الجديد للمنظومة التربوية” التخطيط لنشر الثقافة الفرنسية على أوسع نطاق بين صفوف المتعلمين المغاربة على مستوى جميع التخصصات والشعب من خلال التغييرات التي طرأت على برامج تدريس اللغة الفرنسية بالتعليم الثانوي التأهيلي.

1-التدابير المتخذة لتنفيذ المخطط:

تحقيقا للغاية السالفة الذكر، أصدرت وزارة التربية الوطنية مذكرتين بتاريخ 25/06/02 الأولى تحت عدد 02/104 والثانية عدد 12131، دعت فيهما إلى تفعيل مقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين” الخاصة بدعم وتقوية اللغة الفرنسية وتعميم خمس (5) ساعات على جميع أقسام شعب ومستويات التعليم الثانوي التأهيلي يسلك الجذوع المشتركة وسلك البكالوريا بالإضافة إلى تنظيم ندوات تكوينية لفائدة مفتشي وأساتذة اللغة الفرنسية على مستوى الأكاديميات الجهوية ووضعت برنامجا مفصلا لذلك. كما أرفقت المذكرة رقم 12131 بوثيقة مرجعية اعتبرتها الوزارة تدعيما لتكوين أساتذة اللغة الفرنسية العاملين بالسلك الثانوي التأهيلي والذين هم مطالبون ابتداء من شتنبر 2002 بتطبيق برنامج جديد يتمحور حول ” مفهوم ” المشروع البيداغوجي” باعتباره عنصرا منتظما لتعليم /تعلم اللغة ويتأسس على دراسة مؤلفات أدبية كاملة مأخوذة ضمن سياقها السوسيوثقافي باعتباره إطار الاكتساب اللغة” ووضعت في هذه الوثيقة الخطوط من خلالها على ضرورة إكساب المتعلم المغربي ثقافة فرنسية خالصة تضمن إعداده إما للاندماج في الحياة العملية أو ولوج السلك العالي. وفي هذا الصدد أشارت الوثيقة إلى أن ” وضع مقررات جديدة للغة الفرنسية يندرج في إطار ديناميكية تغير وتجديد مختلف مكونات المنظومة التربوية ويتوخى الإعداد لتأسيس تعليم توعي يستجيب لتوصيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين ، وفي إطار الديناميكية الناتجة عن هذا التغيير تم اتخاذ عدة تدابير تهدف إلى تحسين جودة تعليم /تعلم اللغة الفرنسية سواء في السلك الابتدائي أو الثانوي (إعدادي- ثانوي) وبكيفية تضمن إعدادا جيدا للتلاميذ إما الاندماج في الحياة العملية أو ولوج السلك العالي” كما أضافت الوثيقة أن ” التوجيهات العامة لتعليم اللغة الفرنسية في السلك الثانوي التأهيلي تسعى إلى أن تكون مرنة حتى تمنح للأساتذة حرية الاختيار والتجديد في إطار أهداف محددة ومشاريع بيداغوجية يتم إعدادها بشكل صحيح”.

والملاحظ من خلال هذه المقدمة الخاصة بالتوجيهات العامة لتدريس اللغة الفرنسية أن الوزارة ربطت تحقيق جودة التعليم باكتساب الثقافة الفرنسية ، كما ربطت ولوج ميدان الشغل بالتحكم في اللغة الفرنسية وثقافتها. ومنه مغالطة كبيرة تسعى بكل الوسائل إلى تعزيز مكانة هذه اللغة في المجتمع المغربي وتحفيز المتعلمين والآباء على الإقبال على تعلمها والتشبث بثقافتها. وبالطبع لن يتم ذلك إلا على حساب اكتساب اللغة العربية والثقافة الإسلامية. كما نستنتج دائما من خلال هذه التوجيهات أن مخطط الحفاظ على هيمنة اللغة الفرنسية ونشر ثقافتها، كما شمل التعليم الثانوي التأهيلي سيشمل جميع الأسلاك التعليمية من ابتدائي وإعدادي وتعليم عالي.

إن الاختيار والذي تحدثت عنه التوجيهات العامة يعد اختيار الاختيارات تم تحديدها سلفا ضمن المخطط المذكور فلا جدوى لاختيار بين شيئين أحلاهما مر.

2-قراءة في أهداف المخطط:

2-1-على مستوى الأهداف العامة:

في إطار الأهداف العامة التي حددتها التوجيهات العامة لتعليم/ تعلم اللغة الفرنسية ، تم التركيز على ” بناء المعارفSavoirs وتنمية المهارات Savoir-faire والمواقف المرتبطة بمعرفة حسن السلوك والتواجه Savoir-être من خلال:

*الاكتساب التدريجي لمعرفة موسوعية ، أدبية وثقافية ، عن طريق دراسة مؤلفات أدبية فرنسية… وذلك من أجل معرفة جيدة للغة المستهدفة.

*اكتساب معارف أداتية ومنهجية تمكن من حل مشاكل القراءة ومناقشة عدة أنواع من النصوص ، خاصة الأدبية.

*التعود على طرق التفكير والتنظيم الشخصي المؤدية إلى الاستقلالية.

*الانفتاح على أشكال أخرى من التعبير الثقافي ( رسم، نحت، سينما…) والتي تؤثر على الإيداع الأدبي وتمكن من تحديد وضبط المؤلفات المدروسة.

*تبنى المتعلم مواقف متناغمة مع ذاته ومع الآخرين تتأسس على القيم المشتركة”.

نستنتج من خلال هذه الأهداف ما يلي:

– الحرص على اكتساب اللغة الفرنسية ضمن أبعادها الأدبية والفلسفية والثقافية .

– محاولة التأثير على جميع الجوانب المكونة لشخصية المتعلم المغربي بما في ذلك الجانب الوجداني-الروحي الذي يمثل اللبنة الأساسية لبناء الإنسان المغربي المسلم.

2-2- على مستوى الأهداف النوعية:

لضمان تحقيق تحولات ملموسة على مستوى اكتساب المعارف والمهارات والمواقف في إطار أرضية أدبية وثقافية فرنسية، تم العمل بمبدأ التدرج وفق أهداف نوعية تتحدد فيما يلي:

-السنة الأولى: ( سلك تأهيلي):

*تدريب المتعلم على دراسة وتحليل نصوص ومؤلفات أدبية.

*تحسيسه بطرق التفكير والتنظيم والتدبير الشخصي ، المساعدة على التعلم والتقويم الذاتيين ، والهدف من هذا كله يتجلى في اكتساب مهارات ومواقف وسلوكات لازمة”.

-السنة الثانية:

*غطس immersion المتعلم المغربي في الآداب والثقافة الفرنسية والفرنوكفونية وإكسابه تقنيات التحليل الأدبي.

*تقوية الاستقلالية”.

-السنة الثالثة: تم الحرص على ضمان:

*تصحيح affinement تقنيات وطرق دراسة النصوص والمؤلفات الأدبية.

*الاستقلالية والتقويم الذاتي.

إن المصطلحات المستعملة للتعبير عن الأهداف النوعية السالفة الذكر لها دلالات خاصة وتعبر بوضوح عن مراحل المخطط الثقافي الذي تسعى الدوائر الرسمية إلى تنفيذه عبر مستويات السلك الثانوي التأهيلي : فسيتم تدريجيا الانتقال بالمتعلم المغربي من مرحلة التدريب والتحسيس إلى مرحلة الغطس والانغماس الكلي في الثقافة الأجنبية ثم إلى مرحلة تصفية مكلفات الثقافات التي من شأنها أن تعكر صفو اكتساب الثقافة الفرنسية بمكوناتها المختلفة ، مع الحرص في كل مرحلة على تقوية روح الاستقلالية والتحرر من القيود.

3.2 – على مستوى أجرأة الأهداف : ” المقرر”:

تم على مستوى الأجرأة ، وضع برنامج يتوخى الأهداف التالية:

*تكوين الروح النقدية.

*تنمية الإحساس الجمالي.

إبراز الإمكانيات والاستعدادت الإبداعية”.

كما تم ضمن هذا المقرر وضع مجموعة من النصوص والمؤلفات رهن إشارة الأساتذة وهي نصوص ومؤلفات أدبية نثرية وشعرية ومسرحية وكوميدية … تنتمي لحقب زمنية مختلفة وتجسد تيارات فلسفية وفكرية ساهمت في بلورة الثقافة الفرنسية وإغناء رصيدها ، والمتعلم المغربي بتعامله مع هذه النصوص والمؤلفات الممتدة من القرن 16 م إلى القرن العشرين.