لقد تضمنت “مذكرة إلى من يهمه الأمر” وصفا شاملا لأوضاع المغرب بل تشخيصا كليا لأوجاعه، هذا التشخيص لم يتوقف عند ما هو “عرضي” بل طال ما هو “عميق” في بنية الأزمة التي تخترق الجسم المغربي. في هذا الإطار ركزت “مذكرة إلى من يهمه الأمر” على الشرخ الموجود بين السلطة والمجتمع واقترحت حلولا لتجاوزه من قبيل إعادة مال الأمة إليها واعتماد الخيار الديمقراطي بما يفيد تمكين الشعب من إقرار اختياراته دون مس بثوابت عقيدته وقطعيات شريعته. والآن بعد مرور أربع سنوات على صدور هذه المذكرة / النصيحة، هل تغيرت هذه الأوضاع وهل تخلص الجسم المغربي من أوجاعه؟

يمكن القول بداية إن “من يهمه الأمر” قد استوعب الدرس وأدرك أن مدخل تجاوز الأزمة يتمثل في إحداث “المصالحة” بين السلطة والمجتمع، لقد كانت هناك محاولة لرد مال الأمة إليها ولكن بكيفية “جزئية” و”شكلية” لم تمس في شيء العمق، بحيث انطلقت سلسلة من المتابعات والمحاكمات طالت بعض كبار بمسؤولي المؤسسات العمومية المتهمين بسوء التدبير واستغلال وتبذير المال العمومي، كما أن “من يهمه الأمر” حاول إضفاء طابع ديمقراطي على الحياة السياسية من خلال الالتزام بضمان شفافية العملية الانتخابية ونزاهتها وتوسيع قاعدة المشاركة في التصويت بتخفيض السن إلى 18 سنة.

إن التساؤل الذي يفرض نفسه: هل هذه التدابير والإجراءات التي لجأت إليها السلطة السياسية خففت في شيء من الأوجاع التي شخصتها “مذكرة إلى من يهمه الأمر”؟، لا يبدو الأمر كذلك، فالشرخ بين السلطة والمجتمع لا زال قائما ودللت عليه نسبة الامتناع المرتفعة في اقتراع 27 شتنبر، ونزاهة العملية الانتخابية تظل موضع استفهام كبير في سياق سلوك نخبة سياسية “منعزلة” حاولت إخفاء واقع “التزوير” بخطاب “الشفافية”، ثم أليست هناك “إثباتات” على رجوع إلى ممارسات سنوات الرصاص من حيث واقع “الاختطافات”. وأخيرا وليس آخرا، آلا توجد تيارات شعبية وازنة لازالت محرومة من حقها القانوني في العمل على صعيد تنظيم المواطنين وتأطيرهم؟

أكيد أننا قد نلجأ إلا بعض المسكنات الجديدة للتخفيف من أوجاعنا، غير أن هذه الأوجاع تظل قائمة ما لم يتجاوز التفكير حدود المسكنات.

إن الجديد الذي أتت به “مذكرة إلى من يهمه الأمر” على مستوى الاقتراح يمكن اختزاله كما سبقت الإشارة إلى ذلك في كيفية ردم الهوة وتجسير الفجوة بين السلطة والمجتمع وذلك من خلال بلورة ثلاثة اقتراحات أساسية:

_ يرتبط الاقتراح الأول بإرجاع مال الأمة إلى الأمة، لقد ذهبت بعض القراءات المتسرعة إلى ربط هذا الاقتراح “بشخص” الملك الراحل الحسن الثاني، في حين أن “مذكرة إلى من يهمه الأمر” كانت تتحدث عن “نظام الحسن الثاني”، وبالتالي فاقتراح رد مال الأمة إلى الأمة كمدخل للتصالح بين الدولة والأمة كان يشمل كل المسؤولين الذين ائتمنوا على المال العام ولم يحفظوا ما ائتمنوا عليه، والكل يعرف بأن مطلبي “المساءلة” و”المحاسبة” هما مطلبان شعبيان.

_ يكمن الاقتراح الثاني في إزالة اللبس حول ماهية الخيار الديمقراطي، فللرد على أطروحتين متناقضتين، تذهب الأول إلى إحداث نوع من التماهي والتماثل بين الشورى والديمقراطية بإطلاق وتنحو الثانية منحى التشديد على التناقض البنيوي بينهما، تميز “مذكرة إلى من يهمه الأمر” بين مستويين للديمقراطية: المستوى المسطري والمستوى الفلسفي، وهذا التبيين يساعد على تحديد الرؤى وتحديد المواقف، فإذا كانت الديمقراطية في مستواها الفلسفي تفيد اعتماد الخيار العلماني فهي مرفوضة لتناقضها مع روح الإسلام، وهي مقبولة في مستواها المسطري عندما تغدو آلية لتمكين الأمة من تصريف خياراتها، إن هذا التمييز يشكل مدخلا سليما لتوظيف الديمقراطية في جانبها الإجرائي دون السقوط في منـزلقاتها الفلسفية، وتأسيسا على ذلك، فهذا التمييز يختزل اقتراحا مركزيا يساعد السلطة القائمة على ولوج “نادي الديمقراطية” دون إخفاء الأمة ثوابت هويتها.

_ يتجلى الاقتراح الثالث في ضرورة إعادة الاعتبار للبيعة الشرعية بتخليصها من طقوس الانحراف التي أفرغتها من كامل مقاصدها ودلالاتها.

هذه اقتراحات ثلاثة تشكل جديدا أتت به “مذكرة إلى من يهمه الأمر” لردم الهوة بين السلطة والمجتمع وتجسير الفجوة بين الدولة والأمة.

“مذكرة إلى من يهمه الأمر” يمكن اعتبارها مرتبطة بالمرحلة التي ظهرت خلالها كما يمكن اعتبارها دعوة مفتوحة.

ترتبط المذكرة بالمرحلة التي ظهرت خلالها لكونها أتت لتجيب عن كثير من التساؤلات التي كانت مطروحة آنذاك خاصة على مستوى تحديد مواقف الجماعة مما سمي بالعهد الجديد، فقد لوحظ أن جميع التيارات السياسية سارعت بعد وفاة الحسن الثاني واستلام محمد السادس دفة الحكم إلى التعبير عن مواقفها تجاه التحول الذي عرفه المغرب، كما سارعت الجماعات الإسلامية إلى التعبير عن مواقفها تجاه التحول الذي عرفه المغرب، كما سارعت الجماعات الإسلامية إلى التعبير عن مواقفها بدءا بحركة التوحيد والإصلاح ومرورا بحركة البديل الحضاري والحركة من أجل الأمة وانتهاء بحركة الشبيبة الإسلامية، وانفردت جماعة العدل والإحسان بموقف استرعى انتباه المتتبعين والفاعلين السياسيين وغير السياسيين. فلم يصدر أي موقف رسمي عن الجماعة في اللحظة التي انصرفت فيها صيف 1999 إلى تنظيم مخيمات شاطئية استقطبت آلاف المغاربة، إضافة إلى ذلك، فقد راجت عدة إشاعات تتحدث عن دخول قيادة الجماعة في مفاوضات مع رجال العهد الجديد بهدف رفع الحصار عن الجماعة وعن مرشدها العام، وارتبطت هذه الإشاعات بالتساؤل حول طبيعة “الثمن” الذي ستدفعه الجماعة مقابل “التطبيع” مع السلطة القائمة، في ظل ما أشرت إليه، يمكن اعتبار “مذكرة إلى من يهمه الأمر” مرتبطة بالمرحلة، لأنها أتت لتضع حدا لرواج كثير من الإشاعات وتحدد موقف جماعة العدل والإحسان بوضوح من “العهد الجديد”.

يمكن اعتبار “مذكرة إلى من يهمه الأمر” دعوة مفتوحة لسببين: الأول “شكلي” والثاني “جوهري”.

من حيث الشكل فمذكرة لمن يهمه الأمر لا تختلف في شيء عن الأداة التي كان يلجأ إليها علماء الأمة أداء لواجب النصيحة، فهي من هذه الزاوية استمرار لـ”نصيحة” أبي زكريا الحاحي للسلطان السعدي المولى زيدان و”نصيحة” اليوسي للمولى إسماعيل و”نصيحة” الكتاني للمولى حفيظ و”نصيحة” عبد السلام ياسين للحسن الثاني المتجسدة في رسالة الإسلام أو الطوفان.

من حيث الجوهر، فهي دعوة مفتوحة لأن الأسباب التي استدعت إصدارها لازالت قائمة.