المقصود بالمذكرة هنا “مذكرة إلى من يهمه الأمر” التي كتبها الأستاذ عبد السلام ياسين في شهر نونبر سنة 1999، والتي خرجت للعموم في شهر يناير من سنة 2000، وبالضبط في اليوم الثامن والعشرين، في الحفل الذي نظمته جماعة العدل والإحسان بمناسبة الذكرى العاشرة لفرض الحصار الظالم على مرشدها.

بعد انتشار خبر هذه المذكرة واطلاع الناس على مضمونها الذي امتاز بالقوة والحكمة والخطاب الدعوي والسياسي المتميز، أصاب الدولة المخزنية سعار شديد، لم تلبث معه أن قامت فحشدت كل ما تحت يديها من إمكانيات وقادت حملة شعواء ضد الرجل المحاصر كاتبِ المذكرة.

حملة كان فيها كل شيء إلآ الحق والصدق وعفة اللسان وأدب المجادلة بالتي هي أحسن؛ فقد تفنن كتاب السلطة في تدبيج المقالات التجريحية في حق الأستاذ عبد السلام ياسين، كما برعت منابر المرتزقة والحاقدين على الحركة الإسلامية من فلول الملحدين وأحزاب العلمانيين اللادينيين والمنافقين الكذّابين في الطعن على صاحب المذكرة بالأباطيل وتلفيق التهم، ولم تترك لفظة في معجم السب والكذب والبهتان إلا استعملتها عدوانا على الكاتب وانتصارا لدولة الجبر وثقافة الاستبداد.

ولم يكتف المخزن بكل هذا المنكر، بل جمّع جموع العلماء الرسميين الذين يأتمرون بأمره، ومن يدور في فلكهم من الإسلاميين، وأعطاهم الضوء الأخضر لإصدار البيانات التي تفتي بخروج كاتب المذكرة عن الجماعة وتدعو السلطة إلى مزيد من القمع والمنع والظلم في حقه. وقد توّجت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية هذا السعار المخزني بتخصيص العدد 910 من جريدة “ميثاق الرابطة” لموضوع المذكرة، حيث تم تجميع المقالات والبيانات الموالية للدولة وإخراجُها في صورة تلخص واقعنا تلخيصا دقيقا: هناك المخزن وهياكله ومقدساته وطقوسه يقابله الدعوةُ الصادعة بكلمة الحق ممثلةً في شخص الأستاذ عبد السلام ياسين، الذي لم تبخل عليه وزارة الإسلام الرسمي المخزني بالتهم الباطلة التي تخرجه من دائرة “شرعيتهم” و”جماعتهم” وتسلكه في عداد المغضوب عليهم، الذين ليس أمامهم إلا طريق واحد للنجاة وهو التوبة والرجوع إلى بيت “الطاعة”.

ويؤكد هذا التقابل بين الدولة المخزنية وبين الدعوة القائمة بكلمة الحق أن وزارة الأوقاف خصصت، إبان هذه الحملة، مواد موقعها على شبكة الإنترنيت لهذا الموضوع، حيث تضمنت صفحة الاستقبال الرئيسية لهذا الموقع ما يفيد التضاد بين الدولة المخزنية والدعوة الإسلامية؛ فهناك، من جهة، الملك و”البيعة” و”الجماعة” و”السنة” و”وحدة المذهب” و”الإجماع”…إلى آخر هذه الشعارات المخزنية، وهناك في الجهة المقابلة “عبد السلام ياسين” و”العدل والإحسان” و”الخروج” و”التمرد” و”العصيان” و”الفتنة” و”البدعة” و”الميتة الجاهلية”…إلى آخر التهم الجاهزة لكل من يقول كلمة الحق في وجه الظلم والجور والاستبداد.

موقع بكامله، على الإنترنيت، لمحاربة رجل أعزل إلا من إيمان راسخ لا يخاف في الله لومة لائم، وقلب لا يرتاب في موعود الله ورسوله، وقلم لا يعرف الكذب والنفاق والتملق!! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وخلال هذا الحملة المخزنية المسعورة تمت مصادرة الأسبوعية الفرنكفونية(لوكوتيديان) والأسبوعية العربية(المستقل) بسبب نشرهما النص الكامل للمذكرة.

وفي سياق هذه الحملة أقدمت السلطات المخزنية على اعتقال خمسة أفراد من جماعة العدل والإحسان، أربعة من سيدي سليمان والخامس من طنجة، بتهمة المشاركة في توزيع مكتوبات تمس بالمقدسات.

وقد تم اعتقال السيد مصطفى السباعي، من طنجة، يوم 02 فبراير2000، وتم تقديمه أمام محكمة الاستئناف بتهمة جنائية. وبعد أربعة أيام من الاعتقال الاحتياطي، قرر قاضي التحقيق الإفراج عنه ومتابعته في حالة سراح.

ونُذّكر الحالمين باستقلال القضاء في بلادنا أن الإفراج عن السيد مصطفى السباعي كان بضغط من وزارة الداخلية، أي بالتعليمات، حتي إن الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بطنجة والوكيل العام بها اضطرا إلى أن يبعثا برسالة إلى وزير العدل، وهو يومئذ عمر عزيمان، يشتكيان إليه فيها من الممارسات الاستفزازية لمسؤولي السلطات المحلية، ومن تدخلهم السافر في شؤون القضاء وضغطهم المتواصل من أجل التعجيل بالبت في قضية مصطفى السباعي.

فماذا فعل وزير العدل، بعد هذه الرسالة الباكية الشاكية، من أجل حماية استقلالية القضاء وتثبيت هيبة مؤسساته ورجاله؟ لم يفعل شيئا، وقد خرج من وزارة العدل ليُعيَّن رئيسا للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان!!

حصل هذا في شهر فبراير من سنة 2000. ثم دخل ملف هذه القضية في سبات عميق حتى أيقظه الوكيل العام بمحكمة الاستئناف بطنجة بعد حوالي سنتين وعشرة أشهر، وذلك باستدعاء السيد مصطفى السباعي للحضور، في يوم 24 دجنبر 2002، أمام غرفة الجنايات بتهمة المشاركة في المس بكرامة جلالة الملك وكرامة أصحاب السمو الملكي الأمراء والأميرات بواسطة مكتوبات موزعة.

وفي جلسة يوم 24/12/2002، استجابت المحكمة، بعد مداولة قصيرة، لملتمس تقدمت به النيابة العامة، وقررت تأجيل النظر في القضية من أجل إجراء بحث تكميلي دون تحديد أي موعد لاستئناف المحاكمة. وقد استغرب الناس، وفي مقدمتهم هيئة الدفاع هذا السلوك من المحكمة، في معالجة ملف ظل في طي النسيان قرابة ثلاث سنوات. وقد تزول الغرابة إذا علمنا أن هذا الملف، في أصله، مبني على شيء لا علاقة له بالعدالة؛ فما معنى متابعة (المشارك) والسكوت عن (الفاعل الأصلي) الذي هو الأستاذ عبد السلام ياسين كاتبُ المذكرة؟ معناه أن القضاء عندنا ما يزال تابعا لأهواء السلطة، خاضعا لحساباتها السياسية الضيقة، متأثرا ومتكيفا مع هواجسها الأمنية، والسلام.

إن الفضائح أصبحت جزءا لا يتجزأ من هُوية دولتنا المخزنية، فلا يكاد يمر يوم من غير أن ينكشف جديد. وها نحن اليوم نشعر وكأن القدر جرّ هذه الدولة جرّا لتشارك بنصيب وافر في إحياء الذكرى الثالثة لصدور مذكرة الأستاذ عبد السلام ياسين.

وكأن هذه الذكرى تنادي اليوم كل أولئك الذين شاركوا، بنية حسنة أو سيئة، في الحملة المخزنية ضد الأستاذ عبد السلام ياسين وجماعة العدل والإحسان، أن راجعوا هذه السنوات الثلاث الخالية، وانظروا كيف فصّلت الأيام، بلغة الأرقام والأسماء والفضح والتشهير والاتهام والإدانة، ما أجملت بعضه “المذكرة” بلغة الدعوة والإشفاق واللين والنصيحة وأدب العبارة وعفة اللسان. بل يكفينا من هذه السنوات الثلاث استعراض الأمثلة التالية وتأمُّلها:

أولا، كتاب الصحفي الفرنسي(جان بيير توكوا):

” Le dernier roi-Crépuscule d”une dynastie ”

الذي صدر عن دار “غراسي” بباريس، سنة ،2001، وكتاب “السر” الذي جمع اعترافات أحمد البخاري، العميل السابق في المخابرات المغربية، المتعلقة ببعض جرائم عهد “تازمامرت”.

ثانيا، تصريحات العسكريين(أديب) و(الزعيم) و(الجلطي)، والقائد (يونس فنيش) التي كشفت رائحة من الفساد المستشري في مؤسسة الجيش وفي هياكل السلطة المخزنية، لكنها فتحت بابا وسنّت سنة، والأيام كفيلة بالباقي.

وثالث هذه الأمثلة ما فضحته التحقيقات في ملفات بعض المؤسسات العمومية، كالقرض العقاري السياحي والبنك الشعبي، وما اعترف به مسؤولون كبار في بعض هذه المؤسسات، كعبد اللطيف العراقي، الرئيس المدير العام السابق للبنك الشعبي، ومولاي الزين الزاهيدي، المدير العام السابق للقرض العقاري والسياحي، الذي سمّى أسماء وأعطى أرقاما وأشار إلى جهات في قمة هرم السلطة.

فها هي ذي الأيام قد صدّقت ما ادّعته “المذكرة”، فهل ننتظر اعتذارا ممن آذوا الأستاذ عبد السلام ياسين وتحاملوا عليه واتهموه بالباطل وأدانوه بالشبهات والظنون والأوهام؟

وبعد، فماذا قال الأستاذ ياسين في مذكرته إلى من يهمه الأمر؟

على طول صفحات هذه المذكرة لم يقل الأستاذ، فيما أعتقد، إلا ما هو حق وما هو معروف، ولم يكن مداهنا منافقا ولا كذّابا مختلقا ولا جبانا متملقا.

في هذه المذكرة أجمل الأستاذ ياسين ما بيّنته الأيام مُفَصَّلا، وسكت عما فضحته من فظاعات العهد القديم وتوجهات العهد الجديد.

في هذه المذكرة ذكّر الكاتب الداعية الملكَ والأمراءَ والأميراتِ وغيرَهم من عباد الله ممن سيقرأون مذكرته- ذكرهم بالله وبالموت وبالآخرة، وخاطبهم على أنهم بشر، كسائر البشر، يعيشون ويموتون ويُقبرون، ثم يُبعثون ويُحشرون ويُحاسبون، وناداهم والحسرة تعتصر عباراته: “لا تحسبوا أن حدة ألفاظي وشدة خطابي نابعتان من مرارة طالما كتمتها في العهد الغابر، بل هي الحسرة على الإسلام المكلوم والحق المهضوم وبلدي المخدوع ترفع من حدّة قلمي”.

وهذه أمثلة مما قاله في سياق النصيحة والتذكير:

” سيقف الحسن الثاني ، ومحمد السادس أيضا ، أمام الملك الديان الذي سيسألهما عن السور المضروب بين شعب مستضعف وحفنة من الانتهازيين المتملقين: من الذي بناه؟ ومن الذي رعاه؟”

“فلنخاطب ولي العهد -الذي أصبح فجأة ملكا بعد رحيل أبيه العبد المذنب- خطابَ الحكمة والعبرة ، لنحدثْه عن الأمس والغد، عن الخلود بعد الموت، لننظر هل له من الهمة ما يؤهله لأن يكون بانيا لعهد جديد. أم أنه مجرد ابن لأبيه؟ ظِلٌّ عابر للتاريخ؟ شخصية انتقالية؟”

“يا أيتها النفس البريئة! ويا أيها الملك الوارث للملك! يا أيها الرجل الذي ستصلى عليه صلاة الجنازة طال العمر أم قصر!

“لو كان الحسن الثاني مجرد فرد من الأفراد، مجرد واحد من أبناء الشعب لَعَطفنا عليه -نحن المذنبين المقصرين الواقفين على باب الله- ولضربنا عنه صفحا، لكنه كان ملكا. كان!!! وتلك هي العبرة التي على ابنه محمد السادس أن يستخلصها من مشهد “الرجل حسن” الذي حمل نعشه هو شخصيا إلى مثواه الأخير، عليه أن لا يدع هذه العظة تخبو في ذاكرته. فهو اليوم ملك، وهو غدا “الرجل” المسجى لا محالة.”

في هذه المذكرة تحدث الأستاذ ياسين أيضا عن عهد “تازممارت” وذَكَر نتفا من جرائمه ومظالمه، وتساءل إن كان العهد الجديد سينسج على منوال سلفه أم أنه سيشق لنفسه مجرى مغايرا. ومن خلال هذه التساؤلات كان خطاب الرجل دائما يؤكد، باللفظ الصريح أو بما يمكن أن يفهم من وراء السطور، أن “مستنقعنا المغربي أسِنَ ماؤه وفاحت رائحة عطنه، فلا نطمع في أن تنجح “إشارات” صغيرة هنا وهناك في تجفيف مائه الراكد وتفريغ وحله العفن”، وأن لا أمل ولا مستقبل إلا في الإسلام وبالإسلام، بعد القطيعة مع تراث الجبر والظلم وتجديد النية للسير على خطى أولي العزم من الرجال طلاب المعالي:

“أي مستقبل لمحمد السادس، وأي مستقبل للمغرب؟

“لا مستقبل لهما إذا لم يقيما الأساس على أرض الإيمان التي لا تتزعزع …”

“لا أمل لمحمد بن الحسن ولا لمغرب محمد مادام الاثنان يخبطان في ليل الارتجال، ولا مخرج للجهاز المخزني من المتاهة التي يدور فيها مهما بلغت جرأة الملك الشاب، ومهما تعددت إنجازاته المقتحِمة، ومهما عظمت الآمال التي يجسدها في أعين الشعب المعبر عن ارتياحه. فمادام مشروع المجتمع المحدَّد بوضوح، المعَبِّئِ للشعب، كلِّ الشعب، غائبا فلا أمل في الإفلات من طوفان يوشك أن يحل!”

“لا أمل لملوك الحكم المطلق في الانعتاق من قبضة الشيطان، وللشعوب المسخَّرة لها الغارقة في مستنقعات البؤس المادي والثقافي والسياسي والخلقي إلا بالتمسك بالحبل الممدود من السماء، حبل الله الذي له ما في السماوات و ما في الأرض”.

“لا بد أن تطبع الأحداث بطابع جديد. ويبدو الأسلوب الجديد للملك الشاب خطوة في هذا السبيل، لكن الساعد الذي يريد تشغيل المحرك المغربي يحتاج إلى القوة. لابد للعقل الذي يصبو إلى الإتقان من الزاد الروحي، ولابد للطموح الناشئ من غاية سامية ورافعة روحية. لا مناص من إعادة النظر في النظام بأكمله. لا بد من وضع القطار على سكة جديدة. ولذا لا بد من قاطرة قوية ويد حازمة. لا بد من مراجعة شاملة، فوراء الواجهة المزينة يوشك البنيان أن يَنْقَض”.

نعم، لا بد لا بد من وضع القطار على سكة جديدة، ولا بد من قاطرة قوية ويد حازمة. لا بد من مراجعة شاملة!!!

وفي هذه المذكرة أيضا، اقترح الكاتب- وهو السياق الذي ذُكر فيه الأمراء والأميرات، والذي كيفته النيابة العامة على أنه مسّ بالكرامة- على الورثة المسلمين-مجرد اقتراح- تخصيص تركة الهالك لتسديد “الدّين الخارجي الضخم الذي يجثم على ميزانية البلد، ويشل كل محاولة تصحيحية جادة”، و”بذلك يرتقي الملك الجديد إلى مقام الأبطال. حينئذ يكون له موعد مع المجد لن يُخلفه!”

“فهل يستجيب الورثة المسلمون، حفدة النبي صلى الله عليه وسلم لداعي الحرص فيتمسك كل واحد منهم بحصته من الغنيمة التي نعرف كيف تم تجميعها؟

“هل سيسائل الملك الشاب والأمراء والأميرات، هل يستطيعون مساءلة ضميرهم عن الهوة الهائلة القائمة بين شعب غارق في أوحال البؤس الأسود وبين ورثةٍ تهاطلت عليهم فجأة سيول من ذهب وفضة؟

“هل يمكن للخاطرة البريئة، خاطرة مقارنة وضعهم بوضع غيرهم، أن تتسلل إلى دهاليز النفسية المتمرغة في الديباج المترعرعة بين أسوار القفص الذهبي؟

“هل يتواضع ضمير الأمراء المصنوعين على عين التربية الغربية فيلقي يوما ما نظرة على وضع الأغلبية الضاربة جذورها في تربة الحرمان والأمية واليأس؟

ثم تُختتم المذكرة على إيقاع خطاب لم يألفه الملوك والأمراء، إيقاع ينبئ بأن المتكلم ليس لم من همّ إلا أن يأخذ بيد مُخاطَبه إلى حيث صلاحه ومنجاته ومجده. تقول هذه الخاتمة:

” فليقرأ الملك- حفيد النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمن بربه- وليعمل على إقراء ذويه كتاب الله عز و جل و سنة نبيه صلى الله عليه وسلم . فآيات القرآن و تعاليم السنة النبوية تفصل جزاء الحائفين الجائرين و تلعن الظلم و الظالمين. ستكون قراءة “كتاب المظالم” من صحيح البخاري في هذا الشأن موعظة منيرة للجميع .

“أتمنى للملك الشاب من العزم والشجاعة ما يمكنه من اقتحام هذه العقبة الكؤود وأُذَكِّره مرة أخرى مودعا:

“كفِّر عن مظالم أبيك المسكين وخفّف عنه الحساب العسير! رُدَّ إلى شعبك ما سلب منه! تُب إلى الله وكفِّر عن خطاياك وخَفْ ملِكَ الملوك! والله يتولى الصالحين”. انتهى كلام المذكرة.

فهل من مذّكر؟

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.