نشرت جريدة “الاتحاد الاشتراكي يوم الأربعاء 05 ذو القعدة 1423 الموافق لـ08 يناير 2003 على صفحتها الأولى مقالا من أربعة أعمدة عنوانه: “برلمانيون من العدل والإحسان ضمن فريق العدالة والتنمية”. شرع صاحبه في طرح فيض من الأسئلة، وقلب الاحتمالات يمينا ويسارا حول الاتفاق بين العدل والإحسان والعدالة والتنمية، ماهيته وأسبابه وأطرافه ونتائجه ومآله، كل ذلك على غير أساس، عفوا بل على أساس هذه العبارة “إن صحت المعطيات الأولية المتوفرة” “التي افتتح بها خالد المختاري تخميناته.

وكان حري بجريدة، تروم احترام نفسها أن لا تخصص مقالا من ذلك الحجم وفي الجزء الأعلى من صفحتها الأولى لتساؤلات وتخمينات أسست على معطيات لم تتأكد صحتها بعد.

هل الأمر مجرد خطأ؟ وما أكثر الأخطاء الشنيعة التي اعتدنا أن نقرأها في جرائد لا هم لأصحابها إلا ترويج الإشاعات وتحريض المتسلطين على أبناء المغاربة المستضعفين، وما تلك الجولات والصولات التي خاضتها الاتحاد الاشتراكي ومن يلف لفيفها في الأحداث الجامعية لسنة 1997 عنا ببعيد !

لا يستغفلنا أحد، وأنى له أن يستغفلنا، وقد خبرنا ماءه العكر وأساليبه الدنيئة، التي لن تزيد الشرفاء من أبناء هذا الوطن إلا قوة وتمكينا، إذ الأمر لا يعدو أن يكون سوى حملة انتخابية مضادة سابقة لأوانها، وليتها حملة وجهت إلى الكتلة الناخبة كي تؤثر في الانتخابات الجماعية بإرادتها الحرة، وليتها حملة اقتصرت على المشاركين في تلك الانتخابات ولم تتعداهم إلى جماعة رفضت المشاركة فيما يسمى عندنا بانتخابات لا وظيفة لها إلا تحقيق تلك الرغبات في الارتقاء الاجتماعي، كما أوضح ذلك صاحب المقال.

حملة انتخابية مضادة القصد الأول والأخير بها “المخزن”، تنبهه جريدة المناضل عبد الرحمن اليوسفي إلى الخطر الإسلامي القادم في الجماعات المحلية، وتستدعي عبقريته المعهودة في التزوير ليتدخل بطرقه وأساليبه لصالحها وضد حزب العدالة والتنمية المشارك في الانتخابات.

بالأمس القريب قال رئيس فريقهم البرلماني في برنامج “الاتجاه المعاكس” الذي تبثه قناة “الجزيرة” أن جماعة العدل والإحسان دعمت مرشحي العدالة والتنمية، واليوم وبدليل “إن صحت المعطيات الأولية المتوفرة” تكتشف هيئة تحرير خالد عليوة أن فريق العدالة والتنمية في مجلس النواب الحالي يضم في صفوفه 13 عضوا ينتمون إلى العدل والإحسان !

كذبة بلقاء، وتعتيم وتمويه الهدف منه تقزيم الإسلاميين بهذا البلد، وهل يحجب الغربال ضوء الشمس؟

لاشك أن اختيار المشروع الإسلامي كان أحد العوامل التي ساهمت في إفراز تلك النتائج التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية، لكن لا يمل الطرفان المعنيان من التأكيد على الاختلاف بينهما في التصور السياسي خاصة فيما يتعلق بالمشاركة الانتخابية، الأمر الذي لا يستساغ معه أي تعاون، صغر حجمه أو كبر، فيما يسمى تجاوزا عندنا انتخابات، سواء السابق منها أو اللاحق. كيف لجماعة لا ترى في الانتخابات، بالشروط الحالية، إلا وسيلة لاستقطاب النخب وتدجينها من جهة أولى، وتزيين صورة النظام الحاكم من جهة ثانية، أن تدعم المشاركين في هذه الانتخابات؟ ثم إذا كانت هذه الرغبة في الارتقاء الاجتماعي التي تحدث عنها صاحب المقال فلماذا لم تستجب جماعة العدل والإحسان لاقتراح الخطيب الذي تحدث عنه حتى تلج البرلمان من الباب وليس من النافذة، ويكون لها عشرات البرلمانيين عوض ثلاثة عشر نائبا؟

وليطمئن صحفي “إن صحت المعطيات الأولية المتوفرة” فجماعة العدل والإحسان لا تخضع، بحمد الله تعالى، لتلك الثنائية المعششة في أذهان المنشقين على أنفسهم باستمرار، فلا تنقسم الجماعة إلى صقور وحمائم، ولا إلى متشددين ومعتدلين، والبينة على من ادعى.

جماعة العدل والإحسان تجتمع _ولا تنقسم والمنة لله تعالى_ على الرفق والرحمة النبويين، رحمة من الله تعالى تطلبها الجماعة في كل وقت وحين، ورحمة بعباد الله تعالى، وكل الناس عباد الله عز وجل اختيارا أو اضطرارا، ومن صميم لب الإحسان المطالبة الصارمة بالعدل.

فلعل صاحب مقال “إن صحت المعطيات الأولية المتوفرة” يضيق ضجرا بحديثي عن الرحمة والرفق والعدل والإحسان، لعله ولعل من وظفوه لكتابة تلك الكلمات على غير أساس، لا يوجد في قاموسهم إلا الحديث عن الكوطا الانتخابية والتملق للجهات العليا من أجل الاستوزار، لذلك أجدني مضطرا لإنهاء حديثي هذا، وكلي أمل في أن أجد في يوم من الأيام على نفس تلك الجريدة مقالا بذلك الحجم وبتلك المكانة يقنعني ويقنع قراء الاتحاد الاشتراكي، على قلتهم، بأسباب ذلك التخلي المتتالي عن المبادئ.

لماذا قبل الاتحاد الاشتراكي بالمشاركة في حكومة 1998 على أساس مزور، وبشروط أقسى من تلك الشروط التي كانت متوفرة سنة 1993؟ ولماذا فشلت حكومة التناوب التوافقي الممنوح في تحقيق ذلك التناوب الحقيقي؟ ولماذا تم اختيار نمط الاقتراع اللائحي بالتمثيل النسبي على أساس أكبر البقايا في الانتخابات التشريعية بعد أن اختار الحزب في مؤتمره الأخير الاقتراع الأحادي الاسمي في دورتين؟ ولماذا صوت الحزب ضد اقتراح قانون تخفيض سن التصويت، وهو الذي كان يطالب به من قبل؟ ثم لماذا صفق بحرارة لمبادرة الملك في هذا الشأن؟ ماذا عن ذلك الانتقاد المحتشم لغياب “المنهجية الديمقراطية” ثم ما سر المشاركة في الحكومة رغم غياب تلك المنهجية؟ وماذا عن الانتخابات الجماعية القابلة؟ لماذا قبل الحزب بالتقسيم الجماعي السابق؟ ولماذا تخلى عن لوائح انتخابية جديدة؟…

هذه أسئلة تمهيدية لمقالات ننتظرها على صفحات الاتحاد الاشتراكي، وما خفي كان أعظم، وإذا لم يستحي رفاق عبد الرحمان اليوسفي فليصنعوا ما شاؤوا.