السادس: التخلي عن موانع الفهم؛ فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب وحجب أسدلها الشيطان على قلوبهم فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن. قال رسول الله (: “لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت”. ومعاني القرآن من جملة الملكوت، وكل ما غاب عن الحواس ولم يدرك إلا بنور البصيرة فهو من الملكوت. وحجب الفهم أربعة:

أولها: أن يكون الهم منصرفا إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام الله عز وجل فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف يخيل إليهم أنه يخرج من مخرجه. فهذا يكون تأمله مقصورا على مخارج الحروف فأنى تنكشف له المعاني؟ وأعظم ضحكة للشيطان من كان مطيعا لمثل هذا التلبيس.

ثانيها: أن يكون مقلدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة، لهذا شخص قيده معتقده عن أن يجاوزه، فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده فصار نظره موقوفا على مسموعه، فإن لمع برق على بعد وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال: كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك؟ فيرى أن ذلك غرور من الشيطان فيتباعد منه ويحترز عن مثله. ولمثل هذا قالت الصوفية: إن العلم حجاب. وأرادوا بالعلم العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون للمذاهب وألقوها إليهم. فأما العلم الحقيقي الذي هو الكشف والمشاهدة بنور البصيرة فكيف يكون حجابا وهو منتهى المطلب؟ وهذا التقليد قد يكون باطلا فيكون مانعا كمن يعتقد في الاستواء على العرش التمكن والاستقرار، فإن خطر له مثلا في القدوس أنه المقدس عن كل ما يجوز على خلقه لم يمكنه تقليده من أن يستقر ذلك في نفسه، ولو استقر في نفسه لانجر إلى كشف ثاني وثالث ولتواصل. ولكن يتسارع إلى دفع ذلك عن خاطره لمناقضته تقليده بالباطل. وقد يكون حقا ويكون أيضا مانعا من الفهم والكشف، لأن الحق الذي كلف الخلق اعتقاده له مراتب ودرجات، وله مبدأ ظاهر وغور باطن، وجمود الطبع على الظاهر يمنع من الوصول إلى الغور الباطن -كما ذكرناه في الفرق بين العلم الظاهر والباطن في كتاب قواعد العقائد-.

ثالثها: أن يكون مصرا على ذنب، أو متصفا بكبر، أو مبتلى في الجملة بهوى في الدنيا مطاع، فإن ذلك سبب ظلمة القلب وصدئه، وهو كالخبث على المرآة فيمنع جلية الحق من أن يتجلى فيه، وهو أعظم حجاب للقلب وبه حجب الأكثرون، وكلما كانت الشهوات أشد تراكما كانت معاني الكلام أشد احتجابا، وكلما خف عن القلب أثقال الدنيا قرب تجلي المعنى فيه. فالقلب مثل المرآة والشهوات مثل الصدأ، ومعاني القرآن مثل الصور التي تتراءى في المرآة، والرياضة للقلب بإماطة الشهوات مثل تصقيل الجلاء للمرآة، ولذلك قال (: “إذا عظمت أمتي الدينار والدرهم نزع منها هيبة الإسلام، وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرموا بركة الوحي” رواه ابن أبي الدنيا في كتاب “الأمر بالمعروف، قال الفضيل: يعني حرموا فهم القرآن. وقد شرط الله عز وجل الإنابة في الفهم والتذكير فقال تعالى: “تبصرة وذكرى لكل عبد منيب” سورة ق، الآية: 8، وقال عز وجل: “وما يتذكر إلا من ينيب” سورة غافر، الآية 13، وقال تعالى: “إنما يتذكر أولوا الألباب” سورة الزمر، الآية: 9، فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب، ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب.

رابعها: أن يكون قد قرأ تفسيرا ظاهرا واعتقد أنه لا يعنى لكلمات القرآن إلا ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما وأن من وراء ذلك تفسير بالرأي، وأن من فسر القرآن برأيه فقد تبوأ مقعده من النار. فهذا أيضا من الحجب العظيمة وسنبين معنى التفسير بالرأي في الباب الرابع وأن ذلك لا يناقض قول علي رضي الله عنه: إلا أن يؤتي الله عبدا فهما في القرآن. وأنه لو كان المعنى هو الظاهر المنقول لما اختلفت الناس فيه.

السابع: التخصيص؛ وهو أن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن. فإن سمع أمرا أو نهيا قدر أنه المنهي والمأمور، وإن سمع وعدا أو وعيدا فكمثل ذلك، وإن سمع قصص الأولين والأنبياء علم أن السمر غير مقصود وإنما المقصود ليعتبر به وليأخذ من تضاعيفه ما يحتاج إليه. فما من قصة في القرآن إلا وسياقها لفائدة في حق النبي ( وأمته، ولذلك قال تعالى: “وما نثبت به فؤادك” سورة هود، الآية: 120. فليقدر العبد أن الله ثبت فؤاده بما يقصه عليه من أحوال الأنبياء وصبرهم على الإيذاء وثباتهم في الدين لانتظار نصر الله تعالى. وكيف لا يقدر هذا والقرآن ما أنزل على رسول الله ( لرسول الله خاصة، بل هو شفاء وهدى ورحمة ونور للعالمين. ولذلك أمر الله تعالى الكافة بشكر نعمة الكتاب فقال تعالى: “واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به” سورة البقرة، الآية: 231، وقال عز وجل: “لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم أفلا تعقلون” سورة الأنبياء، الآية: 10، “وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون” سورة النحل، الآية: 44، “كذلك يضرب الله للناس أمثالهم” سورة محمد، الآية: 3، “واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم” سورة الزمر، الآية: 55، “هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون” سورة الجاثية، الآية: 20، “هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين”. وإذا قصد بالخطاب جميع الناس فقد قصد الآحاد، فهذا القارئ الواحد مقصود فما له ولسائر الناس فليقدر أنه المقصود، قال الله تعالى: “وأوحي إلي هذا القرءان لأنذركم به ومن بلغ” سورة الأنعام، الآية: 19. قال محمد بن كعب القرظي: من بلغه القرآن فكأنما كلمه الله، وإذا قدر ذلك لم يتخذ دراسة القرآن عمله بل يقرؤه كما يقرأ العبد كتاب مولاه الذي كتبه إليه ليتأمله ويعمل بمقتضاه. ولذلك قال بعض العلماء: هذا القرآن رسائل أتتنا من قبل ربنا عز وجل بعهوده، نتدبرها في الصلوات ونقف عليها في الخلوات، وننفذها في الطاعات والسنن المتبعات. وكان مالك بن دينار يقول: ما زرع القرآن في قلوبكم يا أهل القرآن؟ إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض. وقال قتادة: لم يجالس أحد هذا القرآن إلا قادم بزيادة أو نقصان. قال تعالى: “وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا” سورة الإسراء، الآية: 82.

الثامن: التأثر؛ وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات. فيكون له بحسب كل فهم حال ووجد يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغيره، ومهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه، فإن التضييق غالب على آيات القرآن فلا يرى ذكر المغفرة والرحمة إلا مقرونا بشروط يقصر العارف عن نيلها كقوله عز وجل: “وإني لغفار”، ثم أتبع ذلك بأربعة شروط: “لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى” سورة طه، الآية: 82، وقوله تعالى: “والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر” سورة العصر. ذكر أربعة شروط وحيث اقتصر ذكر شرطا جامعا فقال تعالى: “إن رحمت الله قريب من المحسنين” سورة الأعراف، الآية: 56. فالإحسان يجمع الكل، وهكذا من يتصفح القرآن من أوله إلى آخره، ومن فهم ذلك فجدير بأن يكون حاله الخشية والحزن. ولذلك قال الحسن: والله ما أصبح اليوم عبد يتلو القرآن يؤمن به إلا كثر حزنه وقل فرحه، وكثر بكاؤه وقل ضحكه، وكثر نصبه وشغله وقلت راحته وبطالته. وقال وهيب بن الورد: نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ فلم نجد شيئا أرق للقلوب ولا أشد استجلابا للحزن من قراءة القرآن وتفهمه وتدبره. فتأثر العبد بالتلاوة أن يصير بصفة الآية المتلوة؛ فعند الوعيد وتقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت، وعند التوسع ووعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح، وعند ذكر الله وصفاته وأسمائه يتطأطأ خضوعا لجلاله واستشعارا لعظمته، وعند ذكر الكفار ما يستحيل على الله عز وجل كذكركم لله عز وجل ولدا وصاحبة يغض صوته ويكسر في ابطنه حياء قبح مقالتهم، وعند وصف الجنة ينبعث بباطنه شوقا إليها، وعند وصف النار ترتعد فرائصه خوفا منها. ولما قال رسول الله ( لابن مسعود: “اقرأ علي”، قال: فافتتحت سورة النساء فلما بلغت “فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا” سورة النساء، الآية: 41 رأيت عينيه تذرفان بالدمع، فقال لي: “حسبك الآن”. وهذا لأن مشاهدة تلك الحالة استغرقت قلبه بالكلية. ولقد كان في الخائفين من خر مغشيا عليه عند آيات الوعيد، ومنهم من مات في سماع الآيات. فمثل هذه الأحوال يخرجه عن أن يكون حاكيا في كلامه، فإذا قال: “إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم” سورة يونس، الآية: 15 ولم يكن خائفا كان حاكيا. وإذا قال: “ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير” سورة الممتحنة، الآية: 4 ولم يكن حاله التوكل والإنابة كان حاكيا. وإذا قال: “ولنصبرن على ما ءاذيتمونا” سورة إبراهيم، الآية: 12 فليكن حاله الصبر أو العزيمة عليه حتى يجد حلاوة التلاوة، فإن لم يكن بهذه الصفات ولم يتردد قلبه بين هذه الحالات كان حظه من التلاوة حركة اللسان مع صريح اللعن على نفسه في قوله تعالى: “ألا لعنة الله على الظالمين” سورة هود، الآية: 18. وفي قوله تعالى: “كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون” سورة الصف، الآية: 3. وفي قوله عز وجل: “وهم في غفلة معرضون” سورة الأنبياء، الآية: 1. وفي قوله: “فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحيوة الدنيا” سورة النجم، الآية: 29. وفي قوله تعالى: “ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون” سورة الحجرات، الآية: 11. إلى غير ذلك من الآيات. وكان داخلا في معنى قوله عز وجل: “ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون” سورة البقرة، الآية: 13 يعني التلاوة المجردة. وقوله عز وجل: “وكأين من ءاية في السموات والأٍض يمرون عليها وهم عنها معرضون” سورة البقرة، الآية: 105. لأن القرآن هو المبين لتلك الآيات في السموات والأرض ومهما تجاوزها ولم يتأثر بها كان معرضا عنها، ولذلك قيل: إن من لم يكن متصفا بأخلاق القرآن فإذا قرأ القرآن ناداه الله تعالى مالك ولكلامي وأنت معرض عني؟ دع عنك كلامي إن لم تتب إلي. ومثال العاصي إذا قرأ القرآن وكرره مثال من يكرر كتاب الملك في كل يوم مرات وقد كتب إليه في عمارة مملكته وهو مشغول بتخريبها ومقتصر على دراسة كتابه، فلعله لو ترك الدراسة عند المخالفة لكان أبعد عن الاستهزاء واستحقاق المقت. ولذلك قال يوسف بن أسباط: إني لأهم بقراءة القرآن فإذا ذكرت ما فيه خشيت المقت فأعدل إلى التسبيح والاستغفار. والمعرض عن العمل به أريد بقوله عز وجل: “فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون” سورة آل عمران، الآية: 187. ولذلك قال رسول الله (: “اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم ولانت له جلودكم، فإذا اختلفتم فلستم تقرءونه” متفق عليه من حديث جندب بن عبد الله البجلي. وفي بعضها: “فإذا اختلفتم فقوموا عنه”. قال الله تعالى: “إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم ءاياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون”. وقال (: “إن أحسن الناس صوتا بالقرآن الذي إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى الله تعالى” أخرجه ابن ماجة بسند ضعيف. وقال (: “لا يسمع القرآن من أحد أشهى ممن يخشى الله عز وجل” رواه أبو عبد الله الحاكم فيما ذكره أبو القاسم الغافقي في كتاب فضائل القرآن. يراد لاستجلاب هذه الأحوال إلى القلب والعمل به وإلا فالمؤنة في تحريك اللسان بحروفه خفيفة، ولذلك قال بعض القراء: قرأت القرآن على شيخ لي ثم رجعت لأقرأ ثانيا فانتهرني وقال: جعلت القرآن علي عملا، اذهب فاقرأ على الله عز وجل فانظر بماذا يأمرك؟ وبماذا ينهاك؟”. وبهذا كان شغل الصحابة رضي الله عنهم في الأحوال والأعمال؛ فمات رسول الله ( عن عشرين ألفا من الصحابة لم يحفظ القرآن منهم إلا ستة -اختلف في اثنين منهم- وكان أكثرهم يحفظ السورة والسورتين، وكان الذي يحفظ البقرة والأنعام من علمائهم”. (…).

التاسع: الترقي؛ وأعني به أن يترقى إلى أن يسمع الكلام من الله عز وجل لا من نفسه. فدرجات القراءة ثلاث: أدناها أن يقدر العبد كأنه يقرؤه على الله عز وجل واقفا بين يديه وهو ناظر إليه ومستمع منه، فيكون حاله عند هذا التقدير السؤال والتملق والتضرع والابتهال. الثانية؛ أن يشهد بقلبه كأن الله عز وجل يراه ويخاطبه بألطافه ويناجيه بإنعامه وإحسانه، فمقامه الحياء والتعظيم والإصغاء والفهم. الثالثة؛ أن يرى في الكلام المتكلم وفي الكلمات الصفات، فلا ينظر إلى نفسه ولا إلى قراءته، ولا إلى تعلق الإنعام به من حيث إنه منعم عليه، بل يكون مقصور الهم عن المتكلم، موقوف الفكر عليه كأنه مستغرق بمشاهدة المتكلم من غيره. وهذه درجة المقربين وما قبله درجة أصحاب اليمين، وما خرج عن هذا فهو درجات الغافلين. (…).

وبمشاهدة المتكلم دون ما سواه يكون العبد ممتثلا لقوله عز وجل: “ففروا إلى الله” سورة الذاريات، الآية: 50، ولقوله: “ولا تجعلوا مع الله إلها آخر” سورة الذاريات، الآية: 51.

العاشر: التبري؛ وأعني به أن يتبرأ من حوله وقوته والالتفات إلى نفسه بين الرضا والتزكية، فإذا تلا بآيات الوعد والمدح للصالحين فلا يشهد نفسه عند ذلك، بل يشهد الموقنين والصديقين فيها ويتشوف إلى أن يلحقه الله عز وجل بهم. وإذا تلا آيات المقت وذم العصاة والمقصرين شهد على نفسه هناك وقدر أنه المخاطب خوفا وإشفاقا. ولذلك كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: اللهم إني أستغفرك لظلمي وكفري. فقيل له: هذا الظلم، فما بال الكفر؟ فتلا قوله عز وجل: “إن الإنسان لظلوم كفار” سورة إبراهيم، الآية: 34. (…).