استنكار مكبوت للحكم المتسلط؟ أم رضوخ للأمر الواقع لمّا عجز الطالبون عن زحزحة الملكية العاضة عن مواقعها؟ بل آل الأمر إلى إضفاء المشروعية على ما كان ولا يزال في ميزان الحق باطلا!

سطت السيوف الأموية تسعين عاما حتى أزاحتها عن سد الحكم السيوف الخراسانية التي مكنت لدولة بني العباس. ثم تلا الجيوشَ العربيةَ الفارسيةَ التي خدمت “الخلفاء” العباسيين مدى قرن من الزمان جيوشُ الترك ثم أصناف الأقوام من ديلم وسلاجقة كان “الخليفة معهم مجرّدَ رمز لا أمر له ولا نهي”.

وهكذا حكم “الأمراء المستولون” من بني بويه وبني سلجوق،ومن شاهات وأتابكة، إلى أن هجم التتار وخربوا بغداد. ثم حكم المسلمين أصنـاف من المتغلبين الوراثيين من سلاطين وملوك عرب ومماليك عجم، إلى أن ظهر بنو عثمان الأتراك، إلى أن صدم الاستعمارُ الأمة لتدور بها رحا الإسلام في جولة الحكم الجبري الذي نعيشه.

كل ذلك والعلماء الدعاة استكانوا طوعا وكرها إلى تساكن مع الحكم العاض والجبري. انفتحت للدعاة العلماء واجهةٌ لمقـاومة عدو متسلل إلى العقول والعقيدة فتفرغوا لجمع الحديث وتفريع الفقه وتأصيله، وانبرَوْا لتعليم الأمة ودفع التيارات الفلسفية الإلحادية المنحرفة تاركين لِحمَلَةِ السيف مهمة قتال العدو الخارجي، ومهمة إطفاء نار الفتن التي ما فتئ يؤججها في أنحاء المملكة المسلمة المتواسعة طوائف البغاة وأهلُ الأهواء من خوارج وزط وزنج ومزدكية زنادقة وخُرّمية وغير ذلك.

منذ رفع الخوارج بعد معركة صفين شعارَ “لا حكم إلا لله” أخذ المسلمون الطارئون على الأمة من الشعوب العجمية يطرحون أسئلة يمليها ما يحملونه من رواسب الفلسفة والديانة والثقافة التي نشأوا عليها قبل إسلامهم. وتفاعل العامل السياسي مع العامل الفكري العقَدي فنشأت مذاهب شتى هي صدْعٌ في معنى الإسلام وفهمه كما كان الصدع في الحكم وفرقة السلطان عن القرآن تشتيتا لجسم الإسلام.

وكان لا بد لعلماء المسلمين من الذب عن حوزة الدين بالحجة والبرهان تاركين للحكام شؤون السيف والسنان.

من موقف أئمة الفقه الذين قرأنا(…) كيف كانوا متحفزين لإصلاح الحكم تطور الأمر إلى موقفٍ لأتباع مذاهبهم بَنى على قاعدة الأمر الواقع، معترفين بما هو قائم، شاعرين بحدود قدراتهم.

وما انتهى القرن الرابع حتى كانت قضية الاعتراف بحكم السيف الغالب مسألة فقهية مفروغا منها، وضرورة لا محيدَ عنها، يُعَرفها الماورديُّ الفقيه الشافعي فيقول: “وأما إمارة الاستيلاء التي تُعقد عن اضطرار، فهي أن يستولي الأمير بالقوة على بلاد يقلده الخليفة إمارتها (…) لوقوع الفرق بين المُكنةِ والعجز”.”1″

يعني هذا أن الأمير المستولي بالقوة (والمستولي المستبد على “الخليفة” في زمان الماوردي هم بنو بويه) ليس في إمكان السلطان “الشرعي” أن ينحيه عن مواقعه، فلا مناصَ من إعطائه “تقليدا” بمقتضاه تُحفظ لمنصب الإمامة حرمته، ويتم “ظهور الطاعة الدينية التي يزول معها حكم العناد فيه، وينتفي بها إثم المباينة له”. قال: “لوقوع الفرق بين المُكنة والعجز”.

بعد الماوردي رحمه الله بثلاثة قرون نجدُ تحت كلمة “العجز” عندما يكتبها علماؤنا نفس الحسرة المكبوتة ونفس الرضوخ “لوقوع الفرق بين الممكن والواجب”. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وأولو الأمر صنفان: الأمراء والعلماء. وهم الذين إذا صلُحوا صلح الناس. فعلى كل منهما أن يتحرى ما يقوله ويفعله طاعة لله ورسوله واتباع كتاب الله. ومتى أمكن في الحوادث المشكلة معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة كان هو الواجب. وإن لم يمكن ذلك لضيق الوقت أو عجز الطالب (…) فله أن يقلد من يرتضي علمه ودينه (…). وكذلك ما يشرك في القضاة والولاة من الشروط يجب فعله بحسب الإمكان”.”2″

مُكنة انعدمت، وطالب عجز، وتاريخ السيف “لوقوع الفرق بين المكنة والعجز”.

قال رحمه الله: “ومن كان عاجزا عن إقامة الدين بالسلطان والجهاد ففعل ما يقدر عليه من النصيحة بقلبه والدعاء للأمة ومحبة الخير وفعل ما يقدر عليه من الخير لم يُكلف ما يعجز عنه”.”3″

من يقرأ ما بين السطور يدركْ تحت كلمات “المكنة” و”العجز” و”القدرة” و”حسب الإمكان” طلباً دائما للحق لم يستقِلْ علماؤُنا عنه، لكنْ أوقفهم عنه واقع حكم عاض له عصبية بها يقوى وليس مع العلماء قوة منظمة.

ونجد التفرغَ الكامِلَ لواجهة حماية العقيدة والدفاع عنها عند أتباع الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله. وما ابن تيمية إلا النموذج الكامل للحنبلي المشتبك مع البِدع والأهواء بلا هوادة. تخَلى ظاهرا عن مخاصمة السلطان ليتأتى له تحت ظل شوكة حامية الجهادُ لحماية العقيدة.

لم يصطفَّ الإمام أحمد رحمه الله مع القائمين على السلطان كما فعل أبو حنيفة ومالك والشافعي. لكنه تصدى وحده لبدعة جارفة قاتلة واجه فيها السلطانَ وكابد وعانى الأذى. وسُجن في الظلام وعليه أربع قيود، وجلَده المعتصم العباسي، وطرحه على ظهره ورفسوه، وعلقوه على خشبتين حتى تخلعت يده. رحمه الله ورضي عنه.

من فرق أهل الأهواء الذين ظهروا بعد الخوارج المُرجئة المتربصون الذين لَم يصوِّبوا رأي الشيعة ولا رأي الخوارج، ومنهم الجهمية والمجسمة، ومنهم الزنادقة. وتصدى المعتزلة لمحاجة هذه الطوائف جميعا بكفاءة وحسن نية. لكن المعتزلة ما لبثوا أن انزلقوا مع التيار الخِصامي، فرجع عليهم السلاح العقلاني الذي استعملوه، وتكلموا في العقائد كلاما ما عرفه السلف الصالح ولا ارتضاه أهل الحديث من معاصريهم. واحتدم صراع شديد بين المعتزلة والفقهاء والمحدثين، خاصة في قضيتي رؤية الله تعالى في الآخرة ينفونها مخالَفَةً للنص الصريح، والقرآنُ يقولون بمخلوقيته بدعةً ابتدعوها.

كان الإمام أحمد رضي الله عنه بالمرصاد، رد عليهم رَدّاً قويا، فاستظهروا عليه بالمأمون العباسي وكان من “أصحابهم”، فآذى الإمام وأوصى ولي عهده المعتصم به فآذاه من بعده، وأوصى المعتصم الواثق. واستمرت الإذايـة على الإمام الصامد رحمه الله ثمانية وعشرين شهرا.

كتب المأمون إلى عامله على بغداد إسحاق بن إبراهيم آمرا: “فإن أمير المومنين يرى أن تستتيب من قال بمقالته (مقالة الإمام أحمد أن القرآن كلام الله غير مخلوق). إذ كانت تلك المقالةُ الكفرَ الصُّراحَ والشركَ المحضَ عند أمير المومنين. فإن تاب منها فأَشْهِرْ أمرَه وأمسك عنه. وإن أصرَّ على شركه ودفَع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره وإلحاده فاضرب عنقه بالسيف وابعث إلى أمير المومنين برأسه”.”4″

وكذلك فعل العامل، فامتحن كبار علماء المسلمين.ومـات في قبضتـه محمد بن نوح، وتفلت آخرون بكلمات تأويل، وحصل الأذى الشديد لابن حنبل رحمه الله ورضي عنه. خاصة على يد المعتصم الذي كان يأمر الجلادين بالضرب قائلا: “شُدَّ قطع الله يدك!”

نتأمل ملامحَ ملك طاغية في شخص المعتصم. قال عنه ابن السبكي رحمه الله: “قال المؤرخون: ومع كونه كان لا يدري شيئا من العلم حمل الناس على القول بخلق القرآن.(…) ولولا اجتماع فقهاء السوء على المعتصم لنجاه الله مما فرَطَ منه. ولو أن الذين عنده من الفقهاء على الحق لأروْه الحق أبْلَجَ واضحا، ولا يُغْروه على ضرب مثل الإمام أحمد. ولكن ما الحيلة والزمان بُنيَ على هذا. وبهذا تظهر حكمة الله في خلقه”.”5″

عند فقيهنا العلامة ابن السبكي في القرن الثامن نجد المساندة التامة للحاكم لأن “الزمان بُني على هذا”. إنه الواقِع الذي يلتمس الفقيه الجهبَذُ له تفسيرا بوجود “فقهاء السوء” حول البلاط. ذلك لتبقى صفحة الحاكم المسلم ناصعة، ولتسْلَمَ سُمعَةُ من سماه المسلمون “أمير المومنين” يرونه حصنَهم المكين.

وجها لوجه ملكٌ “لا يدري شيئا من العلم” وإمامٌ فحل، جبل السنة شيخ المحدثين. أيُّ تعارُض أبلغُ من هذا بين دولة سلطوية ودعوة قرآنية سنية! أين تلك الوحدة التي تشخصت في النبوة والخلافة الراشدة حيث كان الداعي القرآني هو الآمر الناهي الممسك بالسلطان خدمة للقرآن؟

لكنه المعتصم الذي تستغيث به امرأةٌ مسلمة “وا معتصماه!” كما تقول القصة، فيلبي النداء، ويزحف على الروم، ويحقق انتصار عمورية الذي خلد الشاعر ذكره.

وحفاظا على السيف المُصْلَتِ، سيف السلطان المستولي، يستكين العلماء الدعاة لجريان القدَر، ويراوحون الخُطى بين “المُكنة” و”عجز الطالب”.

وحفاظا على وحدة الأمة بين الاضطرابات الداخلية والتهديد الخارجي يُصدر الإمام أحمد فتواه بلزوم الجماعة إذ يقول: “من غلب عليهم بالسيف حتى صار خليفة وسُمِّيَ أمير المومنين، فلا يحِل لأحد يومن بالله واليوم الآخر أن يَبيت ولا يراه إماما، بَرّاً كان أو فاجرا”.”6″

أكان علماؤنا جميعا من “فقهاء السوء” علماء القصور إذ يُفتون بصحة إمامة المستولي ويحثون على الطاعة للغالب بالسيف بَرا كان أو فاجرا؟ حاشا وكلا! ولكنهم عاشوا أزمنة لَم يكن الخيار فيها بين حكم فاضل وآخر مفضول “لعجز الطالب”، لكنّ الخيارَ كان بين استقرار نسبيٍّ وسط الزعازع وبين فوضى يُفلت فيها الحبل وينتقض ما بقي محفوظا من أمر المسلمين.

1 “الأحكام السلطانية” ص35.

2 السياسة الشرعية ص159.

3 نفس المصدر ص167.

4 تاريخ الطبري ج2 ص1125.

5 طبقات الشافعية ج1 ص219.

6 نقل عنه ذلك الفقيه القاضي أبو يعلى الحنبلي في كتاب “الأحكام السلطانية”.