بماذا تفسرون هذا الغلو الذي يبديه هؤلاء “المناضلون” الجدد؟ هل هذا راجع لظلم التاريخ (الدغرني نموذجا)، أم لأطماع الجغرافيا (رشيد رخا نموذجا)؟

صحيح، يمكن للمتتبع للحركة الأمازيغية ان يلاحظ بدون عناء كبير أن هناك غلوا ملحوظا عند بعض دعاة هذه الحركة، ويتجلى هذا أساسا في إدراج المطالب الأمازيغية في سياق تقابل مضاد مع الإسلام والعربية وإقحام الإسلام بشكل فج في هذا الصراع، وكذا في الرفع من سقف هذه المطالب إلى حد المطالبة بحق تقرير المصير “للشعب الأمازيغي” ووطن “تامازغا” (نموذج رشيد رخا) أو الدعوة إلى تأسيس حزب أمازيغي (نموذج الدغرني) وإذا حاولنا تلمس أسباب هذا التصعيد فيمكننا أن نجد عدة أسباب أهمها في تقديري:

أ. أن كثيرا من أصحاب هذا الطرح المتطرف لهم أصول فكرية وفلسفية تقوم أساسا على مثل هذه المقولات وتتأسس على رفض الانتماء الإسلامي والعربي، وينطبق هذا على بعض دعاة الحركة الذين كانوا بالأمس القريب مناضلين ماركسيين، ونحن نعلم موقف الماركسية من الدين وبسقوط الشيوعية فقد هؤلاء غطاءهم الإيديولوجي هذا، ولم يجدوا بدا من مواصلة نهجهم تحت غطاء الدفاع عن الأمازيغية، كما أن هناك فريقا آخر من هؤلاء الدعاة استقوا أصولهم الفكرية من دراسات وأبحاث أنجزها جنرالات الاستعمار الذين حرصوا في هذه الدراسات على قطع أية صلة بين الأمازيغ وتاريخهم وانتمائهم الإسلامي، وطبيعي أن نجد صدى لهذا الحرص في مقولات وأطروحات تلامذتهم هؤلاء.

ب. يمكننا اعتبار كثير من هذا التصعيد والغلو انعكاسا للمزايدات التي تعرفها الحركة الأمازيغية مؤخرا خاصة بعد استحداث المعهد الملكي للأمازيغية، فقد أثار هذا الحدث ومستجدات الأمازيغية في الجزائر نوعا من المزايدات بين دعاة الأمازيغية حيث حاول كل طرف أن يثبت أنه أكثر وفاء للأمازيغية، ومن خلال ذلك يحاول هؤلاء تأمين مستقبلهم السياسي والفكري يإزاء ما يلوح من آفاق أمام الحركة الأمازيغية، خاصة وقد حظى البعض بمناصب سامية في العهد، وكأن هذا الغلو محاولة من هؤلاء للضغط على الأطراف الأخرى للفوز بأكبر قدر ممكن من المكاسب.

ج. لا يمكننا أن ننفي كون هذا الغلو ردة فعل على غلو مضاد يمثله من يرفض أي حديث عن المطالب الأمازيغية، إلا أن أثر هذا العامل أمام العاملين السالفين يبقى ضعيفا في نظري.

ألا تعتبرون تحركاتهم مجرد ردود أفعال، أم أنها خاضعة لنظام التحكم عن بعد، أي هل هي بعيدة عن الأطماع الاستعمارية؟

يصعب الحسم في طبيعة هذه التحركات أهي ردود أفعال أم هي مرتبطة بالأطماع الاستعمارية، فكلا العاملان له نصيبه في تفسير هذه التحركات، وإذا أردنا الحديث عن المسألة في إطارها الوطني وهذا ما يجب أن نحرص عليه جميعا فيمكننا تغليب العوامل الداخلية من ردود أفعال وما تعرفه بلادنا من هامش الحريات العامة والصحوة الحقوقية لكننا رغم ذلك لا يمكننا غض الطرف عن العوامل الخارجية وإلا فكيف نفسر الدعم “الأكاديمي” واللوجيستي والسياسي الذي تبذله الدوائر الغربية لبعض دعاة الأمازيغية، وإلى أي حد يمكننا اعتبار تسلم محمد شفيق مثلا للجائزة الهولندية مجرد سلوك علمي يتوخى تشجيع البحث العلمي والثقافي؟ هذه تساؤلات تفرض نفسها وتحتاج إلى أجوبة عملية من دعاة الأمازيعية لإزالة الشكوك عن تحركاتهم ومطالبهم..

لماذا يتهمون العرب “الإسلاميين” بمحاولة محو ذاكرتهم؟

لابد في البداية من التذكير بالموقف المبدئي للإسلام من التعدد الثقافي والعرقي، فالإسلام يعتبر هذا التعدد من آيات الله تعالى ةتعبيرا عن حكمته، يقول تعالى: “ومن آياته خلق السماوات والأرض، واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين”، كما يعتبر القرآن الكريم هذا التعدد عاملا يجب توظيفه في التعارف بين الأمم والشعوب والحضارات وإقامة علاقات تواصل حضاري خلاق، يقول تعالى: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم” وجعل الإسلام التقوى وحدها _دون غيرها من العوامل اللغوية أو العرقية أو المادية_ أساسا للتفاضل. وعمليا جسد المسلمون هذا التصور عبر انفتاحهم على كل الحضارات الإنسانية وعبر استيعاب الإسلام للغات وثقافات الشعوب التي اعتنقته وصهرها في بوثقته حتى غدت كلها جزء لا يتجزأ من الحضارة الإسلامية وأسهموا في بناء صرحها في كل الميادين، بما في ذلك ميدان اللغة العربية وعلومها، فهذا كتاب ابن أكرام في النحو يعتبر من أمهات كتب النحو في العربية ومؤلفه أمازيغي، وقس على ذلك في محتلف الميادين بما في ذلك تأسيس دولة إسلامية عريقة من طرف الأسر الأمازيغية كالمرابطين والموحدين والمرينيين والوطاسيين، ولم يسجل قط في تاريخ المغرب الإسلامي أن الإسلام أو العرب حاولوا محو ذاكرة الأمازيغ، إنما الذي يحاول محو هذه الذاكرة هم بعض دعاة الأمازيغية اليوم الذين يعملون على قطع الصلة بين الأمازيغ و15 قرنا من الانتماء الإسلامي ومن العطاء الواسع في ظل الحضارة الإسلامية !

بماذا تردون على دعواهم المغالية في إدانة الوجود العربي الإسلامي؟

إن دعاة الأمازيغية الذين يتبنون مثل هذه الأطروحات المغالية لا يمثلون إلا أنفسهم، وهم نخبة مقطوعة عن جماهير الأمازيغ المعتزين بانتمائهم الإسلامي العربي الذين ضربوا ويضربون المثل في الوفاء لهذا الانتماء، وكل ما يمكن قوله لهؤلاء هو دعوتهم للاستفادة من تجارب من سبقهم لمثل هذه الأطروحات التي انتهت كلها بالفشل من ماركسية وقومية وغيرهما، وعلى هؤلاء أن يستمعوا لنبض الشعب المغربي والمغاربي الذي لم يقبل ولن يقبل بديلا عن انتمائه الإسلامي، كما أنهم مدعوون للتصالح مع ذواتهم والكف عن اللعب بالنار عن طريق إثارة مثل هذه الدعاوي المتطرفة خاصة وأن أول من يتضرر من مثل هذه الدعوات هي المسألة الأمازيغية نفسها، وأؤكد لهؤلاء أن انتماءنا الديني أولى وأسبق من انتمائنا الطيني، وأننا خلقنا لعبادة الله تعالى أولا وآخرا.

هل يمكن الحديث عن أزمة هوية بالمغرب، هل يشكلون خطرا؟ وهل الحرب العرقية واللغوية قادمة؟

أزماتنا بالمغرب كثيرة ومتنوعة بكثرة وتنوع الظلم والفساد والطغيان والتخبط، وأزمة الهوية المطروحة هي اغترابنا عن ديننا أولا قبل أي شيء وإذا تصالحنا مع ذواتنا وعدنا إلى ديننا عقيدة وشريعة ومعاملات وأخلاقا ففي إطار ذلك يمكننا احتواء _بالمعنى الإيجابي للكلمة_ بقية الأزمات الثقافية وغيرها. والخطر الذي يهددنا أساسا ليس دعاة الأمازيغية المتطرفين، بل هذا الظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يجسده المتنفذون والذي ولد ويولد مثل هذه القضايا، ولذلك ندعو دائما إلى حوار وطني مؤسس لميثاق على أرضية الإسلام ليكون إطارا لبناء مغرب جديد، مغرب كل المغاربة.