س: ما رأيك في القرار الملكي الأخير الذي يقضي بتحديد سن الانتخاب في سن 18 سنة؟

الرسالة الأولى والأخيرة التي يفرزها هذا القرار هو أن الإجراءات المهمة بالنسبة للمجتمع يتخذها الملك، وهذا دليل على أن الفصل 19 هو الفصل المفعل بشكل قوي في واقعنا السياسي، هذا بشكل عام، أما فيما يتعلق بالقرار الذي أشرتم إليه، سواء تعلق الأمر باعتماد سن الانتخاب على 18 أو 20 أو حتى 16 سنة، فأعتقد أن هذه قضايا مفتعلة من طرف بعض الأحزاب، حيث ظل الغرض منها توهيم الشعب بأنهم يطرحون قضايا تشكل برنامجا سياسيا.

طبعا، كان هذا القرار بالذات سيكون مفيدا لو كنا نتمتع حقا بالديمقراطية وكانت الانتخابات في المغرب، بالفعل، أداة للتغيير، ومادام الحال غير ذلك، فهو يندرج ضمن الإطار الديماغوجي الصرف، فحتى في حالة تصويت هذه الشريحة من الشباب، فإننا نعرف مسبقا من يتخذ القرارات السياسية الحقيقية.

س: ولكن إقصاء هذه الشريحة فيما سبق كان السبب وراءه إما لأنها تتعاطف مع جهة سياسية معينة أو لأنها أكثر راديكالية.

وإن كان الأمر كذلك، فلن تكون لمشاركتهم أية فعالية، فكنت سأقول بلى، لو كانت الانتخابات بالمغرب تفرز الخريطة السياسية الحقيقية، ولكننا ندرك أن العكس هو الذي يحدث، فأغلبية المغاربة يعرفون أنه لا جدوى من الانتخابات، مادامت نتائجها مسطرة سلفا.

طبعا، لو كانت الانتخابات حرة ونزيهة، كانت هذه الفرصة ستسمح لهؤلاء الشباب أن يدفعوا بالمجتمع نحو التغيير، والواقع أن هذا إيحاء آخر يحاول أن يوهمنا بأننا نعيش في ظل عهد جديد، وأن طاقة الشباب سيتم تفعيلها، هذا في الوقت الذي لا يزال فيه شبابنا يتخبط في مشاكل يتبدى له من خلالها الأفق مسدودا.

س: البطالة لا تخص المغرب وحده؟

(تقاطع) لنقل إنها أزمة عالمية، ولكنها بالنسبة إلينا طامة عظمى. على كل حال، في مجتمعات متقدمة اقتصاديا، لا سيما في إطار النظام الرأسمالي، البطالة أمر طبيعي ومنتظر، ولكن تحكمه آليات اقتصادية واجتماعية تحول دون أن تتحول البطالة إلى مأساة وإلى كارثة مجتمعية، وهذا ما لا يوجد لدينا، أمام غياب أي برنامج اقتصادي جدي، ثمة بون شاسع بين ما نعيشه نحن من بطالة وما يعيشه الغرب من البطالة.

س: طيب، إذا كانت الدولة المغربية لا تطرح بدائل، فهذا دور الهيآت السياسية، أليس كذلك؟ وهذا يقودنا إلى كون حتى جماعة العدل والإحسان لا تطرح بدائل قابلة للأجرأة؟

هناك أنواع متعددة من الهيآت السياسية، بحيث ثمة هيآت دخلت في الألعوبة السياسية، على حد تعبير أحد مستشاري الملك الراحل، رغم توفر بعضها على ما يكفي من الصدق والإرادة السياسية للتغيير، ولكن كل من دخل الألعوبة المخزنية، لا يمكنه إلا أن يجرفه التيار الذي يعتبر تيارا مصلحيا صرفا، يهدف إلى الإبقاء على الطبقية والمحسوبية، هذا في الوقت الذي تتواجد فيه هيآت سياسية أخرى، علما أنها ليست كثيرة، تفضل البقاء خارج الألعوبة السياسية، والتي لا تتوفر، كيفما كان الحال، على بدائل إجرائية في المرحلة الحالية، يبقى فقط أنها مجبرة على أن تختار بين خيارين أحلاهما مر، جماعة العدل والإحسان تحديدا، ليس أمامها سوى التجاوب مع الشعب، وخاصة الشباب الذي تحدثنا عنه منذ لحظات، باعتباره القلب النابض، لهذا نراهن على هذه الفئة من خلال تحسيسها وتأطيرها، ولا يمكننا إلا أن نختار هذا الحل إذا لم نفضل الدخول في الحل الجذري، وهذا موقفنا منه معروف، فنحن لا نرى أي جدوى من العنف لتحقيق التغيير.

س: هل هذا معناه أن الجماعة ستكتفي بالتأطير السياسي ووصف الواقع وانتقاده، لماذا لا تفكرون في طرح بدائل أو على الأقل المساهمة في إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

الجماعة تطرح البدائل، وتشتغل على مستويين، وإن كانت هناك مؤسسة تشتغل بالسياسة الحقيقية فهي العدل والإحسان، لأنها بالإضافة إلى التأطير والتحسيس، تطرح بدائل حقيقية من ضمنها الميثاق الإسلامي، فهذا بديل قد ينقذ المغرب من الطوفان السياسي الذي سنعيشه في أفق 2010، وأقصد فتح الحدود، فطامتنا العظمى ستظهر بشكل جلي، حينما ستواجهنا أهوال العولمة الاقتصادية !

فإذا لم ننقذ المغرب بشكل معقلن، نقترحه من خلال ميثاق نقصد به مؤتمرا وطنيا يضم جميع الفعاليات لكي نخرج من الورطة التي يضعنا فيها المخزن.

س: ولكن لحد الآن، لا تستجيب له الأطراف الأخرى.

وما ذنبنا نحن، فباقي الأطراف هي التي لم تستجب، بالنظر للخوف الذي لا زال يسيطر على حقلنا السياسي.

س: ولكن، هل ستظلون مكتوفي الأيدي إلى أن يستجيب الآخر، المفروض أن تبادروا، أليس كذلك؟

لا توجد عشرة حلول، فإما أن تتوفر عزيمة وإرادة سياسية، ونحن ندعو لها، وقد عبرنا عنها بمصطلح القومة، وهو مختلف عن الثورة، وإما أن تركب طائرة وتصطدم مع الحائط.

س: لا، ثمة أشياء أخرى، نحن مقبلون في الصيف المقبل على الانتخابات البلدية، وإذا كنتم قد قاطعتم الانتخابات التشريعية بناء على ما تمنحه من مشروعية للنظام، إلى غير ذلك، فإنه في بعض الدول تجري مقاطعة الانتخابات التشريعية دون الجماعية من طرف أحزاب سياسية، لما لها من دور في التخفيف من مشاكل المواطنين والتواصل معهم، فما دمتم تتوفرون على أشخاص لديهم من الشروط ما يخول لهم الحيلولة دون استمرار نهب المال العام، فلماذا لا تشاركون؟

لست مؤهلة للإجابة بدقة عن هذا السؤال، لتحديد مشاركتنا من عدمهما.

س: طيب، بما أن قرارا من هذا القبيل يقتضي تدخل الدائرة السياسية، ثمة ملاحظة أساسية، فبعد مرور 3 سنوات على تأسيسها، لا زالت تعيش مخاض التأسيس، بحيث ما يزال الحديث عن تأسيس لجان جديدة تشتغل على ملفات دون أن تصدر مواقف أو رؤى نهائية حول عدد من القضايا، فإلى ماذا ترجئين الاستمرار في العيش في وضع المخاض؟

نحن نعيش المخاض على مستويين، فثمة مخاض طبيعي يعيشه العالم بأكمله، بحيث هناك نوع من الضبابية في الرؤية المستقبلية الذي لا يقتصر على الجماعة لوحدها، بل يمتد إلى جهات من المفروض أن تتوفر على وسائل لرصد الواقع ومعرفة الملفات الإجرائية بتدقيق وتمعن، وبالتالي، هذه مسألة طبيعية.

ومن جهة ثانية، نحن نعيش أزمة حصار، فنحن محاصرون، والجميع يعرف هذا، إذ لا نشتغل بشكل طبيعي يوفر لنا إمكانية رصد الحقائق.

س: ولكن لماذا لا تحصلون على نفس النتائج على مستوى التأطير السياسي مقارنة مع النجاح المحصل عليه على المستوى التربوي؟

الإشكال يتجلى، كما سبق وأسلفت، في الطروحات الإجرائية. على المستوى التربوي، الأمور واضحة، أما الأمور السياسية فتستدعي أدوات يحول الحصار دونها، لعل أبسطها مسألة الميثاق، فقد توفرت إرادتنا، إلا أن الآخر يخشى الاتصال بنا، إما لأنه يحتقر هذا الطرح أو أنه مقتنع بطرحنا، لكنه يحترس بحكم انتمائنا إلى دولة إرهابية، والدليل على ذلك، ما عاشه أحد إخواننا ببرشيد، فنحن لا زلنا لا نملك ضمانات لحرية التعبير والاختيار السياسي، لذلك، إرادتنا محصورة بأشياء واقعية، من المفروض أن نتعامل معها رغما عنا.

س: ولكن على قلة النخبة التي لديها استعداد لمناقشة الميثاق، يلاحظ أن الجماعة لا توفر مجموعة من الأوراق التفصيلية في بعض الأمور؟

حتى وزراء المخزن وإن كانوا يتوفرون على أدوات وعلى ميزانية، فإنهم لا يتوفرون على ملف واضح في قضية ما، فأنا أتحداك أن تعثر على مسؤول بالمغرب يملك تصورا واضحا حول ملف بعينه !

وتعلمون أن من طبيعة النظام بعثرة المعلومات، حتى لا تتوفر إلا في يد جهة معينة، ومن ثم، في ظل هذه الأجواء، ليس بمقدورنا أن نحيط بعدد من الملفات بالشكل المطلوب حتى نقدم البدائل المدروسة.

س: لم أقصد الأوراق الإجرائية، فحينما نقترح الميثاق ونتفق على اجتماع الأطراف كلها لإخراج البلاد من المأزق الذي تعيشه، من الممكن جدا أن تعطى أوراق تفصيلية، فجماعة العدل والإحسان تؤكد أن التصورات العامة متوفرة في كتابات الشيخ عبد السلام ياسين، ومن الممكن أن تتحول هذه التصورات إلى أوراق قابلة للنقاش.

هناك الكثير من الأوراق التبسيطية، غير أن هذا التدقيق لا يعرفه العديدون بحكم الحصار الإعلامي المضروب على الجماعة.

س: ولكن، حينما تعقد ندوة وطنية للحوار، وأنا حضرت اثنتين منها، لا تعرض فيها هذه الأوراق بالمرة، ويبقى النقاش عاما.

(تقاطع) لا تكفي ندوة أو ندوتان لتصريف فكر تجديدي شامل، ساعتان لا تكفيان في لقاءات يطغى عليها الشكل أكثر من المضمون، نحن نبحث عن صيغة لتصريف مشروع واضح، يبقى فقط أننا ملتزمون باجتناب الاقتراحات الإجرائية، لأننا إذا قمنا بتقديم ذلك، نكون إذاك بصدد فرض نموذج معين للتفكير على الآخر، وهذا ما نرفضه، هذا مبدأ الميثاق الإسلامي، فالكل يجب أن يساهم في البناء، فنحن لا نقترح على المسلمين بناء جاهزا، فللمسلمين عقول، وكما يقول سيدنا علي رضي الله عنه: “من شاور الناس شاركهم في عقولهم”، ونحن نؤمن بأن عقول المغاربة يمكنها أن تعطي الكثير إذا ما رفعنا عنها القيود المكبلة بها منذ 14 قرنا، والتي أحكم قيدها المخزن أكثر فأكثر.

س: أمام عدم استجابة الهيآت الأخرى لمطالبكم، تبدو الجماعة في مأزق، يحاصرها النظام بحكم القطيعة فيما بينهما، هذا من جهة، من جهة أخرى، الأطراف السياسية الأخرى لم تستجب لدعوتها، الجماعة بدورها لم تعد تفعل ميدانيا من الناحية السياسية، فما المخرج إذن؟

هذا مأزق يتوهمه البعض، فليس لأن الآخر لا يتكلم عنك، فأنت غير موجود، ربما لم نعد نتفاعل بالشكل الملفت للنظر الذي كنا عليه في السابق، من خلال تنظيم مسيرات ضخمة، والبناء الحقيقي لا يتجلى في المسيرات، ولا يتأتى بالبيانات، بل بالتأطير والتربية، حيث يتضاعف عدد أفراد الجماعة ويستمر تفاعل المنتمين مع الجماعة لتكوين ذات صلبة، بهدف التهييء لمرحلة يكون فيها المغاربة في حاجة إلى بديل متين لنقول لهم: نحن ها هنا، ونحن الضامنون للديمقراطية.

ربما تنبني الذات بالشكل الكافي على التربوي والتنظيمي كحركة إسلامية، ولكن على المستوى السياسي لا تظهر ملامح لذات مبنية سياسيا ولها فعل ميداني.

نحن لا نفرق نهائيا بين ما هو تربوي وما هو سياسي، لأن قول لا إله إلا الله محمد رسول الله واليقين بها، في حد ذاتها سياسة كبرى وكافية لتكسير طوق الحكم الفردي التعسفي. فحينما تعلم الناس لا إله إلا الله، فضمنيا تعلمهم كيف يتحررون سياسيا.

س: هل يمكن القول الآن أن الجماعة تراهن على القومة أكثر من أي خيار آخر؟

نحن لا نغير مبادئنا كل شهر.

س: ما قصدته أن المنهاج النبوي يقترح خيار القومة، وفي نفس الآن خيار المشاركة في حالة ما إذا توفرت انتخابات نزيهة.

هذا ممكن، ولكن لحد الآن الخيار الآخر غير متاح، وهما في الحقيقة ليسا خيارين متناقضين كما يمكن أن يعتقد البعض.

س: طيب، لا يزال مطروحا مشكل الخلافة داخل الجماعة، بحيث لم تظهر لحد الآن ملامح القيادي الذي يمكنه أن يخلف في وقت لاحق ذ. ياسين، خاصة على مستوى التنظير والكاريزمية، ألا يطرح لكم مشكل الخلافة تخوفا في المشكل؟

أولا، والدي لا “ينظر” وحده داخل جماعة العدل والإحسان، فهو مؤسسها، والفرق شاسع بين الأمرين، هو مؤسس فكر اقتنع به مجموعة من الإخوة وانضموا لما يمكن وصفه بالمدرسة.

فيما يخص خلافة المرشد بعد عمر طويل، المسألة غير مطروحة بالمرة، لأن من صميم الفكر المنهاجي وما يطرحه المنهاج الذي يحث على أن دور المرشد هو رمزي أكثر مما يطرح قيادة فردانية، فهو يطرح التسيير المؤسساتي، لكي لا يظل الفرد هو المسير وإن كان ولابد من مسؤول دوره الإشراف على سير العمل، هذا بالإضافة إلى أن التوجس غير مطروح، لأن الذي سيتخذ القرار هو مجلس الشورى وليس مجلس الإرشاد كما يظن الجميع، فهذا الأخير صحيح أنه مؤسسة لها كلمتها ورمزيتها، لكن القرارات الكبرى، فتتخذ داخل مجلس الشورى.

س: طبعا مجلس الشورى هو المجلس التقريري، ومجلس الإرشاد مجلس تنفيذي.

طبعا، وبالتالي، المؤسسات هي التي ستخلف المرشد.

س: ولكن بالنسبة لمنصب المرشد العام، هل الجماعة مقتنعة بوجود من سيخلفه؟

المشكل أنني حائرة بين مجموعة من الأشخاص. تقولون إن مشكل الخلافة مطروح، لأن الأسماء المرشحة لها كثيرة وإن لم تتداولها الصحف، وهي لدينا كثيرة ومحل ثقة الجميع.