إن كان “الإصلاح التعليمي” الأخير قد فرض على المغرب ووزع الطرف المتنفذ الرئيسي،أي البنك العالمي، الأدوار على الأطراف التابعة لتطبيقها وتنفيذها فإن السلطة الوصية التنفيذية على التعليم لها دور في “الإصلاح”. فبعد تعيين “حكومة التناوب” سنة 1998، رفعت شعار الأوراش الكبرى للإصلاح وكان التعليم أولى هذه الأوراش، فأي تدبير كان للتعليم إبان هذه المدة ؟

. الهيكلة والتنظيم

التدبير الإداري لأي مؤسسة تلزمه هياكل ووحدات تنظيمية حتى يتم التدبير وفق أسلوب علمي وعملي، فقبل تعيين حكومة 1998 بشهر أخرجت هيكلة جديدة لوزارة التربية الوطنية1 لكن تلك الحكومة كانت تتضمن وزارة التربية الوطنية، ووزارة منتدبة مكلفة بالتعليم الثانوي والتقني، مما يعني أن الهيكلة الجديدة استنسخت ومعها القديمة، وبقي قطاع التربية الوطنية بدون هيكلة ولامنظام (organigramme). واستمرت الحالة في عشوائية تنظيمية إلى أواخر سنة 1999عندما تم إصدار هيكلة مستقلة للوزارة المنتدبة المكلفة بالتعليم الثانوي والتقني، لكن قبل إتمام وضع وترسيم هياكل الوزارة المستقلة تلك تم التعديل الحكومي في شتنبر 2000 الذي احتفظ فقط بوزارة واحدة للتربية والتكوين مما يعني أن كل مناظيم التربية الوطنية قد استنسخت ويجب إحداث نظام وهيكلة جديدة للتربية الوطنية.

وامتدت تلك العشوائية إلى الآن حيث تم إخراج هيكلة جديدة لوزارة التربية الوطنية2 .هذه العشوائية المنظامية لها أكثر من انعكاس على سير عمل الوزارة أو الوزارات الوصية على التربية والتكوين.

2. العمل

عند غياب منظام يدبر به عمل الوزارة الوصية على التربية والتكوين، حلت محله هيكلة الأمر الواقع، فكان مزيج من الهيكلات القديمة والجديدة إضافة إلى اجتهادات انفرادية لبعض الوزراء والمديرين المتمثلة في إحداث وحدات تسييرية بمثابة مديريات مثل وحدة تنسيق التكوين التي أحدثت بعـد تعيين “حكومة التناوب” ولم تحذف إلا بعد تقاعد مديرها، والوحدة المكلفة بالتعليم الأساسي، ثم وحدات مكلفة بتنفيذ وتتبع الاعتمادات المالية الخارجية المخصصة للتعليم، مثل وحدة تطبيق برنامج الأولويات الاجتماعية ووحدة تطبيق برنامج ميدا MEDA BAJ… والإحداثات هذه لم تقف عند هذا المستوى، بل انزلقت لتصل إلى أقسام ومصالح، مثل إحداث قسم بمديرية الموارد البشرية، ومصالح أخرى بنفس المديرية وهلم جرا….

ورغم إحداث وزارتين وصيتين على التعليم الأساسي والثانوي، فإن مشكل الاختصاصات أثير بحدة في السنتين الأوليتين منذ تولي حكومة “التناوب” حتى كاد الوزير المنتدب المكلف بالتعليم الثانوي والتقني يفقد اختصاصه بين وزير التربية الوطنية ومديري الإدارة المركزية، لولا جولاته البنهيمية3 والتعديل الحكومي في شتنبر 2000 اللذين أنقذاه من بطالة “تناوبية”.

وبقي من إنقاذ ماء وجه التدبير الإداري لقطاع التربية والتعليم سنتين، ليبرهن الوزير المعين بعد التعديل الحكومي شتنبر 2000 أن النسخ في استمرار تكرارها. حيث اللامنظام l”informel هو السائد، وكلما أراد الوزير مباشرة عمل إلا واختار له طاقما خارج الهياكل القديمة والجديدة، خارقا بذلك مبدأ الاختصاص، فقد تم تشكيل لجان مثل لجنة دراسة منظومة التوجيه ولجنة إعادة تنظيم هيئة التفتيش ولجنة التكوين بقرار شخصي لوزير التربية والتكوين دون مراعاة الأطراف المعنية مباشرة بالقضايا الموكولة لها دراستها ذلك ما أدى بهذه الأطراف إلى انتقاد صيغ ونتائج أعمال هذه اللجان4 .

ورغم خطاب اللامركزية المهيمن على مسؤولي الوزارة فإن المركزية هي سيدة الواقع التعليمي ولا أدل على ذلك سوى ما عايناه آنفا. .

أكثر من ذلك، فإن كانت المركزية تعني تمركز الوزارة بالإدارة المركزية مقابل أوامر وتعليمات للمصالح الخارجية، فإن وزارة التربية الوطنية في “مرحلة التناوب” عرفت مركزية بامتياز حيث تم تركيز كل العمل داخل الإدارة المركزية في أيدي أشخاص معينين دون آخرين من أطر ومديرين ورؤساء أقسام و أطر الوزارة، وربما تمركز العمل في يد شخص لا صفة له ولا مهمة له داخل الوزارة وتلك صورة أخرى لإشراك الجميع في تدبير التعليم5 أم أن إملاءات المؤسسات المالية الاستكبارية انسلت إلى إدارة التربية الوطنية نفسها ! لكن الأمر واقع أيضا على وزراء التربية والتكوين ببلدنا حيث أنهم موضوعون تحت إمرة المستشار مزيان بلفقيه الذي قدم قبيل الموسم الدراسي الجاري 2002/2003 تقريرا عن التربية والتكوين للملك بحضور مرؤوسيه الوزراء.

وبقي موظفو وأطر وزارة التربية الوطنية المقصيون والمغلوبون على أمرهم محتفظين على سير عمل الوزارة العادي حفاظا على مصالح العباد والبلاد رغم اعتبارهم أناسا من الدرجة الثانية من قبل نخبة القرصنة والاحتكار.

3. اللامركزية وتفريخ المخزن

يعلم الجميع من متتبعي الشأن الجهوي والمحلي المغربي أن اللامركزية المغربية هي اختزال للنظام المخزني في رقعة جغرافية جهوية أو محلية.

وتلك قاعدة لا تستثنى منها اللامركزية التعليمية التي منذ 1987 والخطاب الرسمي يلوك خطابها، لكن في مرحلة حكومة التناوب كثر الحديث عنها حتى أصدر قانون 00.07 المحدث للأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين معتبرا إياها خطوة نحو لامركزية التربية والتكوين، لكن قراءتنا لبنود ذلك القانون وبالخصوص الباب الثاني المخصص للإدارة والتسيير يبين أن مجلس إدارة الأكاديمية يتحكم فيها جهاز الداخلية والمخزن من خلال والي الجهة، وعمال عمالات وأقاليم الجهة والرؤساء المعينون ثم مدير الأكاديمية الذي يعين كذلك، ثم المنتخبون وهم قلة إن كانت النزاهة أما إن كان الزور فحدث ولا حرج.

وهذا التسيير للأكاديمية لا يختلف عن القبضة المحكمة على نيابات وزارة التربية الوطنية من طرف منسق العمل الحكومي الوالي أو العامل الذي يتولى الوصاية المباشرة على أمور التربية والتكوين ما عدا عمل الأطر التربوية والإدارية وجهدهم الذي ما زال يحافظ على سمة التربية والتعليم إن صدقوا.

فكانت بذلك اللامركزية تلك اختزالا صريحا لمركزية المخزن على التعليم.

1 مرسوم رقم 2.96.956 صادر في 06 شوال 1418 (04 فبراير 1998) بشأن اختصاصات وتنظيم وزارة التربية الوطنية. الجريدة الرسمية عدد 4562 بتاريخ 21 شوال 1418 الموافق لـ19 فبراير 1998.

2 مرسوم رقم 2.02.382 صادر في 06 جمادى الأولى 1423 (17 يوليوز 2002) بشأن اختصاصات وتنظيم وزارة التربية الوطنية. الجريدة الرسمية عدد 5024 بتاريخ 14 جمادى الأولى 1423 الموافق لـ25 يوليوز 2002.

3 نسبة إلى وزير التربية الوطنية السابق بنهيمة الذي جال المغرب لتقديم مذهبه المشهور بمذهب بنهيمة في السبعينات.

4 مثلا وليس حصرا انتقد أساتذة المدارس العليا تقرير خلاصات أشغال لجنة التكوين وبالخصوص تشكيلة اللجنة تلك التي استبعدت إشراك الأساتذة بالمؤسسات المعنية مباشرة.

5 مبدأ الإشراك هذا كان لازمة وزيري التربية الوطنية منذ تعيينهما، لكن الإقصاء وقرصنة الحقوق هو مبدأ عملهما.