نقف عند صورتين، صورةٍ لخليفة وصورةٍ لملك من ذلك العهد الأول. ولن يحجب عنا وجه الرجل الذي نـتأمله ما خَلْفَه، ابتداء من الذين رفعوه إلى سدة الحكم، وانـتهاء بحالة المجتمع كافة، من حيث قابليتُه للخضوع لسطوة الجبارين، أو استعصاؤه عليها، من حيث وجودُ أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، أو قَهَرها السياط والقتل. فإنه ما صَنَعَ تاريخ المسلمين أشخاص منفردون مهما علت مرتبتهم كما يتصور القارئ العامي للتاريخ. إنما صَنَعَه ما هنالك من مصلحة أخروية جمعت الأمة، فهي ترعى تلك المصلحة العليا فيستقيم لها الأمر، ويكون ولي أمرها الذي نصبته واختارته مرآة تجلو وجه الأمة. أو تهيمن المصالح الدنيوية و”الغرض والشهوة”، ويستكين العباد للظلم، فيحكم السيف، ويعلو الأوباش، وتُوطأ كرامة الأمة. الصنع صنع الله لا رب غيره، ويـبوء العباد بما كسبت أيديهم.

وجه خليفة

وصف الإمام علي كرم الله وجهه عمر بن الخطاب قال: “لله در فلان فقد قوَّمَ الأوَدَ، وداوَى العَمَدَ. خلَّفَ الفتـنة، وأقامَ السنة. ذهب نقيَّ الثوب، قليلَ العيب. أصابَ خيرها، وسبق شرها. أدى إلى الله طاعته، واتقاه بحقه”.”1″

نعم! قد يكون الشخص الجالس على سدة السلطان علَمَ هُدىً، ومناراً للأمة، إذا كان مثلَ عمر. ويحدث بذهابه ثلم في صرح الأمة فتـتشعب بهم الطرق. لا نكرانَ لأهمية الأشخاص في الصلاح والفساد. لكن النظام هو مناطُ الخير والشر في المرتبة الأولى. قال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب “التمهيد”: “فلم يخب في عمر رأيُه (رأي أبي بكر الذي استخلفه)، ولا خاب ظنه. بل زاد على ما أمَّله منه، وقدَّره فيه. وظهر من جَلَده وشِدته في الله وصرامته ما لا خفاء به. ففتح الفتوح، وجند الأجناد، ومصَّر الأمصار، واستأصل الملوك، واستولى على ديارهم،(…) وصَلُحَ بنظره الحاضر والبادي، والقاصي والداني، وقوَّمهم بالدِّرَّة دون السيف، وأقام الدعوة، وقال: “لئن عشت للمسلمين ليـبلُغَنَّ الراعيَ حقُّه بعَدَنَ من هذا المال”. متواضعا في جميع ذلك لربه، خاشعا لأمره، غير وانٍ في شيء مما يَلْزَمُه القيامُ به. لا تغَيِّرُه الإمْرَة، ولا تُبْطِرُه النعمة، ولا يستطيل على مومن بسلطانه، ولا يُحابي أحدا في الحق لِعِظَمِ شأنه، ولا يدع استخراجه للضعيف لضعفه، ولا تأخذه في الله لومة لائم. يحمل الجَرَّة بنفسه، ويلبس المرقع، ويـباشر نفقة الأرامل وأهل المنازل بنفسه، ويطوف عليهم في ليله ونهاره (…). قالت عائشة وعبد الرحمان وعمرو ابن العاص وغيرهم من الصحابة ممن وصفه: إن عمر أبدت له الدنيا زينـتها وزخرفها، وألقت إليه أفلاذ كبدها، يعني كنوز الذهب، فمشى ضحضاحها (كأنها نهر عبره من مخاضة قليلة العمق)، وخرج منها سليما ما ابتلَّتْ قدماه”.”2″

لا شك أن تأثير القيادة القوية كبـير على سير الجماعة. لكن إذا كانت الجماعة منحلة والعصبـية غالبة فما جدوى رجل أو حفنة رجال؟ مع عمر، ومن ورائه مؤيدين متعاونين، كان رجال ونساء لا تغرهم المظاهر، ولا تأخذهم شخصية رجل فذ. بل كانوا يقيسون شؤون الدنيا بمعايـير الإيمان. فكان عمر في عينهم، قبل كل شيء، هو الرجل الذي “مشى ضحضاحها وخرج منها سليما ما ابتلت قدماه”. كان شأنُ الآخرة عندهم هو الشأن. أولئك حزب الله. ألا إن حزب الله هم المفلحون.

وجه ملك

نورد هنا صورة ملك لا لثلب الموتى، لكن لتـتضح لنا معالم الفرق بين الخلافة والملك. ولنعرف بالمثال الحيّ التاريخي ما يجب أن نـنقطع عنه، وهو نظام العض والجبر، وما يجب أن نحيـيه ونصل حبلنا به، وهو نظام الخلافة.

روى الإمام البخاري عن سعيد بن عمرو بن سعيد قال: أخبرني جدي قال: “كنت جالسا مع أبي هريرة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ومعنا مروان. قال أبو هريرة: سمعت الصادق المصدوق يقول: “هَلَكَةُ أمتي على يديْ غِلْمَةٍ من قريش. فقال مروان: لعنة الله عليهم غِلْمَةً! فقال أبو هريرة: لو شئت أن أقول بني فلان، بني فلان، لفعلت”. فكنت أخرج مع جدي إلى بني مروان حين ملكوا الشام، فإذا رآهم غلمانا أحداثا قال لنا: عسى هؤلاء أن يكونوا منهم! قلنا: أنت أعلم”. والحديث عند الإمام أحمد من طرق متعددة.

بدأ الغِلمة المفسدون من يزيد ثم مروان الذي سمعناه يلعن الغلمة قبل أن تكشف الأيام أنه زعيمُهم. ثم فشا الفساد والإفساد في ذريته وشيعة بني أمية، حاشا بعضَ الصالحين منهم، وهم قلة إمامُهم الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى.

كان الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان نموذج الملك الساقط. كان “ماجنا سفيها يشرب الخمر، ويقطع دهره باللهو والغزل. ويقول أشعار المغنين، ويعمل فيها الألحان”. وكان يجاهر بفسقه وزندقته لا يتَخَفَّى. وكان أولَ من حمل المغنين والمُجَّان إلى عاصمة الملك من كل الأقطار. ويَرْوي المؤرخون أن كفره بلغ به أن عزم على بناء سطح الكعبة قبة يشرب فيها الخمر. ولا يتسع المقام هنا ولا يسمح التعفف أن نذكر كلامه الساقط. تكفي قصة كفره يوم فتح المصحف يستفتح بآياته، فقرأ آيات تهدد بالعذاب وهي قوله تعالى: (واستفتحوا، وخاب كل جبار عنيد، من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد(“3” فقال شعرا:

تهـددنـي بجـبـار عـنـيـد فهــا أنـا ذاك جـبـار عـنـيـد

فـإن لاقيت ربك يوم حشـر فـقـل يا رب مـزقـني الولـيـد

ومزق المصحف. وقال وقد ذُكرت عنده الآخرةُ والحساب:

تذكرني الحساب ولست أدري أحـقـا ما تقـول من الحـسـاب

فـقـل لله يمـنعـني طعامـي وقـل لله يمـنعـنـي شـرابـي”.”4″

تصور ما تكون عليه أحوال الدولة وأموال الأمة وأعراضها تحت غلام هالك مهلك مثل هذا. كان يـبـيع الرتب المدنية والعسكرية ويجبي الأموال لينفقها على سفهاء بلاطه ومحظياته. توج فساده بأن أرغم الناس على بيعة صبيـين بولاية العهد بعده.

كان الويل قد بلغ الدركة السفلى بنظام الحكم، فكيف حدث هذا؟

1 نهج البلاغة ج 2 ص222.

2 نصوص الفكر السياسي الإسلامي. جمع يوسف أيْبش ص72.

3 سورة إبراهيم، الآيتان 15-16.

4 شذرات الذهب ج 1 ص170-171 ملخصا.