بحلول الموسم الجامعي الجديد 2002-2003 أعيد طرح السؤال من جديد حول مصير الجامعة المغربية وذلك بعد مرور قرابة 3 سنوات على صدور الميثاق الوطني للتربية و التكوين و بعد أزيد من سنتين عن صدور القانون 00.01 المتعلق بتنظيم التعليم العالي .

لا يختلف أحد على أن أهم الأوراش التي تجب مباشرتها بغية الخروج بالبلاد و العباد من وطأة التخلف و التبعية، و نحن في زمن العولمة، هي إصلاح التعليم بصفة عامة والجامعي منه بصفة خاصة. على هذا الأساس كان الإجماع على أن الجامعة المغربية محتاجة لإصلاح شمولي يؤهلها للقيام بالدور المنوط بها حتى تكون قاطرة للتنمية و مركز إشعاع علمي و ثقافي و فضاء لتكوين أجيال قادرة على حمل أعباء التغيير.

غير أن الطريقة التي تم نهجها لمعالجة هذا الملف اكتنفها كثير من الغموض والتسرع و الارتجالية…في مدة لم تتجاوز 3 أشهر أثارت استغراب الجميع، إذ الدول المتقدمة كاليابان، والتي تزخر بالأطر و الخبراء، استغرقت مدة إعداد إصلاح التعليم قرابة 10 سنوات، في حين اكتفى القائمون في المغرب على هذا المجال بنسخ تجارب أجنبية تتوافق مع معطيات بلدانهم الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية…الأمر الذي جعل هذا الذي سمي ميثاقا غير ذي جدوى و كان محل انتقاد مجموعة من المهتمين بالشأن الجامعي، إذ سجلت عليه مجموعة من الملاحظات نعد بعضها في ما يلي:

نظام الوحدات : العصا السحرية…

إنه لمن الطبيعي، بل من المنطقي، أن كل مشروع يتوخى تغييرا حقيقيا عليه أن يقيم التجارب السابقة قصد استخلاص العبر وعدم السقوط في نفس الأخطاء. فاعتماد نظام الوحدات مثلا يعتبره المسؤولون العصا السحرية التي تحل إشكالية التعليم العالي و ترفع من مستواه وتؤهل الخريجين لولوج سوق الشغل بسهولة, قد أبان عن فشله من خلال تجربة كليات العلوم والتقنيات و قبلها نظام الإجازات التطبيقية licences appliquées في الجامعات والتي يعاني خريجوها البطالة كزملائهم في الجامعات الأخرى.

و من هنا نطرح أكثر من سؤال ؟ لماذا تم إقصاء المكونات الأساسية في الجامعة من أساتذة باحثين الذين سيشكلون الأداة الحقيقة لتنفيذ مقتضيات الإصلاح و كذلك الطلبة الذين ستمارس عليهم عملية الإصلاح؟

لماذا لم تفتح أوراش حقيقية مع الأساتذة الباحثين قصد تقييم التجربة السابقة والاستماع لمقترحاتهم وإشراكهم في صياغة مشروع الإصلاح الجامعي وعدم إقصائهم من كل مراحله؟

فمشروع الإصلاح الجامعي ما هو إلا وصفة مستوردة تستجيب بدقة لتعليمات صندوق النقد الدولي، فإذا قمنا بإعادة ترجمته إلى لغته الأصلية، سواء الفرنسية أو الإنجليزية، يتضح جليا بأننا بصدد تناول مشروع لإصلاح التعليم وضع في إحدى الدول الغربية ضاربا عرض الحائط مرجعيتنا الإسلامية و مقوماتنا الحضارية.

إن نظام الوحدات بما يحمل من إيجابيات تم التعاطي معه بطريقة خاطئة و ذلك في إنشاء المسالك والوحدات وكذا السرعة التي طلب من الأساتذة الباحثين التحضير فيها، وكذلك الغموض الذي يحوم حول تمويل إنشائها و توفير البنايات اللازمة لذلك و المعدات بالنسبة للشعب العلمية و التقنية، الأمر الذي أصبح ينذر بوضعية كارثية سواء على مستوى التنظيم الدراسي أو على مستوى القيمة العلمية.

الإصلاح الجامعي و الهاجس الاقتصادي:

إن من التراجعات الخطيرة التي جاء بها الإصلاح الجديد هي الاستغناء عن مجانية التعليم وذلك استجابة لمقتضيات صندوق النقد الدولي المتمثلة في عدم تحمل الدولة أعباء التعليم باعتباره قطاعا مستهلكا غير منتج، وكأن إنتاج العقول والكفاءات لا يهمها.

ومن أشكال تملص الدولة من مسؤولياتها اتجاه التعليم العالي الزج بالجامعة في أحضان الشركاء الاقتصاديين و الجماعات المحلية ورفع شعار إدماجها في “المحيط الاقتصادي” وكأننا في دولة متقدمة تملك قطاعا خاصا حقيقيا مبنيا على شركات قوية ذات تنافسية عالمية تريد تطوير منتوجاتها مستعينة بخدمات الجامعيين على مستوى التكوين الجامعي و البحث العلمين، و العكس هو الصحيح إذ أصبح الجميع على علم بإفلاس جل الشركات وخضوع الاقتصاد الوطني و ثروات البلاد للتقسيم بين أصحاب النفوذ في البلاد على أساس الولاء المخزني ، وكذلك الطريقة التي يتم تسيير الجماعات المحلية و المجالس البلدية لا تخفى على أحد.

البحث العلمي في مهب الريح:

إن من أهم الأمور التي تجاهلها الإصلاح الجامعي هي مسألة البحث العلمي و ما تكتسيه من أهمية للنهوض بالأمة من تخلفها و جعل الجامعة قاطرة للتنمية و التقدم والتحرر من التبعية. فتمويل و تشجيع و تأهيل البحث العلمي كانوا من أهم العوامل التي مكنت الدول الآسيوية خاصة الخروج من التخلف والفقر إلى الصفوف الأمامية مزاحمة بالأكتاف الدولة المصنعة و المتقدمة. فبعد سنوات عجاف لم يعرف فيها البحث العلمي في بلادنا سوى التهميش و الإقصاء، بل وعرقلة من يريدون تمويل البحث العلمي من إمكانياتهم الخاصة و بمساعدة مؤسسات أجنبية تخصص من ميزانيتها لمساعدة المختبرات الموجودة في الدول النامية- مما دفع أكثر الأساتذة الباحثين للتخلي نهائيا عن البحث العلمي وهجرة طلبة السك الثالث لتحضير الدكتوراه بالخارج.

في الوقت الذي كان ينتظر فيه الجميع التفاتة الإصلاح الجامعي للبحث العلمي المغربي المهمش نجده تجاهله تجاهلا تاما معتبرا المؤسسات الجامعية لا تصلح للبحث العلمي وما هي إلا ورشات للتكوين المهني من خلال إنشاء مسالك تمكن الطالب من ولوج سوق الشغل وتؤهله ليكون عاملا صالحا للعمل في الشركات الأجنبية التي ستحل في بلادنا في ظل العولمة الاقتصادية.

أضف إلى ذلك ما حدث مؤخرا حيث تمت معادلة دبلوم الدراسات العليا المعمقة DESA لدبلوم الدكتوراه في الو ظيفة العمومية، مما أدى إلى عزوف الطلبة الحاصلين على DESA و تخليهم عن تحضير دبلوم الدكتوراه و تفرغهم للبحث عن منصب في الوظيفة العمومية – و هذا من حقهم- حتى لا يطاردهم شبح البطالة كما تطاردهم قوات التدخل السريع بشتى أنواع القمع و التنكيل و الإهانة لا لشيء سوى أنهم طالبوا بحقهم في الشغل.

حلم دمقرطة الجامعة لن يتحقق:

إن أكبر خيبة أصيب بها الأساتذة الباحثون على إثر صدور القانون 00.01 المتعلق بتنظيم التعليم العالي هو التراجع عن مبدأ دمقرطة المؤسسات الجامعية الذي طالما طالب به الجامعيون عبر نقابتهم – النقابة الوطنية للتعليم العالي- (ن ت و ع).

وهنا يعاد طرح السؤال من جديد : لماذا نستورد نظام الوحدات من الأنظمة التعليمية الغربية و نترك جانبا مبدء انتخاب رئيس الجامعة ورؤساء المؤسسات الجامعية المعمول بها هناك؟

ألسنا في عهد جديد أصبحنا نسمع فيه نغمات جديدة من قبيل ترسيخ مبادئ الديمقراطية ، طي صفحة الماضي، القطع مع ممارسات العهود السابقة…؟ فلماذا التخوف من اختيار الأساتذة الباحثين رئيس جامعتهم أو مدير مؤسستهم من بينهم؟ أليسوا أكفاء لذلك؟ أم هم قاصرون عن ذلك؟ وإن كانوا فكيف نستأمنهم على تربية أجيالنا؟

نترك الأجوبة للخبراء الذين يخططون في الظلام لمصير جامعتنا و نترك لهم الجواب كذلك عن الأجواء غير السليمة و التي شوهت سمعة بلادنا عند عملية اختيار/ تعيين رؤساء الجامعات الجدد خاصة الجامعات التي لم يتم الحسم فيها.

إن أهم شروط نجاح أي إصلاح جامعي هو الاهتمام وتحسين ظروف العنصر البشري المباشر سواء كانوا أساتذة مؤطرين أو إداريين أو طلبة، لكن فوجئ الجميع بفرض رسوم التسجيل في الكلية حيث لا تخفى على أحد الوضعية المزية التي تعيش فيها الفئات الاجتماعية التي يلج أبناؤها الجامعات. ناهيك عن الأجور الهزيلة التي يتقاضاها الإداريون، وبطئ سلم الترقية للأساتذة ورداءة أجواء استكمالهم لأبحاثهم وشواهدهم ، زيادة على أجواء الفوضى التي تعيشها مؤسسات الوظيفة العمومية.

أما بالنسبة للأساتذة الباحثين فبعد سنوات من التهميش والإقصاء والحيف طال فئات عريضة منهم بعد صدور مراسيم 97 تبخر حلم الجامعيين للعمل بنظام الإطارين الذي طالما ناضلوا من أجله في إطار ن و ت ع، هذه الأخيرة التي استسلم مكتبها الوطني السابق لضغوطات وزير داخلية العهد القديم/ الجديد( البصري ).

وبقي ملف الدكتوراه الفرنسية حيت لم تتم معادلتها كمثيلاتها الانكلوسكسونية PHD لدكتوراه الدولة الغربية في حين أن كبرى الجامعات الأمريكية والكندية واليابانية تعترف بمعادلتها مع PHD .

ومن المؤسف أن يتخلى المكتب الوطني ل ن ت و ع على هذه الفئة، كما تخلى على مؤسسات تكوين الأطر وكلية الطب والصيدلة، مما دفع هذه الفئات إلى أن تناضل وتدافع عن حقوقها من خلال جمعيات وهيئات تنسيق وطنية في غياب المكتب الوطني، في الوقت الذي صرح فيه وزير التعليم العالي السابق على أن جميع الملفات العالقة قد تم حلها مع ن ت و ع.

و بالتالي ذهبت الجامعة المغربية ضحية التناغم الحاصل بين الحكومة والمكتب الوطني ل ن ت و ع .

وفي الختام فإن التعليم العالي خاصة و التعليم بشكل عام محتاجا ن لوقفة جريئة وإصلاح جذري على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إطار نظرة ومقاربة شمولية تعبأ لها جميع القوى الحية في البلاد والغيورة على الجامعة، خاصة الأساتذة الجامعين والطلبة والإداريين انطلاقا من مقوماتنا الحضارية ومرجعيتنا الإسلامية بعيدا عن كل إقصاء أو تهميش أو إملاء أو تبعية أو حسابات سياسوية ضيقة.