أين حقوق المسلمين في المغرب المسلم؟

أين حرية العبادة في المغرب المسلم؟

أين احترام الإسلام ومراعاةُ مشاعر المسلمين في المغرب المسلم؟

إن ما لا يشك فيه أحد هو أن هناك، عند المسؤولين المخزنيين، حرصا شديدا زائدا على الحدّ على تكريس عبادة الدولة المخزنية وحمايتها وتقديس حكامها بصورة ترفعهم إلى مرتبة المعصومين المنزهين عن أي سوء الطاهرين من كل النقائص والعيوب. أما حرية العبادة فهي ثابتة ومحفوظة لأهل الأهواء والشهوات وأهل البغي والزندقات، الذين يحاربون الله ورسوله والذين آمنوا، “أولئك حزب الشيطان. ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون”.

أين حرية العبادة وحقوق المسلمين، في المغرب، والدولة عندنا تحتكر الكلام باسم الدين، وتستغل جميع مؤسسات الدولة، ومنها أساسا وسائل الإعلام، لتكريس إسلام مخزني رسمي لا يبغض الحرام ولا ينكر المنكر، بل يحتضن الخبائث ويحميها فيما يسمونه سياسة إنعاش السياحة وتشجيع الاستثمار.

الدولة المخزنية تحاصر الكلمة الحرة والرأي الإسلامي المخالف والمعارض، وتضيق على رجال الدعوة الذين لا ترضى عنهم، وبالوشاية الكاذبة والشبهة اليسيرة تختطف وتعذب وتحاكم وتسجن، في خرق سافر للقوانين وانتهاكٍ صارخ لكرامة الإنسان وحقوقه، وإذايةٍ مُفرِطة لمشاعر جماهير الشعب المسلم.

الدولة عندنا تُغلق المساجد وتطرد الخطباء والوعاظ وتمنع المسلمين من أداء شعائرهم لمجرد الشبهات والظنون، فضلا عن الخوف من السيد الأجنبي والخضوع لتعليماته وإرضاء طلباته.

الدولة عندنا لا تُحرم الحرام، كالخمر والقمار والربا والبغاء، بل تحميه بقوانين موضوعة على المقاس، فيها من الثغرات والفراغات والنصوص الغامضة والعبارات المحتَمِلة، ما يضمن للمحرّمات أن تنتعش وتنتشر وتتحكم في حياة الشعب المسلم وهي آمنة مطمئنة مرْعِيّة. أما معظم القوانين المتعلقة بهذه المحرمات، وفي مقدمتها أمُّ الخبائث، فهي مفروضة من فوق، لم يُحترم، في وضعها، لا حكمُ الشرع القاطع، ولا إجماع علماء الإسلام، ولا رأي أهل السياسة من ممثلي الشعب المسلم.

الدولة عندنا لا تُحرّم الفواحش، بل تشجعها بطرق غير مباشرة، مرة باسم الفن، وثانية باسم السياحة، وثالثة باسم الحداثة، ورابعة باسم التسامح، وخامسة باسم الحوار الحضاري. والحقيقة أن ليس هناك إلا الإصرار على المعاصي واتباع الشهوات والاستجابة لدعوة الهوى والشيطان.

أي شيء في مسابقات “ملكة الجمال” غيرُ الفحشاء المنكر؟

أي شيء في معظم المسلسلات والسهرات التي تبثها قناتا التلفزيون العمومي، غيرُ إلهاء المسلمين وترسيخِ ثقافة العبث والفراغ والتطبيعِ مع الفواحش والمحرمات؟

أي شيء في الأنشطة الصيفية التي تتبناها الدولة وتنفق عليها وتسهر على إنجاحها بالدعاية والبث المكثف في الإعلام العمومي غيرُ التمكين للسلوكات الماجنة والأخلاق المنحرفة والأذواق المنحطة؟

والمهرجاناتُ التي حطمت دولتُنا في تنظيمها الأرقام القياسية، هل من فائدة وراءها غيرُ العبث واللهو والمجون والانحطاط؟

إن من التناقض الذي لا تفسير له، عندي، إلا التضليل المُتعمَّد والإفساد المُبيَّت، هو أن نجد دولة ما ترفع شعار الإسلام، وفي الوقت نفسه، نجدها ترعى المحرمات وتمكن لها بحمايتها والترويج لها وإصدار قوانين تكرس شرعيتها وتصون حقوق القائمين عليها. هذا هو الواقع في بلادنا. هذا هو المعروف الذي لا يجهله أحد من المواطنين. والكذبُ والبهتان والجهل الأعظم هو أن يصرح المسؤولون في الدولة المخزنية بأن المواطنين في المغرب ينعمون ب”أمن روحي”، وأن “حرية العبادة” مكفولة للجميع، وأن القانون يحمي “عقيدة المسلمين” ويمنع تداول المحرمات بين المسلمين…إلى آخر ما شابه هذا من الأكاذيب والدعايات الباطلة.

المعروف أن صناعة الخمور في المغرب، التي تحميها الدولة بأي ثمن وعلى حساب دين المسلمين وصحتهم وقوت يومهم، هي موجهة أساسا للمسلمين.

والمعروف الذي تشهد به حياتنا اليومية هو أن الحانات والملاهي والفنادق وغيرها من أماكن اللهو التي تُعاقر فيها الخمرُ جلُّ روادها من المسلمين.

والمعروف الذي يَرُدّ على دعاوى الكذّابين هو أن الأرقام الرائجة، الرسمية وغير الرسمية، في شأن تجارة الخمور واستهلاكها في المغرب تؤكد أن الأمر يتعلق بسوق قاعدتها الأساس من بنات المسلمين وبناتهم.

والمعروف أيضا أن الخمر أصبحت، بفعل ثقافة التطبيع مع الحرام التي كرّستها الدولة المخزنية، بضاعةً “عادية” تهجم على المسلمين في عُقر بيوتهم، في الإعلانات والإشهارات على صفحات بعض الصحف والمجلات، وتُعرض عليهم في الأسواق العامة، كسوق “مرجان” و”ماكرو”، كما يُعرض الحليب والخبز.

والمعروف المشهور أن بعض المؤسسات التابعة للدولة لا تجد حرجا في أن تكون أمُّ الخبائث على رأس ما تقدّمه لضيوفها وزبنائها، كما تفعل بعض سفارات الدولة المخزنية بالخارج في حفلات الاستقبال، وكما تفعل شركة الخطوط الملكية الجوية في أثناء رحلات الطائرات التابعة لها.

والمعروف السادس أن لعنة الله على الكاذبين الظالمين الذي يريدون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا ويسعون في الأرض فسادا.

فليس الأمر أمر اقتصاد وسياحةَ وقوانين ومساطر ومراقبة وحقوق وحريات كما يزعم الخطاب الرسمي ومن يدور في فلكه ويدافع عنه من كتاب المخزن وفلول عصابات الزندقة والإلحاد، وإنما الأمر يتعلق بمخطط واضح المعالم والأهداف، يحتل فيه نشرُ ثقافة الميوعة والانحلال والتطبيعُ مع المحرمات في حياة المسلمين وقبولُها وعدم الإنكار على أصحابها مكانةً خطيرة ومتميزة. وثقافةُ مخالطة المحرمات واحتضانها والدعاية لها هي جزء أساس في بناء شخصيات النُخب التي تستبد بأمرنا في السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام، ولهذا السبب ما يزال الإقصاء والتهميش والتجريح والتشكيك هو السياسةً المتبعة في حق النُخب الإسلامية التي تدعو إلى إحلال ثقافة الحلال والعفة والطهارة محل الحرام والفساد والانحراف.

أيُّ شيء غيرُ هذه الثقافة التي تحلّل الحرام وتخالطه وتسالمه يُمكن أن يفسر لنا الامتناع عن إصدار المرسوم التطبيقي لقانون منع التدخين في الأماكن العمومية، الذي صودق عليه منذ أكثر من سبع سنوات؟

أيُّ شيء غير هذه الثقافة الزاحفة على براءة شباب المسلمين يمكن أن يسعفنا في فهم ما قاله السيد العربي المساري، وزير الاتصال الأسبق في الطبعة الأولى لحكومة عبد الرحمن اليوسفي، في ردّه على سؤال أحد أعضاء مجلس النواب حول إشهار القمار في وسائل الإعلام العمومي، حيث أنكر الوزير “الاستقلالي” أن يكون ما يُذاع حول “اللوطو” و”طوطوفوت” وغيرهما من أنواع القمار قمارا، وذهب في تعليل إنكاره مذهبا غاية في الغرابة والتمحل لا يُقنع حتى أطفال المسلمين في الأقسام الابتدائية؟

أيُّ شيء غيرُ هذه الثقافة الناشبة مخالبها في حياة المسلمين يمكن أن يفسر لنا إنكار فتح الله ولعلو، وزير الاقتصاد منذ 1997- وما يزال- أن يكون في معاملاتنا البنكية شيء من الربا الذي يحرّمه الإسلام. وقد صرّح بذلك بوجه أحمر في أكثر من مناسبة، وخاصة أمام مجلس النواب في الردّ على أسئلة بعض الإسلاميين في الموضوع؟

أيُّ شيء غيرُ هذه الثقافة الحاقدة على الإسلاميين يمكن أن يساعدنا على فهم أمر وزير الداخلية الأسبق أحمد الميداوي بمنع إقامة الصلاة في الشواطئ العمومية واعتقال بعض المصلين وتقديمهم للمحكمة، وفهمِ تصريحه أمام العموم(في القناة الأولى مساء يوم الجمعة 23 فبراير 2001) بأن كل من يسعى من المغاربة المسلمين إلى اتخاذ إسلامه مرجعية في ممارسة العمل السياسي هو خارج على الدين، وبالتالي فليس له من الدولة إلا القمع والمنع؟

ومحمد الأشعري، وزير الثقافة منذ 1997- وما يزال- الذي منع عرض القرآن، كتاب الله، في المعرض الدولي للكتاب بالدار البيضاء، حسب ما اعترف به للصحافة المندوب العام للمعرض؟

والكازينوهات، والخمّارات، وعلب الليل، واللواط، والبغاء، في المدن الكبيرة خاصة؟

وإشهار الدعارة والخرافة في بعض الجرائد الوطنية؟

والصور الخليعة والأفلام الفاجرة التي تغري بالفاحشة وتشجع عليها؟

والانحرافات العقدية والأخلاقية والتاريخية في الكتب المدرسية؟

أيُّ شيء غير هذه الثقافة الشيطانية يمكن أن يفسر لنا ما قاله، مؤخرا فتح الله ولعلو، وزير الاقتصاد، عند إثارة موضوع الخمور في مناقشات لجنة المالية والتنمية الاقتصادية داخل مجلس النواب- قال بالحرف: ” أنا لا أفهم كيف أن بعض الإخوان أرادوا استصدار فتاوى وإدخال الدين في هذه المناقشات”. هذا الكلام منقول عما جاء في تقرير لمحمد أفزاز عن الدكتور نجيب بوليف عضو فريق العدالة والتنمية في مجلس النواب، نشرته جريدة “التجديد” في عدد 14/15 دجنبر 2002، ص1. فعند هذا الوزير “الحداثي” “المتَنَوِّر”، الذي لا يخفي وجهه: لا علاقة للحرام والحلال بالاقتصاد، أي لا علاقة للدين بشؤوننا الدنيوية. ومتى كان الله يبارك في المكسب الحرام أيها الجاهلون التائهون في الظلام؟

هذا الوزير “الحداثي” الذي يتحمّل في الحكومة المخزنية مسؤولية تدبير شؤوننا الاقتصادية وتنمية مواردنا وترشيد نفقاتنا لا يجد حرجا في أن تكون مداخيل الخبائث، والخمرُ أمّها، موردا معتبرا من موارد ميزانية الدولة؛ فحسب التوقعات الواردة في مشروع ميزانية 2003، ستحصّل خزينة الدولة 678 مليون درهم من طريق الضرائب المفروضة على صناعة الخمور وتجارتها واستهلاكها في المجتمع المغربي المسلم. المطلوب إذن هو تحصيل المال بغض النظر عن أي اعتبار. هذا هو المبدأ الذهبي “العالمي” “الحداثي” في سياسة دولتنا المخزنية الاقتصادية، أيها المسلمون، إن كنتم تجهلون.

وفي اعتقادي، يخطئ كثير من ذوي النيات الحسنة حينما يذكرون هذه الآفات والمنكرات والانحرافات الخطيرة التي تهدد مجتمعنا المسلم، ثم يشيرون بأصابع الاتهام إلى مجهول، أو إلى مسؤولين نكرات، أو إلى مؤسسات ليس لها صلاحيات أو سلطات فعلية، كالبرلمان والحكومة، أو إلى مسؤولين من درجة ثالثة أو رابعة ينفذون الأوامر والتعليمات.

إن الأمر هنا هو أمرُ دين ما فتئ يتعرض لسهام التشويه والتزوير والدعاية الفاسقة الفاجرة، وبالتالي فإن قول الحق يفرض على من يعنيهم الأمر أن يضعوا الأصبع حيث تؤلم، أن يجرؤوا على تسمية المسؤولين الحقيقيين، أن يرفعوا الصوت عاليا بإنكار المنكر، “ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز”.

هذه الخمر مثلا، وهي أمّ الخباث ومعدن الآثام، ما ينفع كثيرا، في رأيي، تقديمُ مقترحات القوانين للبرلمان لمنع تداولها، ولا طرحُ الأسئلة الشفوية والكتابية على الوزراء لتحميلهم المسؤولية فيما ينجم عن انتشار الخمور وتعاطيها من كوارث في الأرواح والأموال والأخلاق.

لماذا؟ لأننا نعرف أن مثل هذه المؤسسات صلاحياتها محدودة للبت في الموضوع، لأن تجارة الخمور وتداولها واستهلاكها في المجتمع المغربي المسلم إنما ينظمها قانون صادر عن الديوان الملكي سنة 1967، لم يُستشر في وضعه لا برلمان ولا حكومة ولا علماء ولا مواطنون. ألم يئن الأوان لفضح هذا الوضع الشاذ وتصحيحه؟

أيها العلماء الدعاة، أيها الإسلاميون، قولوا الحقَّ ولا تكتموه، قولوا بصريح العبارة: إن على الملك أن يُلغيَ الظهيرَ الذي صدر عن الديوان الملكي سنة 1967، والذي ينظم في بلادنا تجارةَ الخمور/المحرمات وترويجها وتداولها واستهلاكها، وأن يُرجع لممثلي الشعب المغربي المسلم حقَّهم في وضع قوانين جديدةً تتحرّى الحلال وتجتنبُ الخبائث، “والله خيرُ الرازقين”.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.