يلاحظ أنكم تقاطعون الاستحقاقات السياسية دائما بحجة أنها غير نزيهة، في رأيكم ما هي الشروط التي ترونها كفيلة بإضفاء النـزاهة على الانتخابات؟

الحديث عن انتخابات نزيهة في غياب الرجوع إلى جوهر المشكل وأصله ضرب من العبث، لأن الانتخابات تتويج لمسلسل من الإجراءات يجب أن تتخذ. فلا جدورى من برلمان إذا كانت اختصاصاته محدودة ومن حكومة فسيفسائية لا تجمع بين مكوناتها لا إيديولوجية ولا برنامج. ونحن أمام طيف من اليمين وآخر من اليسار لا اسنجام بينهما، وأمام حكومة لا سلطة لها بموجب الدستور، والوزراء هم في الحقيقة أعوان الملك وموظفون سامون ليس إلا.

لذا نطالب باتخاذ مجموعة من التدابير من شأنها أن تفصل بين السلط وتحدد المسؤوليات وتخضعها للمحاسبة.

ونعتقد أنه في غياب كل هذه الأمور، يبقى الحديث عن انتخابات نزيهة مجرد واجهة سياسية للتعامل مع الجهات الخارجية عوض إيجاد مؤسسات فاعلة داخل المجتمع.

لكن قدمت ضمانات ملكية على أن الانتخابات المقبلة ستكون نزيهة؟

الأمر بالنسبة لنا لا يختلف، لأنه سبق أن قدمت ضمانات ملكية وكان الملك الراحل الحسن الثاني وعد أنه سيضع وزنه وثقله لتكون الانتخابات نزيهة، إلا أن الواقع أبان عكس ذلك وكانت النتيجة أسوأ مما كان يقع في السابق، الأمر لا يتعلق بشخص ولكن بنظام وآليات.

إذن تركزون على ضرورة إحداث إصلاحات دستورية؟

نحن نطرح أكثر من ذلك. نعتقد أن الوضعية في المغرب وصلت إلى مستوى من التردي لم تعد تنفع معها لا إصلاحات ولا رتوشات. كفانا من الترقيع، فمنذ حوالي 50 سنة ونحن نحاول التعامل مع سياسة عدم ترك الكراسي فارغة، ومسألة الإصلاح من الداخل سمفونية أكل الدهر عليها وشرب وأبانت التجربة فشلها وعقمها.

الآن يجب أن نقف وقفة جريئة لنضع قطيعة مع التجارب الماضية وننظر إلى المستقبل. وقبل أن نتحدث عن انتخابات نزيهة أو غير نزيهة، نعتقد أنه يجب أن نخرج المغرب من المنغلق السياسي والفساد الأخلاقي والاجتماعي إلى شاطئ النجاة، وهذا نعتقد أنه لن تستطيع أن تقوم به أية جهة بمفردها. لذا نقترح ميثاقا يشترك الجميع في وضعه دون إقصاء إلا من استثنى نفسه وأن نفتح حوارا جديا حول القضايا الأساسية المطروحة على مرأى ومسمع من الشعب وليس ميثاق كواليس كما يحدث دائما بين النظام والأحزاب اللذين يجتمعان في مطبخ ليعدا لنا وجبات جاهزة من قبيل وجبة التناوب.

إلى حد الآن، مازال الشعب يغيّب. ولا نعتقد أن أي تغيير أو تنمية يحجب عنها الشعب ولا يكون فيها طرفا ومساهما أساسيا تكون ذات جدوى. الانطلاقة الجديدة والفعلية تقتضي التفكير بتأن، وأن لا ندخل في زحمة الأحداث فنضع ميثاقا مشوها مولودا قبل الأوان. لذلك نقترح أن تأسس لجنة ينتخبها الشعب لتضع هذا الميثاق الذي سيصبح أرضية للتعامل في مرحلة مقبلة. إذا ما وضعنا القطار على السكة آنذاك يمكن أن نتحدث عن انتخابات نزيهة وعن تنافس شريف.

وأذكر هنا فقط بمسألة الميثاق، طرحناها في العدل والإحسان منذ أزيد من عشر سنوات، وإذا رجعتم إلى أدبيات الجماعة ستجدون أن خطابنا واضح منذ سنة 1981. طالبنا بتأسيس حزب سياسي ونشرنا هذا في مجلة “الجماعة”. ومنذ نشأة جماعتنا، كانت نيتنا الدخول إلى الحقل السياسي وسعينا إلى مد جسور الحوار منذ زمن بعيد. كثيرة هي اللقاءات والمناسبات التي نادينا فيها بالحوار، ناهيك عن كتب سميناها كتبا حوارية. إن الذي يرفض الحوار هو الطرف الآخر وليس نحن.

بدأ الحديث عن مجموعة من الإجراءات والتعديلات في نظام الاقتراع يرى البعض أنها ناجعة ومن شأنها إضفاء الشرعية على الانتخابات المقبلة، هل تؤمنون بهذه الإجراءات؟

من العبث حاليا أن نتحدث عن إجراءات حول نظام اقتراع يعطي مصداقية للانتخابات في ظل الدستور الحالي وفي ظل العقلية المهيمنة الآن. إن تعدد الأحزاب في بلادنا لا يعني التنوع والاختلاف في التوجهات والتصورات، وطرح البرامج التي تجعل المنافسة ذات جدوى، حتى في حال توفر دستور يكفل الحريات ويفصل السلط ويحدد المسؤوليات. ولا نعتقد إذن أن يكون لهذه الإجراءات أي جدوى.

هل ترون أن إجراء الانتخابات في شتنبر المقبل موعد مناسب؟

بالنسبة لنا أن تجرى الانتخابات في وقتها أي في شتنبر، كما تم التأكيد على ذلك، أو تتأخر بسنة فهذا لن يغير من الأمر شيئا. إن المشكل في رأينا غير مرتبط بالزمن، الذي يهم أن يعاد النظر في الأصل وليس في الاعراض، فلا ينتظر أن يطرأ جديد مع الوجوه القديمة ومع استمرار هيمنة المقدم والقائد واستعمال المال … إلخ.

رجوعا إلى الانتخابات الماضية، نتذكر أن جماعة العدل والإحسان كانت ضد مشاركة التوحيد والإصلاح عن طريق حزب الخطيب، هل ما زلتم ترون أن ما أقدم عليه أعضاء هذه الحركة لم يكن مجديا؟

صحيح أننا قلنا لإخواننا في حركة التوحيد والإصلاح أنه من العبث الدخول في هذه التجربة للأسباب التي تحدثت عنها سابقا، إلا أنهم تشبثوا بموقفهم ونحن نحترم خيارهم. كما نعتقد أن ما وقع في السنوات القديمة من أحداث وتطورات ووقائع جعلنا نزداد ثقة في ما اتخذناه من مواقف في هذا الصدد.

وإذا طلب منكم مساندة “الإخوة” في التوحيد والإصلاح والتصويت عليهم في الانتخابات المقبلة، هل ستوافقون؟

نؤكد مرة أخرى أن مشاركتنا في الانتخابات غير مرتبطة فقط بحصولنا على ترخيص حزب من عدمه، ولا بعقد تحالف مع هذه الجهة أو تلك، ومن يقوم موقفنا من هذه الزاوية فقط فنظره ضيق جدا. موقفنا من الانتخابات نابع من موقفنا من الإدارة السياسية لعامة قضايا البلد. فلا معنى إذن للمشاركة في الانتخابات، بأي طريق من الطرق، سواء بالترشيح من خلال هيئة معينة، حزب أو جماعة، أو من خلال دعم أحد الأطراف المشاركة في الانتخابات. لا معنى لذلك في ظل غياب مؤسسات حقيقية، واضحة الوظائف والاختصاصات، يستطيع كل من ولجها أن يساهم في التغيير انطلاقا من مبادئه وتصوره وأهدافه، دون أن يجرفه التيار. لا معنى للمشاركة في الانتخابات في ظل دستور يكرس احتكار السلطة بمختلف أصنافها، من طرف جهة واحدة دون أن يوازي ذلك الاحتكار أي نوع من المسؤولية. مما يعطينا اقتناعا جازما بأن لا أحد يستطيع فعل شيء يذكر من خلال مؤسسات مصنوعة بهذه الطريقة مهما صَفَت نيته وسمت مقاصده. من هذا المنطلق أعتقد أن إخوتنا في حزب العدالة والتنمية سيفهمون موقفنا القاضي بالإحجام عن المشاركة في الانتخابات المقبلة بما في ذلك دعمهم ومساندتهم؛ سيتفهم إخوتنا موقفنا كما تفهموه من قبل إذ سبق أن أثير نفس الأمر في الانتخابات السابقة، وتفهموا موقفنا كما تفهمنا موقفهم.

بعيدا عن دائرة الانتخابات، نود معرفة تقييمكم لتجربة حكومة التناوب؟

في البداية، أنا حريص على الإشارة إلى أن حكومة التناوب لم تفرزها انتخابات ولم تنبثق من أغلبية برلمانية حقيقية. الجميع يؤكد أن حكومة التناوب انبعثت من إرادة ملكية، ونستغرب لقول الكذب والزور الذي نسمعه بين الفينة والأخرى كون الحكومة الحالية تحظى بثقة الملك، فهل هذا يعني أن الحكومات السابقة التي كان يعينها أيضا الملك لم تكن تحظ بثقة الملك، هذا كلام للاستهلاك فقط.

أما تقييمنا العام لهذه التجربة، فنرى، بغض النظر عن الخطابات الرسمية، أن الأمور كارثية على جميع المستويات. وحتى من داخل الحكومة نجد أن عددا من الوزراء غير راضين عن الحصيلة.

وسبق أن قلنا إن أية حكومة في ظل الشروط الموجودة الآن يستحيل أن تقدم نتيجة معقولة لأن الظروف ليست متوفرة.

يروج أنكم بصدد تأسيس حزب سياسي، ما مدى صحة هذا الخبر؟

في الظرف الحالي أقول لكم إنه لا الدولة ترغب في الترخيص لنا بتأسيس حزب ولا نحن راغبون في الدخول في حمأة الانتخابات. منذ مدة طالبنا بالسماح لنا بتأسيس حزب والآن الكرة في مرمى النظام إن هو اقتنع بذلك، وقتها سنفكر بجدية في الأمر.