انتظر السياسيون والإعلاميون طويلا، قبل أن يزف إليهم خبر تشكيل الحكومة الجديدة، وقبل أن تلوح في الآفاق لائحة بأسماء الوزراء الجدد ! تعيين متأخر وافق تخمينات وعصف بأخرى، ليحدث وكالعادة شيئا من المفاجأة، في مغرب المفاجآت بامتياز ! فجبهة القوى الديمقراطية والحزب الاشتراكي الديمقراطي والاتحاد الديمقراطي رغم استعدادهم التام للمشاركة في الحكومة لا مكان لهم في اللائحة التي لاحت في الآفاق ! ووزارة العدل، إحدى وزارات السيادة سابقا تسند إلى الاتحاديين، ولم تفصل الأوقاف عن الشؤون الإسلامية، كما شاع وذاع، ولم تسند هذه الوزارة إلى شخصية حزبية، وأسندت إلى الأستاذ أحمد توفيق.

وبعد صراع في الخفاء من أجل الاستوزار هيمن حوالي عشرين وزيرا سابقا على الحكومة الجديدة، مع تغيير طفيف في المواقع. وظهرت أسماء جديدة كل الجدة، لم نعلم بانتمائها لأحزاب “الأغلبية” إلا بعد تعيينها في حكومة إدريس جطو، ومع ذلك نقول الله أعلم بحقيقة الانتماء والارتباط. ويبدو أن حمأة الصراع لم تنته بتعيين الحكومة، حيث استنكر متحزبون من هنا وهناك انحياز أمناء الأحزاب لصالح أسماء معينة …

على أية حال، حكومتنا لم تصح بدايتها، حتى نتفاءل بنهاية مشرقة لها، فالحكومة “محكوم عليها” وإليكم حيثيات الحكم لنعرض في الأخير منطوقة.

حيث أن الحكومة لا تملك دستوريا إلا جزء يسيرا من السلطة التنفيذية، أو بالأحرى الوظيفة التنفيذية، مقابل ما يملكه الملك من سلطات واسعة، منها سلطة تعيين الحكومة، وسلطة حلها.

وحيث أن الحكومة الحالية تضم وزراء للسيادة، بالإضافة إلى السيد إدريس جطو وزيرالسيادة الأول.

وحيث أن الحكومة تضم ستة أحزاب بالإضافة إلى “التكنوقراط”، مما يجعل الانسجام صعبا والفعالية محدودة.

وحيث أن الملك أعلن عن البرنامج العام للحكومة في خطابه الافتتاحي للبرلمان بتاريخ 14 أكتوبر 2002، ولم نعثر في برامج أحزاب”الأغلبية” -وذلك أضعف الإيمان- على تفصيلات تنفيذية لذلك البرنامج العام.

وحيث أن طريقة اختيار الوزراء غير سليمة، فمن جهة أولى بلغ عدد الترشيحات سبعة لكل حقيبة وزارية، مما يعني أن الحزب لا سلطة له في اختيار من يمثلونه في الحكومة، ومن جهة ثانية تم الحسم في الأسماء بإملاءات فوقية، لم تعرض على الهيآت الحزبية المعنية من أجل النقاش.

وحيث أن المعيار الحاسم في اختيار الوزراء كان هو الرغبات الفوقية مع شيء من مجاملة أمين عام الحزب أو كاتبه الأول.

وحيث أن طريقة التعيين أفرزت أسماء لا علاقة لها بالأحزاب ولا ببرامجها.

وحيث أن الحكومة الجديدة تضم مجموعة من الوزراء السابقين، منهم من ثبت فشله في وزارات سابقة.

وحيث أن حكومة اليوسفي رهنت الحكومة الحالية بمشروع القانون المالي ل2003، مما يعني استمرار نفس السياسات السابقة.

بالنظر إلى هذه الحيثيات نؤكد أن الحكومة “محكوم عليها” بالعمل المحدود جدا، فهي لن تحقق أشياء ملموسة للمغاربة، وستبقى في منأى عن ملفات هامة، فلن تعيد للمغاربة ثرواتهم التي نهبت في القرض السياحي العقاري، والقرض الفلاحي، وصندوق الضمان الاجتماعي، وكومناف… ولن تطلعنا- مجرد الاطلاع- بما جرى ويجري في تالسينت، ولن تضع حدا لتلك الانتهاكات في حق الإعلام والإعلاميين وغيرهم، ولن تنظر في ملف جماعة العدل والإحسان، ولن تنصف معتقليها وإعلامها …

نقول هذا ولا نرفع الجلسة في انتظار أن تخيب الحكومة ادعائنا، وتفند حكمنا، وسنكون سعداء بذلك، لأن فيه سعادة المغاربة، وإن غدا لناظره لقريب.