أصل البلاء

روى أبو داود والترمذي عن سفينةَ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الخلافة في أُمتي ثلاثون سنة، ثم ملك بعد ذلك. قال سعيد بن جمهان (الراوي عن سفينة): ثم قال (أي سفينة): أمسكْ! (أي احسُبْ): خلافة أبي بكر، وخلافة عمر، وخلافة عثمان. ثم قال: أمسِكْ: خلافة علي. فوجدناها ثلاثين سنة. قال سعيد فقلت له: إن بني أمية يزعمون أنَّ الخلافة فيهم! قال: كذبوا بَنُو الزرقاء! بَل ملوكٌ من شر الملوك”. هذه رواية الترمذي.

وعند أبي داود: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يُؤتي الله الملك من يشاء. قال سعيد: قال لي سفينة: أمسك: أبو بكر سنـتين، وعمر عشرا، وعثمان اثنـتي عشرة، وعلي ستا. كذا قال سعيد: قلت لسفينة: إن هؤلاء يزعمون أنَّ عليا لم يكن بخليفة! قال: كذبَتْ أسْتَاهُ بني الزرقاء! يعني بني مروان”. هذا حديث حسن. قال الحافظ في الفتح: “رواه أصحاب السنن وصححه ابن حبان.

مَناطُ البلاء

بدأ البلاء بالملوك شر بداية كما قال الصحابيُّ وكما أنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجثم على صدر الأمة الحكم الوراثي الذي لا نزال نعانيه. والوراثة مَناط البلاء لأنها تعني غياب اختيار الأمة، وعزلَها عن أمرها الذي فرض الله أن يكون شورى. تعني حكم الغِلْمة الذين على أيديهم هَلَكَةُ الأمة.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أعوذ بالله من إمارة الصبـيان”. قالوا: وما إمارة الصبـيان؟ قال: “إن أطعتموهم هلكتم (أي في دينكم) وإن عصيتموهم أهلكوكم (أي في دنياكم)”. كذا نقل الحافظ في الفتح عن علي بن معبد وابن أبي شيـبة. قال: وفي رواية ابن شيـبة أن أبا هريرة كان يمشي في السوق ويقول: “اللهم لا تُدركْني سنة ستين وإمارة الصبـيان”. قال الحافظ: “وفي هذا إشارة إلى أن أول الأُغَيلمة كان في سنة ستين. وهو كذلك، فإن يزيد بن معاوية استُخلف فيها”.

قلت: وهكذا بدأت بدعة الوِراثة العاضة التي كانت في تاريخنا مناطَ البلاء كله.

وما زالت بدعة الوراثة تسير في طريقها الطبـيعي حتى تطورت إلى اللعب السافر بالأمة. تريد الأُسرة الحاكمة، والعصبـية الجاثمة، والنظام المتسلط، أن تحافظ على مصلحتها وبقائها، فينصِب الحاكمُ ابنه، أو واحداً من قرابته، وليا لعهده. ويعطون لهذه الوِلاية الفاجرةِ صِبغةً شرعية عندما يُكرهون الناس على بـيعة الوارث. وهي في الحقيقة بَـيْعٌ للدين، لا بَـيْعة يُقرها الدين. نُصِبَ الصبـيانُ سادةً على رؤوس الأمة، بل بويع حتى لمن لم يولد. وهكذا فسدت أداةُ الحكم، وشُوِّهَتِ السلطة، وعُبِدت الأصنامُ الوراثية. وعَبث الغلمان، وعُبِث بهم. فذلك هلاك الأمة كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

قال ابن خلدون: “صبي صغير، و مُضَعَّفٌ من المَنْبِتِ (أي الأسرة)، يترشح للولاية بعد أبيه، أو بترشيح ذويه وخَوَله. ويُؤنَسُ منه العجزُ عن القيام بالملك، فيقومُ به كافله من وزراء أبيه وحاشيته ومواليه أو قبـيله. ويُوَرّي عنه بحفظ أمره عليه، حتى يونَسَ منه الاستبداد (يعني أنَّ الكافل يوهم الصبيَّ أنه لا يعمل إلا لمصلحته، حتى يتمكن الكافلُ فيستبد بالأمر). ويجعل ذلك ذريعةً للملك. فيحجبُ الصبيَّ عن الناس، ويُعَوِّدُهُ اللذاتِ التي يدعوه إليها ترف أحواله. ويُسيمُه في مراعيها متى أمكنه. ويُنسيه النظر في الأمور السلطانية، حتى يستبدَّ عليه. وهو (أي الصبي) بِمَا عوَّده، يعتقد أن حظ السلطان من الملك إنما هو جلوسُ السرير، وإعطاءُ الصفقة، وخطابُ التهويل، والقعود مع النساء خلف الحجاب”(المقدمة: ص329). ويرحم الله ابن خلدون فقد عاش هذه الأمور وشارك فيها، فهو يُخْبِر عن تجربة.