نواصل في عددنا الحالي حوارنا مع الغرب. ونلتقي في جزء رابع مع صوت من جنوب البحر الأبيض المتوسط، وبالضبط مع الأستاذ عبد السلام ياسين أحد أبرز المفكرين الإسلاميين في زمننا الراهن إن لم نقل أبرزهم على الإطلاق.

يواصل الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه “محنة العقل المسلم بين سيادة الوحي وسيطرة الهوى” الحديث عن مزايا الغرب وعن معايبنا التاريخية القرونية: قاعدة مدنية ديمقراطية في مقابل قاعدة فتات مغلوبة على أمرها. تناوب على الحكم وتداول على السلطة في مقابل حكام قبائليون عشائريون مخلدون على رقاب العباد بالسيف. فكر متطور متحرر يقابله نفوس وعقول تعشش فيها الشعوذة…

وحتى تتضح الصورة ويأخذ الحوار مجراه نقتطف فقرات من الكتاب المذكور أعلاه وبالضبط فقرة “من مزاياهم”:

“مزاياهم لمعايبنا مرآة سلبية، ما هو عندنا أسود يظهر للمتنازل عن دينه بياضا خالصا هناك.

نرسل المقارنة بين البياض الخالص والسواد الحالك إلى عالم المثاليات، وننكب على ذاتنا بالوضوح الصارم، وهو النصيحة التي هي من الدين، بل هو النصيحة التي هي الدين.

ننكب بالنصيحة لا لجلد الذات وإيلامها، بل لقياس المسافات المروئية، وتقدير الجهاد الواجب للتطهير، والتزكية والتربويات والأخلاقية والتعليم والتصنيع.

إن كانت عنصريتهم المولودة مع ديمقراطية أثينا عنصرية قومية جنسية تخص الإنسان الأبيض الأوروبي، فعنصريتنا قبلية بدائية. قبائل تتبختر في حلل النفط وأخرى عارية. عشائر استحوذت على أموال المسلمين وأخرى في بنجلادش. بطون منتفخة من مطاعم الحرام متقلبة في فرش العهارة والدعارة وصومال يموتون جوعا أمام أنظار العالم.

تماسك عندهم في القاعدة المدنية الديمقراطية وتداول على السلطة بين حكام عابرين. ونحن الحكام علينا مخلدون، والقاعدة فتات. أولئك مخلدون بالسيف لأن هذه فتات وقصعة يا من يجمع !

تطور فكر غيرنا ونحن عقولنا ونفوسنا تعشش فيها الشعوذة والخرافة، وتتنوع فيها فنون “السحر الديني المقدس” مرميون نحن على هامش الحياة الدنيا مع همل البشرية المنبوذة. فما يغني شيئا أن نندد بالوجودية العبثية متسلين بأن لهم الدنيا ولنا الآخرة. آخرتنا مفرومة مخرومة إن بتنا في الدنيا هملا وفرطنا في رسالتنا.

نحن القردة، يأتون للفسحة في ديارنا، والتفرج على فلكلورنا في نزلات السياحة وكازينوهات القمار، وخمارات الليل وبنات الليل. لا يطيق القلم القرب من فتن ما تفعله الإباحية في نسائنا ورجالنا. نستورد الإيدز ـ السيدا مع العاهرات السائحات الشقراوات، ويتوطن في بلادنا بلاء على بلاء الدولارات التي يتسولها أطفالنا في الشوارع السياحية.

الإنتاج والعمل والضبط والجد نبات لا يخرج في أرضنا لتمكن الأعشاب الطفيلية من رشوة ومحسوبية ولا مسؤولية.

نحن حلقة في ناعورة التخلف الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ما يفيدك الرثاء لحال الدروينية القردية والفراغ الدهري إن كانت أحوالك أنت أحوال سياحة لا تحسن صناعة غيرها؟ وكان لسان حالك المتسيب أخلاقيا يقول : ” إن هي إلا حياتنا الدنيا!”.

أرقام ديمغرافية نحن متكاثرة غثائية ضائعة همل، ما ندري كيف نتباهى بين الأمم بكثرة عددنا، ولا كيف يتباهى بنا نبينا صلى الله عليه وسلم ونحن غثاء مرسل كغثاء السيل.

نحن السوق الهامشية التكميلية، يلقون إلينا فضلات معاملهم الملوثة للبيئة كما يلقون إلينا لعب تقنياتهم لنستهلك ما لانصنع، وفائض زراعتهم لنأكل ما لا نحرث. نحن الصفر على اليسار في التوازنات الدولية الثقيلة”. انتهى كلام الأستاذ عبد السلام ياسين.

مقارنة غريبة بين كيانين متنافسين متصارعين على أرضية هذا العالم الفسيح الذي أصبح بفضل التكنولوجيا قرية صغيرة، بل قل خيمة إلى جانب خيمة لا يفصل بينهما إلا ستار رقيق تسمى في لغة العلاقات الدولية والقانون الدولي: حدودا!!!

كيف السبيل إلى رأب المسافات المروئية التي تفصل بين العالمين؟ كيف السبيل إلى إقناع غرب متطور جدا إلى حد النفايات النووية أن يقبل بشريعة حقوق الإنسان التي بوبها وقننها هو بنفسه ويجلس إلى مائدة الحوار ندا لند وكتفا لكتف مع عالم ثالث مليء بكل الأمراض المعدية العضوية منها والنفسية والسياسية والحضارية؟

إن كان الغرب متفوقا بصناعاته وآلاته الضخمة التي تبهر الأبصار والعيون، فإنه في الوقت ذاته يعيش أكبر تحد لاستمرار كيانه المسيحي التاريخي أمام موجة الإلحاد واللاأدرية واللامبالاة التي أفرزتها أفلام هوليود الإلحادية والإباحية، وروبورتاجات الأفلام الوثائقية والبرامج البيداغوجية والتعليمية على إيقاع نظرية التطور القردية الداروينية…

شباب غربي تائه مدمن حتى الثمالة على الخمر والمسكرات والمخدرات. قلة قليلة منهم تستطيع ولوج الجامعات وبالتالي الحصول على تعليم جامعي. الفوارق الطبقية بين المدينة والضواحي في تفاقم مهول لا يبشر بأي خير على المستوى المتوسط على الأقل. الطبقة السياسية أصبح همها الأول هو استثباب الأمن وبأية طريقة أمام هذه الفواجع الاجتماعية التي خلفتها سياسات الغرب الليبيرالية الوحشية.

وتبقى قوة المسلمين في روحانيتهم العالية المستمدة من دينهم الإسلامي السمح ودعوتهم إلى الله عز وجل وإلى الأخلاق الفاضلة. .يبقى أن يثبت المسلمون جدارتهم لقيادة العالم- بعد أن يقودوا أنفسهم- بروحانيتهم لا بصناعاتهم لأنه ليست لديهم صناعات!!! اللهم ما كان او سيكون من صناعة رجال مؤمنين ونساء مؤمنات بسمتهم ورفقهم ونموذجيتهم في الغرب وفي الشرق، في الشمال وفي الجنوب يكونون إن شاء الله تعالى البذرة الروحانية الأخلاقية الطيبة في عالم تعلوه الضوضاء والتنافسية إلى حد إبادة شعوب تقف في وجه التوسع الغربي الرأسمالي الجديد تحت مسمى الحفاظ على المصالح القومية العليا تارة أو رد العدوان تارة اخرى أو الموضة الجديدة لخريجي الكليات الحربية محاربة الإرهاب !!وإلى لقاء..