القراءة علم من العلوم، فضلا عن كونها ضرورة من الضروريات الحياتية الدينية والدنيوية الأساسية التي لا يستغني عنها إلا أحمق، ومن حرمها فقد حرم خيرا كثيرا – أستغفر الله وما كان عطاء ربك محظورا 1 . إنها علم هو مفتاح للعلوم، وأدب هو مفتاح للآداب، وفن هو صقل للمواهب. فينبغي أن نتعلم كيف نقرأ قبل أن نقرأ وأثناء القراءة حتى نستفيد، وحتى نستزيد من العلم الذي علم الله به الإنسان ما لم يعلم عن طريق القلم: اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم 2 . ولحكمة جليلة ورد الاستغناء والطغيان بعد القراءة والعلم كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى 3 ، وحكمة أخرى إن إلى ربك الرجعى. فإلى الله الاحتكام، نرد إليه ما اختلفنا فيه، فالله يحكم بيننا في ما كنا فيه نختلف، سبحانه، لا يظلم أحدا، حاشا لله سبحانه، هو أعلم بمن اتقى، لا معقب لحكمه ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير 4 .

والقراءة بعد هذا كله صبر للنفس المالة الكالة، وحسن اختيار للمقروء، وسلامة نية وطوية تجعلك المتجرد المستفيد بعقلية نقدية، هذا نوع من القراء، لا بذهنية رعوية، وعقلية نافذة لا تبسيطية ذرية مسطحة، وعقلية يقظة لا مخدرة بالجاهز المسبق المبيت من الأحكام والأوهام وسيء الظنون والأسقام، وعقلية علمية نزيهة ومتفتحة، لا عقلية حزبية عصبية مغلقة، أو انعكاسية مرآوية مقلدة، أو فتوغرافية انتقائية ملتقطة، أو حاسدة حاقدة جاحدة، أو ظالمة عدائية مسعورة، أو مستخدمة مستعملة مأجورة ومأزورة، أو متعالمة متعالية مغرورة.

من أي القراء نحن، أنا وأنت، حتى نقرأ فنذكر ونعتبر، ونطعم فننتشر ليتعدانا خير المقروء إلى غيرنا، فنكون دالين على الخير، والدال على الخير كفاعله؟

أم نكون من صنف المستحيي الذي تدعوه إلى القراءة سير الرجال فلا تجد له عزما، غارق هو في شهواته، سادر في غفلاته، يستكثر على ربه أن ينهضه من كبوته ليعانق بكلتا يدي همته فضل الله، وواسع رحمته، فنقول: هذا مغلوب مقهور بشقوته، مثله يحتاج إلى من يذكره بأن الله يغفر الذنوب جميعا، وأنه يفرح بتوبة عبده، ويجازي عن الشبر ذراعا، وعن الذراع باعا، وعن المشي هرولة، وعن القطرة بحرا، وعن القليل كثيرا، وعن الحصاة جبلا. فلا قنوط من رحمة الله، ولا يأس من مغفرة الله. ولن يدخل أحد الجنة بعمله.

أم نحن من صنف المستغني المستعلي الأناني الطاغي، المستقيل من هم تغيير ما بنفسه، المتمادي في غي حسه ورجسه، يذهب طيباته في حياته الدنيا، وينسى الله فينسيه نفسه. الممتلئ مما هو فيه من الزبد الذي يذهب جفاء ومن التكاثر والتفاخر الغثاء، ومن أكداس الرواية مع قلة الفهم وانتكاس الإرادة. وهو العاجز، يتبع نفسه هواها ويتمنى على الله الأماني المعسولة، بإرادة بالادعاء مفتولة، وعن الإتيان بالبينة مشلولة، وعلى البخل على الله بالنفس والمال مجبولة، وعن الخير المتعدي بالغل مغلولة، وكنز عمره نافذ، وسجل حياته من الإيمان والإحسان بلقع؟ نقول له ولأمثاله هامسين: فاقد الشيء لا يعطيه، وكل إناء ينضح بما فيه، فاسأل أهل الذكر إن كنت لا تعلم، واسأل بالرحمن خبيرا إن عز أن تفهم، وانظر من تخالل فالمرء على دين خليله، وعلى قدر الصاحب محبة وصدقا، والمصحوب حظا وغناء وسبقا، تظهر ثمرة الصحبة. واستهد صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. فهم الصادقون، فكن معهم ينهضك حالهم إلى الله، ويدلك مقالهم على الله. هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم، إذ يبتاع منهم مسك الإخلاص ليطيب به ثوبه من الأدران والأدناس، وإلا:

دع المكارم لا ترحل لبغيتها ** واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

فقد تقرعك قبل القارعة قارعة، وتقع لك قبل الواقعة واقعة، وتزلزلك قبل الزلزلة زلزلة، فتستيقظ من سباتك وقد فاتك ليل القائمين، ومناجاة المتبتلين، ودمع الخائفين، وسؤال الراجين، وشوق المحبين، واستغفار المذنبين، وسحور الصائمين ودعاء الصالحين، وصبح المستجيبين، وقرآن فجر الشاهدين، وتسبيح الذاكرين، وضحى الأوابين، فتقول: يا حسرتي على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين، أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين، أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين 5 .

أم نحن من صنف المعتدين المستعدين؟

وقد تكون أو أكون -عافاني الله وإياك- من صنف المعتدين المستعدين، فترمي شهادة الرجل بما لا يليق، وتحملها من سوء الفهم ما لا تطيق، ويعمي الحقد والحسد نفسك عن سماع نداء الفطرة، والاستجابة لداعي الهجرة والنصرة، ويشاغب عليك طنين ذباب النمام والكذاب والمغتاب، فتنهض من مأدبة الأحباب خاوي الوفاض والجراب إلا من طعن ولعن وتكفير وسباب، أو تقرأ شهادات الرجال، وعلى القلب القفل لا يزال، وعلى العين غشاوة الجهال، وفي النفس خديعة المحتال، فيعكس المقروء جاهز حكمك، وسابق وهمك، ومبيت ظلمك.

نقول لهذا القارئ المعتدي والوكيل المستعدي: ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك، بل كان كما أجاب سيدنا علي كرم الله وجهه، عندما سأله سيدنا الحسين رضي الله عنه عن سيرته، صلى الله عليه وسلم، في جلسائه: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب ولا فحاش، ولا عياب ولا مزاح. قد ترك نفسه من ثلاث: المراء والإكثار وما لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه…” صلى الله عليه وسلم.


[1] سورة الإسراء 18.\
[2] سورة العلق.\
[3] سورة العلق.\
[4] سورة الملك.\
[5] سورة الزمر الآية 56.\