العبارة لابن خلدون مؤرخِنا الحكيم رحمه الله. يستعملها لوصف خضوع المحكومين تحت سلطان العصبية. ونفتتح بها هذا الفصل الذي نعمق فيه نظرتنا إلى الداء الدفين في النفوس، داء الأمم ومادية مرض الغثائية.?

إن طاعة الحاكم والاستجابة لأمره والتعاوُن معه هي العلاقات الضرورية في المجتمع المنظم، تكون طاعةُ المحكوم للحاكم بقهر السلطـان، أو باحترام القانون، وهذا شأن المجتمعات البشرية المنظمة. وتكتسب الطاعة الصبغةَ الدينيَّةَ في بعض المجتمعات وفاء لعَقْدٍ معقود أو لسُلالَةٍ تزعم أنها تحكم بالحق الإلهي. وهذا ما يُسَمَّى في تاريخ النصارى بالثيوقراطية.

ميزة الحكم الإسلامي الشرعي أن الطاعة واجبة لأولي الأمر منا بناء على بيعة تُلزِم الحاكم والمحكوم بأمر الله ورسوله، شرْطاها الشورى في الاختيار والحكم بما أنزل الله.

لإخوتنا الشيعة رأيُهم، بل عقيدتُهم،في أن الإمامة منصوص عليها في النبي للوصي، ومن وصي لوصي. فالطاعة للإمام عندهم طاعةٌ كُلِّيَّة، لاَ شورى تُلزمه، إذ هو عندهم معصوم. ولا اجتهاد مع اجتهادِه.

تلك الميزَةُ في الحكم الإسلامي الشرعي، أعني ميزة الشورى والبيعة والطاعة الواجبة لأولي الأمر، هي التي انفتقت ففسد الحكم منذ الانقضاض الأموي. وغاب عن أفق المسلمين مدى أربعةَ عشر قرنا من الطاعةِ القهريَّةِ الشرطان الواجبان في العقد السياسي حتى أصبحت الطاعة إلزاما قهريا محضا، عوامل القهر فيه القوة العُنْفيَّةُ التي يتدرع بها في كل زمان ومكان الملوك العاضون والجبريون، ثم العادة القرونية التي ألِف بمقتضاها الناس الخضوع للحاكم أبا عن جد، ثم الوهْمُ أن في طاعة المسلمين للحاكم المتسلط وفاء لبيعة هي في ميزان الشرع تزوير محض.

الحالة التي يواجهها الإسلاميون في زحفهم إلى الحكـم، بل في زحف الحكم إليهم، هي الركود العام، والرقود العميق، لدى القواعد الشعبية التي تدين بدين الانقياد. ومعرفة الإسلاميين بأسباب هذا الركود ومنشإه وتطوره تقرِّبُ الصاحين الطالبين للحق مسافة ما بين استسلام الجماهير لحاكم جديد وبين المشاركة الجماهيرية في قومة تنفض غبار القرون، وتشارك كما يشارك الأحياء، وتدعَمُ الحق وتبنيه بعد تقويض أساس الباطل.

كنا في المعارضة زمانا، وفي السرية والهامشية، وإنه لَمتَّكأٌ مُريحٌ، مهما كان الاضطهاد، أن تصرخ في وجه الباطل أو تسبه في ظهره. خروجنا الوشيك إن شاء الله من المعارضة إلى الحكم يدق ساعة الحقيقة، ويبرزنا إلى حومة فيها المعارضة الديموقراطية. من هذه الأحزاب التي شاركتنا أمسِ في المعارضة ما هو لاييكيٌّ وربما مُعادٍ للدين. فهل هذه المعارضةُ التي ستكون خصمنا أو عدوَّنا رجْس من عمل الشيطان، أم هي حليف لنا ضد “دين الانقياد”؟ هل الديموقراطية التي تنفي كما ننفي أن يكون للحاكم حق الطاعة بدون عقد يلزم الطرفين خطوة إيجابية نحو أهدافنا، أم هي باطل نحاربُه كما نحارب الظلم الموروث؟ هذه أسئلة جوهرية للسائرين في طريق الحكم الإسلاميين، نجيب عنها تِباعاً بحول الله في متن الكتاب[هذا النص مختار من كتاب”العدل-الإسلاميون والحكم]. نحتفظ هنا بهذه الحقيقة: وهي أن الوعي الديموقراطيَّ وقاعدته “حقوق الإنسان” كفر “بدين الانقياد”، ودين الانقياد هو داؤنا العميق.

إننا بحول الله مُقْدِمون على الدخول في سياق التحول من الحكم الاستبدادي إلى الحكم الشوري. وإن إحكامَ الخطى في مراحل التحول مقدمةٌ صحِّيَّةٌ للثبات على منهاج إعادة البناء. بحاجة لإعادة البناءِ نظامُنا السياسيُّ الموبوء الموروث، بحاجة إليها اقتصادُنا المخرُوب ومجتمعنا المنهوك. بحاجة إليها على الأخص النفسية الخانعة المنقادة، نفسية الجماهير السَّلْسَةِ القياد، العالَةِ على أبَوِيَّةٍ سلطوية، التي قد تنتفض في “مظاهرات الجوع” لكنها قلما تنكر المنكر الجاثم على الصدور، منكر الحكم الفاسِدِ.

أيْن ذهبت القوة الإرادية الاقتحامية التي حملت جيلَ الصحابة رضي الله عنهم محامِلَ الجد والرجولةِ فخرقوا جدارَ العصبية القبلية وجدار العادات وجدار كل موروث مُثَبِّطٍ؟

إن تلك القوة الاقتحامية لَقَّحَهُمْ بها الإيمان بالله تعالى وحده لا شريك له. والإيمان يتجدد بشروطه. وأمامنا هذا الإرث الثقيل بثِقْلِ القرون وثقل الواقع الغالب وتثاقل النفوس: ألا وهو دين الانقياد.

يتناول حكيمنا ابن خلدون رحمه الله الحديث عن دين الانقياد ونشوئه في بداية النظام الحاكم، ثم في مراحل ضَعفه، ثم في مرحلة مزاحمة الدولة المستَجَدّة للنظام الهَرِم الذي تلاشت عصبيته وقوته العسكرية حتى لم تبق له دعامة تمسكه إلا الوهم القائم في نفوس المحكومين وهو “دين الانقياد”.

ما أدق وأعمق ما يقول مفكرنا الكبير! إذ يصف انتقال هيبة الدولة من أسباب الخوف والرهبة إلى أسباب العادة المغروزة والوهم النفسي. قال رحمه الله: “إن الدول العامة في أولها يصعب على النفوس الانقياد لها إلا بقوة قوية من الغلَب للغَرابة، وإن الناس لم يألفوا ملكها ولا اعتادوه.فإذا استقرت الرياسة في أهل النصاب المخصوص بالملك في الدولة وتوارثوه واحدا بعد آخَر في أعقابٍ كثيرين ودُول متعاقبةٍ نسيت النفوس شأن الأوّليّة، واستحكمت لأهل ذلك النصاب صبغةُ الرياسة، ورسخ في العقائد دين الانقياد لهم والتسليم، وقاتل الناس معهم قتالهم على العقائد الإيمانية، فلم يحتاجوا حينئذ في أمرهم إلى كبير عصابة”.

قال رحمه الله: “بل كأن طاعتَها كتابُ الله لا يُبدّل ولا يُعلم خلافُه”.

ويقول رحمه الله عن الدولة في شيخوختها بعد أن تبددت قوة عصبيتها فلم يبق لها من سند إلا الطاعة العمياء: “وربما طال أمَدُها بعد ذلك فتستغني عن العصبية بماحصل لها من الصبغة في نُفوس أهل إيالَتِها، وهي صبغةُ الانقياد والتسليم منذ السنين الطويلة التي لا يعقِل أحد من الأجيال مبدأها ولا أوّليتها. فلا يعقِلون إلا التسليم لصاحب الدولة”. بماذا ندخل على الساحة من جديد إن تركنا “الصبغة” الانقيادية المرضية ولم نعالجها بالتصحيح الشرعي؟ إن المسلمين اعتادوا الطاعة للحاكم، وقيلَ لهم كما قيل لآبائهم وأجدادهم منذ قرون: إن طاعة أولي الأمر من طاعة الله ورسوله. وانطبعت في نفوس الأجيال خُطَبُ الجمعة التي ترفع “أمير المومنين” و”ظل الله في الأرض” إلى مراقي العصمة، ورسخت في أذهانهم ومخيلاتهم تهاويل الحفلات “الدينية” المصنوعة لتزيين صورة الحاكم وتقديسه.

لن نكون إلا معارضةً من المعارضات تنتقد الحكم وتطعن في كفاءته إن لم نتعرض لأصول الحكم الجائر باعتباره خرقا في الدين وانتحالا تزويريا لقداسة الدين قبل كل شيء. ويأتي اعتراضنا على الظلم جزءا من معارضتنا الكلية.

أهم العوائق في كسب المعركة ضد الأنظمة القائمة المستقرة العائق النفسي المتمثل في الوَلاء الراسخ تعطيه الجماهير لنظام مألوف تفضله على حَدَثٍ مُسْتَجَدٍّ، أو الوَلاء المتذبذب الشاك المتحول بسرعة مع رياح الدعاية الرسمية.

قال عالمنا ابن خلدون رحمه الله: “والدولة المستقرة قد صيرت العوائدُ المألوفةُ طاعتَها ضروريّةً واجبة (…)، فتكثر بذلك العوائق لصاحب الدولة المستجَدّة. وتُكَسِّرُ من همم أتباعه وأهلِ شوكته. وإن كان الأقربون من بطانته على بصيرة في طاعته ومؤازرته إلا أن الآخرين أكثر. وقد داخلهم الفشل بتلك العقائد في التسليم للدولة المستقرة.

قال: “فيحصل بعض الفتور منهم. ولا يكاد صاحب الدولة المستجَدة يقاوم صاحب الدولة المستقرة”.

قلت: لا يكاد يقاومه مُناجَزَةً عاجلة لأن إزالة العائق النفسي من ساحة المعركة تطلب وقتا طويلا. ولا يستطيع الحق الناهض، أو القوة السياسية الجديدة في تحليل ابن خلدون، أن يستأصل القديم المألوف إلا بمعالجة طويلة.

قال: “فيرجع (صاحب الدولة المستجَدة) إلى الصبر والمطاولة حتى يتضِحَ هرمُ الدولة المستقرة، فتضمحل عقائدُ التسليم لها من قومه، وتنبعث منهم الهِمم لصدق المطالبة معه، فيقع الظفَر والاستيلاء”.

قلت: إن الجماهير المسلمة، كغيرها من الجماهير، تثور في نفسها النقمة على الظلم، لكن الظلم إذا تقنع بالدين وتسربل بسرباله قد يُقنع الناس لآجال وأجيال أن الحاكم أبٌ حنون واجب الطاعة وأن الحاشية وحدها هي أم الخطايا المسؤولة.