الأمر يتعلق بشركة التبغ التي أنشأتها الدولة المخزنية في نهاية سنة 1967 خلفا للشركة التي أسسها الاستعمار الفرنسي.

المعلومات والأرقام التي سأوردها هنا مستقاة، بشيء من التصرف، من مقال (بوشعيب دو الكيفل) المنشور في الصفحة الاقتصادية من جريدة “الصحيفة الأسبوعية”، عدد89/29 نونبر-05 دجنبر 2002، ص25.

فحسب الأرقام والبيانات التي تنشرها شركة التبغ في كل سنة، فإن مداخيل الشركة في السنة الماضية بلغت 880 مليون دولار، بزيادة 5,6% مقارنة بالسنة التي قبلها، حصّلت منها خزينة الدولة 630 مليون دولار. وعلى الرغم من هذه الأرباح الصافية العالية- طبعا من عرق المواطنين وعلى حساب صحتهم- فإن الشركة توجد على لائحة المؤسسات المرشحة للبيع للقطاع الخاص. وإذا كانت الدولة، وهي المسؤولة الأولى عن حماية صحة المواطنين، قد آثرت الربح وأسلمت صحة الملايين من المواطنين الأبرياء إلى سموم أوكسيد الكاربون والنيكوتين والقطران، وإلى مخاطر الإصابة بالسرطان، فماذا سنقول حينما سيصبح أمر الشركة بيد “الخواص” الذين ليس لهم من غاية وراء الاستثمار إلا الربح ثم الربح ثم الربح؟

وهذا الأداء الإيجابي للشركة، في الميزان الاقتصادي الأصم الذي لا يعرف معنى للمشاعر الإنسانية وحقوق المواطنة وواجب حماية الصحة والاعتناء بها، تقابله سلبيات كارثية بسبب ما يترتب على التدخين من آفات صحية يكون لها آثار خطيرة ومحسوسة في كثير من المجالات، وخاصة المجالين الاقتصادي والاجتماعي.

فقد جاء في المقال المشار إليه أن “دخان سيجارة يحتوي على أكثر من 4000(أربعة آلاف) مادة كيماوية، ثلاثون منها مواد خطيرة على جسم الإنسان. ومن بين هذه المواد الثلاثين ثلاث جد خطيرة، لأن لها فعالية قصوى في تسميم الجسم، وهذه المواد الثلاث هي: أوكسيد الكربون، والنيكوتين، والقطران. وهذه المواد السامة التي يدخلها المدخن إلى جسمه تؤدي إلى أمراض تهدد صحته وتمس عدة أجهزة: الجهاز التنفسي، الجهاز الدوراني، الجهاز العصبي، والجهاز الهضمي, والأخطر في التبغ المدخن هو المواد المسرطنة، أي التي تتحول إلى سرطان، وهي حوالي ثلاثمائة (300)، منها ما يتم مفعولها على مرحلتين:

“- تلقين ورمي، أي تحول الخلية السليمة إلى خلية سرطانية.

“- التنشيط الورمي، أي نمو وتكاثر الخلايا السرطانية”.

ومن الأرقام الواردة في المقال أن “الحالات السرطانية التي لها صلة بالتدخين تخلف أكثر من 30% من الوفيات بالسرطان في البلدان الغربية المتقدمة. كما تقدر نسبة الوفيات المرتبطة بالتدخين بـ8,5% بالنسبة لسرطان الرئة، و60 إلى 70% بالنسبة لسرطان الجهاز التنفسي والهضمي العلوي، و50% بالنسبة لسرطان البلعوم، و30 إلى 40% بالنسبة لسرطان المثانة والكلى، و30% بالنسبة لسرطان البنكرياس.

“أما بالنسبة للمغرب، فإن بعض الدراسات المحدودة وكذا نسبة أمراض الجهاز التنفسي وأمراض القلب والشرايين وبعض أمراض السرطان المرتبطة بالتدخين تضعنا على نفس درجة الخطر مع العديد من الدول النامية” انتهى النص المنقول.

فأين هو حق الإنسان في الصحة، من بين حقوق أخرى، في الدول التي ننعتها بالمتقدمة، والتي تمثل نموذجنا المحتذى؟ لماذا إصرار هذا العالم “المتقدم”، ونحن من ورائه تابعون، على حماية هذه الصناعات “الخبيثة”- ومنها صناعة الخمور- مع أن كل علماء الدنيا وأطبائها مجمعون على أنها صناعات مسمومة ليس من ورائها للإنسان إلا المرض والموت والخراب؟

في جملة، أين مسؤولية الدولة في رعاية صحة المواطنين التي اؤتُمنت عليها؟ أمن هذه المسؤولية تبني صناعة الخمور والتبغ وتشجيعُ تجارتهما وترويج سمومهما واستهلاكها؟ أمن هذه المسؤولية إصدار القوانين التي تحمي صناعة المحرمات المُؤْذِيات المُخَرِّبات وتُؤَمن لبارونات الحرام والإفساد والتخريب، باسم القانون والتجارة والسوق ومنطق العرض والطلب، جنيَ أرباح خيالية على حساب الصحة العمومية؟

كيف يرتاح بال دولتنا المخزنية الجبرية وهي تستغل ضعف المواطنين الأبرياء وخضوعهم الأعمى لسلطان العادة المستحكمة، لتبيعهم السموم القاتلة- لقد استهلك المغاربة من هذه السموم خلال سنة 2001، حسب أرقام شركة التبغ، أكثر من (14 مليار) سيجارة- بربح يقدّر بمئات الملايين من الدولارات سنويا، ثم تعجز حكوماتها المتعاقبة عن توفير الدواء وشروط العلاج والعناية الطبية للضحايا الذين رمت بهم، عن عمد، في مهاوي معاناة الأمراض ومواجهة الموت؟ فبم يمكن أن ننعت هذا النوع من السلوك إن لم يكن معدودا في جرائم القتل الجماعي العمد؟

أرباح تقدّر بالملايير من الدولارات الحرام تدخل خزينة الدولة، وفي مقابلها تَلَفُ صحة الملايين من المواطنين التي لا تقدّر بثمن. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

اللهم ربّ الناس، أذهبِ البأس، واشْفِ، أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقما.

اللهم ارزق المبتلين من المدخّنين وغيرهم إرادةً قوية تعينهم على الإقلاع عن هذه العادة القبيحة، وعوضهم عنها عادات يزينها الحلالُ والطهارة والعمل والصالح، تعود عليهم بالنفع والعافية في الدنيا، والتواب والمغفرة وحسن المآب في الآخرة. آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.