ينتقد الأديب الإسباني خوان غويتصولو في هذا النص استهتار بوتين وعدم اكتراثه بالحق في الحياة، فهو لم يمارس عنفه ضد أعدائه-أو بالأحرى ضحايا نظامه- فحسب، بل ضد أفراد من شعبه أيضا. ولعل واقعة مسرح دوبروفكا تبين أن مكر التاريخ أعمق مما نتصوره أو نتخيله، فها نحن اليوم نشهد مفارقة غريبة، حيث تدق طبول الحرب ضد ديكتاتور تحت طائل امتلاكه أسلحة الدمار الشامل، في الوقت الذي يتلقى خلاله”ديمقراطي” التهاني القلبية بعد استعماله نفس الأسلحة ضد شعبه، جريمة بعض أفراده أنهم لم يعودوا يتحملون الألم والإذلال.. ولا يملكون غير الوسائل التي يتيحها اليأس والضعف، أما جريمة مئات آخرين وقعو في شرك مسرح دوبروفكا فهي مجرد وجودهم في مكان غير مناسب في لحظة غير مناسبة.. وربما من سوء حظهم أنهم كانوا تحت رحمة مستهتر لا يقيم وزنا لحياة الشعوب، فأحرى أن يعتبر بضع عشرات أو مئات من الأفراد. قد يستغرب كل من وقف على وجهة نظر خوان غويتصولو، من الانفصال والنزعات الوطنية، من حماسه المفرط إزاء القضية الشيشانية، غير أن هذا الحماس ليس حماس السياسي الذي تحكمه حسابات المصلحة أو الانتهازية الضيقة، بل إنه شعور ينبني على تعاطف مع شعب اكتوى ولا يزال بممارسات الاستبداد، التي تشكل القاسم المشترك بين قياصرة روسيا القدامى والجدد.

تلقى فلادمير بودين تهاني من يهمهم الأمر (ذوي المصلحة فيما حصل في موسكو)، وقد ظفر بهذه التهاني الحارة من كل نظم الحكم في العالم بأسره-من بوش وشارون إلى صدام حسين- نتيجة استعراض نافذ للقوة وضع حدا لحجز سبع مائة رهينة من طرف كوماندو من المقاتلين الشيشان بمسرح دوبروفكا في موسكو ولا أحد-تقريبا لا أحد- أخذ بعين الاعتبار الكيفية التي تم وفقها “تحرير” المحتجزين، أو اهتم بالعدد الهائل من ضحايا غاز غريب قاتل أطلقه عليهم سيد الكرملين، فهل يمكن، والحالة هذه؟ الحكم بالنجاح على مذبحة استعمل فيها سلاح سام قصد إنقاذ الرهائن استعمالا تجريبيا ودون فحص لنتائجه القاتلة؟ لقد تم التصريح رسميا بسقوط 115 رهينة (20% من المتفرجين الذين وقعوا في شرك المسرح)، و85 مفقودا(كيف فقد هؤلاء؟ ما هي المعجزة الخارقة أو الإنسانية التي مكنتهم من التبخر؟) ومئات عديدة أدخلت مختلف المستشفيات (أغلبهم في حالة خطيرة ودون أن تمكنهم السلطات من العلاج الملائم، نتيجة رفضها الإفصاح عن نوع الغاز المستعمل في العملية)، أليست مثل هذه المجزرة دليلا آخر على ما يكنه قياصرة روسيا المتلاحقون من احتقار كامل لحياة شعبهم؟ لقد قتلو منفذي عملية الحجز بدم بارد، وأطلقت عليهم رصاصة في الصدغ- بمن فيهم نساء رملن نتيجة “عمليات التطهير(العرقي) واللواتي كن يرقدن مغمى عليهن في مقصورة المسرح-فهل هذا الفعل جدير ببلد ديمقراطي أو على الأقل ببلد متحضر؟ إن مثل هذه الممارسات إضافة إلى تسميم المتفرجين الأبرياء في أية دولة من دول الاتحاد الأوربي، كانت ستؤدي إلى أزمة حكومية خانقة، وإلى إقالة مباشرة للمسؤولين. لا شيء من هذا حدث في روسيا: بخلاف ذلك خرج بوتين من هذه التجربة حسب ما يذكر أكثر قوة. فتحت سيطرته، وكما كان الحال مع يلتسين وبريجنيف وستالين وقياصرة أيام زمان، لا تحضى حياة الشعب بأدنى أهمية وقد لوحظ ذلك من خلال مأساة”الكورسيك” وعمليات التفجيرات في موسكو سنة 1999 التي دبرت -في غالب الظن- من طرف مخابرات بوتن السرية. ولعل الدليل الذي يحتج به الشريك اللامع والاستراتيجي لبوش-لا يمكن إركاع روسيا- يجسد الإفك والكذب بقدر ما يمثل الاستهتار.

فلا أحد يحاول إركاع روسيا وإنما تمة محاملة لوضع حد لسياسة الإبادة التي تنتهجها، والجلوس على مائدة المفاوضات مع أصلان ماسخادوف-بصفته رئيسا منتخبا بكيفية ديمقراطية- كما يدعو إلى ذلك المجلس الشيشاني العالمي المجتمع بكوبنهاكن.

إن التلاعب الإعلامي الذي يعتمد بوش ومستشاروه فيما يتعلق بالسديم الإرهابي وارتباطاته بالديكتاتور العراقي، يجد محاكاة لا تضاهى من طرف بوتين: ففي السنة الماضية وعلى إثر بداية الحرب في أفغانستان، لم تكتف أجهزة الدعاية بموسكو -التي جارتها وسائل الإعلام الغربية دون تمحيص- بالحديث عن حضور الشيشان في صفوف طالبان، بل أشارت أيضا إلى أنهم يمثلون نواتهم الأكثر صلابة وفعالية. وهكذا أضحى الشيشان المحسوبون على القاعدة فزاعة رهيبة طيلة أسابيع عديدة في حين أنه بالنسبة لكل من يعرف الوضع السائد بهذه الجمهورية الصغيرة الموجودة في شمال القوقاز لن يكترث البتة لمثل هذه الخرافة. إذ لماذا سيتوجه دعاة الاستقلال للشيشان بعيدا آلاف الكيلومترات عن بلدهم للقتال، مع أن الروس يوجدون في عقر دارهم يشنون عليهم حربا دون هوادة أو رحمة، يجسدها القتل والاغتصاب والتعذيب والدفن الجماعي، وكل أشكال الابتزاز والنهب التي تخطر على البال؟ هذه حقيقة سرعان ما حققتها الوقائع، فبمجرد نهاية الحملة بسقوط نظام الملا عمر الظلامي لم يظهر أثر للمتطوعين الشيشان الذين طالما اتهموا بالمشاركة إلى جانبه: فلا وجود بين الأسرى أو الجثث يؤكد حكايات المخابرات الروسية.

غير أن بوتين-وهو القائد اللامع لهذه المخابرات الروسية يوم كان يرأسها- حقق هدفه: فحرب بوش ضد الإرهاب في أفغانستان تطابق حربه في بلاد القوقاز. والآن، بعد الحل “السعيد” لأزمة الرهائن اختلطت لغة بوتين بلغة بوش: “مادام (الإرهاب العالمي) لم يهزم بعد فلا أحد يمكن أن يشعر بالأمن في العالم”. إن عادة الكذب مع سبق الإصرار ديدن مشترك بين الإثنين، غير أنه ينضاف لهذه العادة في حالة بوتين تقليد راسخ من الاستبداد، وغياب تام للضمير، ووسواس يكاد يكون ذهانا هذيانيا من الانغلاق والتخفي.

“يجب القضاء على الإرهاب، وهو ما سيتحقق فعلا” كم مرة سمعنا هذا الحكم وقد جهرت به أفواه المدافعين المزعومين على الأمن، لكن عن أي نوع من الإرهاب يتحدثون؟ فهذا لفظ حربائي ومتغير: إنه يحتمل معاني متعددة، وينطبق على حقائق مختلفة، كثيرا ما تتعارض فيما بينها. فرعب تنشره الدبابات، والطائرات المروحية، والصواريخ، والجرافات، يمكن أن يتخفى ببهرجة ديمقراطية، غير أن رعب من يرد عليه بسلاح الضعفاء والمقهورين (العمليات الانتحارية، والأفعال الدامية) فلا يعذر ولا يستساغ بأي حال من الأحوال.

ويبدو أن إبادة الشعوب الشيشانية، وقتل المعتقلين دون محاكمتهم في “نقط التسرب” المشؤومة التي حاولت الوصول إليها دون فائدة في يونيو سنة 1996 لا يقلق واضعي استراتيجية النظام العالمي الجديد: كل شيء يختزل في صراع بين الأشرار والأخيار، بين الديمقراطيين والقتلة المتعصبين، إنها اللغة البدائية التي سمعنا أول مرة، أيام حرب الجزائر، ثم لا حقا مع حرب الفيتنام. غير أن تعميم هذه اللغة منذ 11 من سبتمبر أدى إلى تشويه الكلمة، حيث صارالمعتدي بمقتضاه ضحية وأضحت الضحية معتديا. من هو هذا “العدو القوي الجبار، المفتقر للإنسانية والمتصف بالقسوة” الذي يحثنا عنه بوتين؟ إن الجغرافيا والتاريخ كفيلان بالإجابة عن ذلك، إذ يكفي النظر إلى خريطة الفيدرالية الروسية العملاقة وإلى جمهورية انفصالية صغيرة بحجم إقليم كاتريس لمعرفة من القوي والجبار، ثم إن مسحا سريعا لمختلف حروب الغزو لبلاد القوقاز، مرورا بالثورات الشيشانية خلال القرنين 19 و20 حتى الغزو قبل الأخير الذي أمر به يلتسين في جلسة نالت منه فيها خمرة الفودكا حتى الثمالة-حسب ما تثبته الوثائق-، كل ذلك يجعلنا نستبعد أدنى شك في من يفتقر حقيقة للإنسانية، أو مجرد التساؤل عمن يتصف فعلا بالقسوة.

صحيح أن الشيشان لم يحسنوا الاستفادة من اتفاقيات شتنبر 1996 التي قبلت فعلا باستقلال بلدهم: فالفوضى والصراع بين المجموعات، وتجارة الاختطاف التي تمارسها عصابات المافيا المنظمة، كل ذلك، أضعف إلى حد بعيد سلطة أصلان مسخادوف، وكان سببا في مغامرة القائد باساييف المشؤومة في داغستان. لقد صار مشروع المعتدلين لتحقيق الاستقلال مستحيلا، وذلك نتيجة الأثر المزدوج للأموال السعودية التي منحت للجماعات الإسلامية المعارضة لتراث بلاد القوقاز الديني من جهة، ولمناورات المخابرات الروسية الخاصة التي استهدفت زعزعة الاستقرار من جهة أخرى-مازال الدور الذي اضطلع به برزوفسكي في ما يتعلق بالوهابية غير واضح إلى الآن- ومع ذلك، وبعدما قفز ببوتين إلى رئاسة الدولة عمليات هجومية مشبوهة في موسكو، فإن الوقائع لا تنفك تكذب بانتظام تصريحاته وتسفه إعلاناته العسكرية التي تدعي تحقيق انتصارات حربية، فروسيا التي شحنت الهمم من جديد ببلاد الشيشان فقدت حسب جمعيات أمهات الجنود 11500 من المجندين والمتطوعين، ولعل ما أشارت إليه ناطالي نوكايريد بجريدة” لوموند” يومي 24/04/2002 و02/10/2002 من تصفيات جماعية، وأساليب تعذيب، وإعاقات، وجثث مكدسة في القبور الجماعية يشكل حيثيات بديهية لمحاكمة مرغوب فيها للجيش الروسي نتيجة استئصاله وإبادته الجماعية لشعب الشيشان.

إن تجاهل هذه الحقيقة الدموية، وتشجيع صلف رئيس قادر على إطلاق الغاز-كما فعل صدام- على شعبه، ودعوته إلى محاربة الإرهاب العالمي دون البحث عن العلل التي تغذيه ومحاولة القضاء عليها، كل ذلك لا يعمل إلا على تأبيد الهمجية التي أتقن تولستوي وصفها في روايته “حاجي” غير أن الشعب الشيشاني لم ينحن أبدا أمام القوة الغاشمة، وغالب الظن أنه لن ينحن في المستقبل، اللهم إلا إذا مسح من وجه الأرض بأسلحة الدمارالشامل، التي يهدده بها آخرالقياصرة.

(أذكر بالمناسبة) أن أحد الأشخاص سرب لي خفية في سوق صغير بغروزني ملصقا طبع في تركيا، وقد كتب عليه:”الحياة، الإيمان، الجهاد” وهو ملصق أثبته كذكرى بأحد جدران بيتي.

وهكذا لا شيء غير التعبئة الشاملة للرأي العام، وعودة البلدان الأوربية إلى قيم الأنوار وإلى الشهامة والدراية، التي طالب مانويل أسافيا من الطبقة السياسية التسلح بها، لا شيء غير ذلك، يمكنه تعطيل آلة بوتين القمعية بعد تلاعبه بالوقائع، والمثير للخجل، سواء في بلاد الشيشان أو لحظة الهجوم المظفر بمسرح الموت في موسكو.