للسنة الخامسة على التوالي تنظم مؤسسة محمد الخامس حملة للتضامن التي اختير لها هذه السنة شعار”إدماج الشباب”، خمسة تجارب تعددت شعاراتها، وتنوعت الفئات المستفيدة من مداخيلها، وتكرارها صار يفهم منه أنها ناجحة، وأنها صارت تقليدا وعرفا، بل إن مداخليها صارت موردا لتغطية العديد من المجالات التي عجزت الدولة بمواردها المتنوعة عن تغطيتها، لكن هذا لا يمنع ونحن على مشارف نهاية الحملة، من الإدلاء ببعض الخلاصات الأولية حول هذه الطريقة، والتنبيه إلى بعض المزالق التي من شأنها تحميل هذه المبادرة أكثر من طاقتها، أو من شأنها تعمية الأبصار عن المداخل الحقيقية لمحاربة الفقر والحرمان، والقضاء على الأمية والبطالة، ومواجهة الفوارق الاجتماعية بين الأفراد والمناطق.

ليس العيب أن تنظم الدولة حملات تحسيسية للتضامن، كما لا يخدش في مصداقيتها تربية المواطنين على خصال التضامن والتكافل والإيثار، بل إن هذا كله مرغوب ومطلوب، لكن العيب كله أن تتنصل الدولة من واجبها، وتتهرب من مسؤوليتها، وتلقي بثقل المعاناة كله على المواطنين لينوبوا عنها في حل المشاكل ومواجهة مختلف الآفات، وتكتفي هي بدور المراقبة والتعبئة والتنظيم والرعاية؛ والعيب كله أن تقف الدولة موقف المتفرج على ما يعرفه المال العام من اختلاس وإتلاف وتبذير؛ والعيب كله أن تكتفي الدولة بالمسكنات والمهدئات والقشور، ثم تضخمها وتصورها أمام الرأي العام كأنها الحلول الحقيقية لما تتخبط فيه البلاد من مشاكل، ولما يكتوي بناره العباد من معاناة ومآسي؛ والعيب كله أن تغيب الدولة المداخل الحقيقية للإصلاح فتطوي الحديث عن العدل، وهو رأس الأمر كله، وتخفي الكلام عن الحقوق وهي القاعدة الأساسية للمواطنة، وتجرم المطالبين بمتابعة المتورطين بتبذير المال العمومي، وهو الرادع الأساسي لذوي النفوس الضعيفة، وتقبر كل حديث عن وضع حد لنظام الامتيازات، وهو الأساس لإحلال المساواة بين جميع المواطنين؛ والعيب كله أن تحل الدولة محل ذلك كله خطاب الصدقة والمواساة، وكأنه بديل لما سبق؛ وليس مجرد مكمل له، ويفقد جدواه بافتقاده لأساس صلب ينبني عليه.

إن موطن العلة وأصل الداء ليس في غياب ثقافة التضامن، ومعاني الإيثار والتكافل؛ كما أنه ليس في افتقاد شريحة من المواطنين لدريهمات يقضون بها حاجاتهم، أو لقيمات يقيمون بها أصلابهم، ولكنه يتمثل في انتشار الفساد في كل مرافق المجتمع، حيث السرقة في هذه المؤسسة، والنهب في أخرى ، والاختلاس في ثالثة، وهكذا دواليك… ويتمثل في احتكار ثروة البلاد من قبل أقلية طغت في البلاد وأكثرت فيها الفساد، مقابل أغلبية تصارع القلة والحرمان، وتعيش على فتات موائد الأسياد؛ ولهذا فلا فائدة كبرى ترجى من حملات تحشد فيها الدولة الطاقات والفعاليات، وتوظف فيها كل الإمكانيات، وتستعمل فيها كل أنواع الخطابات، لأنها، ببساطة، لا تنفذ إلى عمق المشكل وجوهره، بل تحوم حول أطرافه وجوانبه، وربما لن تتجاوز فائدتها التعمية والتمويه والتدجين والاحتواء.

لهذا، لا مناص لنا من طرح الأسئلة الحقيقية، والتحلي بالشجاعة والوضوح اللازمين للإجابة عنها، خاصة وأمامنا تجربة خمس سنوات لم يزد فيها الفقر إلا تفاقما، والبطالة إلا انتشارا، والتفاوت الاجتماعي إلا استفحالا، وعزلة العالم القروي إلا انفضاحا وانكشافا..

ألم يحن الوقت ، بعد، لمراجعة هذا الأسلوب في العمل؟

ألم نصل، بعد، إلى المرحلة التي نرفع فيها شعار العدل والحقوق عوض الاقتصار على تضامن المواطنين بينهم، والتصدق بالفتات على بعضهم البعض، وكأن ذلك كاف لوحده، أو كأن الشعب هو السبب فيما آلت إليه أوضاع البلاد من تخلف وفقر ومهانة؟

متى تتم مساءلة الدولة عن واجبها في إحقاق الحق ونشر العدل بين المواطنين؟

ومتى تحاسب الدولة عن تفريطها في تحقيق ذلك؟ ومتى تفتح الدولة ملفات الفساد التي نهبت فيها الملايير من أموال الشعب؟ ولماذا لا تعمل على استرجاعها؟

أسئلة كثيرة تتوالى، وليس لها من جواب إلا إن توفرت لدى الجميع إرادة قوية شجاعة تنفذ إلى عمق المشاكل، وتتمسك بالمداخل الحقيقية للإصلاح، وإلا فلن تزداد الأمور إلا سوءا وتدهورا، وما أصعب الأمر إن غابت الثقة وعم اليأس وانسدت الآفاق.