كلما مر عليّ تصريح من تصريحات شيخ الأزهر، انتابتني مشاعر وآراء متناقضة حول الرجل.. فقد بدا لي مرة انه العالم الكبير الذي احاط بواجباته بكل أمانة وصدق، ثم لا يلبث ان يدلي برأي آخر مناقض، فأشفق عليه من نفسه بحيث يدفع بي الى الدعاء له بالهداية..! ولما كثرت الروايات عن تبدلات آرائه، بدأت أشك في صحة ما يروى على لسانه، ورأيت أن أحسم الموقف بأن أذهب للقائه، واغتنمت فرصة زيارتي لمصر واتصلت بمشيخة الأزهر وطلبت مدير مكتب الامام الاكبر وقلت له انا فلان من الاردن وعنواني فندق كذا وأرغب بالتشرف بلقاء سماحة الإمام (هكذا ذكرت لقبه). سأل المدير هل من صفة معينة لك أو عمل تريده من اجله؟ قلت لا هو لقاء خاص وأنا بدون صفة او وظيفة أو مهمة سوى أني عربي مسلم.. غاب الرجل للحظات ثم عاد يقول متى تريد أن تقابله؟ قلت: أنا مستعد في أي وقت والامر متروك لتقدير وأوقات سماحة الإمام.. قال: هل تستطيع ان تحضر غداً الساعة العاشرة والنصف صباحاً الى مكتب الأزهر الجديد في حي الدراسة، قلت طبعاً وبكل سرور.

لا أكتم القارئ أني لم أشك للحظة أني لن أقابل الشيخ الإمام، لأني استبعدت أن تكون الامور بهذه البساطة.. واحد غير معروف يتصل بالتلفون ويقول أريد أن أقابل شيخ الأزهر فيقال له الموعد غداً؟ بقيت على هذا الاعتقاد حتى دخولي على مدير مكتب الامام الذي قام من فوره بالتوجه لأحد الابواب المغلقة وفتحه نصف فتحة أطل منها على من في الداخل وتبادل بضع كلمات ثم عاد يقول تفضل.. سرت الى جواره وأنا متيقن ان الرجل سيقودني الى أحد مساعدي الشيخ ليرى ما اريد تقديراً منه ان الامر لا يعدو ان اكون احد طالبي فتوى او رأي لأمر خاص..

فتح الباب، واذا به يؤدي الى صالة هائلة فخمة مليئة بالمقاعد الفارهة ويجلس في صدرها سماحة الامام الذي بادر بالوقوف متقدماً عدة خطوات الى الامام باتجاهي محيياً مسلماً هاشاً باشاً مشيراً بيده الى اثنين من الموظفين اللذين كانا يعرضان عليه بعض الامور بأن يغادرا المكان، ثم استدرك وطلب من احدهما ان يبقى معه.. واستمر الرجل الكبير يرحب ويؤهل، ولا اكتم القارئ أني فوجئت اذ جاءت كل ظنوني في غير محلها، فهاأنذا في حضرة الامام شخصياً دون حاجب أو وسيط!

أعدت تقديم نفسي اليه بالاسم المجرد (ومعذرة للقارئ، فإني أقصد اني لم أقرن اسمي بلقب “دكتور”)، وقلت له اني من الاردن، واني قادم لبحث بعض الامور التي آمل ان يتسع صدره لها.. فكرر الترحاب الودود، واستطيع ان اقول الودود جداً.. ومعذرة للقارئ مرة ثانية اذا لاحظ اني أركز على هذه النقطة بالذات؛ لأن الفكرة التي استقرت عنه في ذهني انه رجل حاد الطبع عنيف ولا اريد ان اقول أكثر..!

الإمام يعتذر عن تلقيبه بـ (الدكتور) ويعد بإلغائه..

لقد كنت دائماً (استنكر) استعمال لقب دكتور مضافاً لالقاب شيخ الأزهر، ورأيت أن أبدأ الحديث بهذه الحكاية كمدخل..

قلت: “أريد أن اطرح بداية مسألة شكلية وأرجو المعذرة”

قال الامام وكرر “أهلاً وسهلاً بكل ما تريد قوله تفضل”.

قلت بالحرف: “ايه حكاية الدكتور طنطاوي هذه التي تصر على اضافتها الى القابك”؟ وانتفض الرجل معتدلاً في جلسته بعد ان كان مستنداً بظهره الى الكنبة التي يجلس عليها وقال “في ايه في ايه..؟”. فواصلت كلامي بنفس الحماس وقلت: انت تحمل أكبر لقب غير متكرر لأي انسان في العالم، أنت الامام الأكبر شيخ الجامع الأزهر، وبعد هذا تبحث عن لقب دكتور، هذه القاب يهتم بها الناس العاديون اللي زينا وليس الامام الأكبر. واذا كان هناك حملة ألقاب دينية في أديان اخرى كلقب بابا، فان البابا له اشباه في روما ومصر وموسكو.. وبابا روما يحمل ثلاث درجات دكتوراه ولكن أحداً لا يقول له، ولا يقبل هو أن يقال له “الدكتور البابا يوحنا بولص الثاني” وقبل أن أكمل، رد على وبصوت خفيض، أجتهد بأن أقول انه يحمل بعضاً من معاني الاعتذار: “والله والله أنا لم اطلب منهم ذلك، ولكن كما تعلم هذه مسألة يلجأ اليها الصحفيون، وانا لا استطيع متابعتها لمنعها..”.

قلت: “هذا الامر يمكن معالجته بان تكون جميع البيانات الرسمية والاوامر الادارية ومن خلال المؤتمرات الصحفية والندوات بان يعمد معدوها، وهم من موظفي الأزهر، إلى حذف لقب دكتور فينتهي الامر”.. كرر الامام ما أكده بانه لم يطلب من أحد ان يفعل، وانه ان شاء الله فاعل ذلك مستقبلاً.. قال ذلك بمودة ولطف زائد.

رؤى الشيخ الإمام الدينية تلتزم بالشريعة والفقه.. وبولي الأمر!

قلت للإمام “أرجو أن أتحدث بما أنا قادم من أجله.. ذلك هو البيانات المتضاربة والفتاوى والآراء التي تبديها حول العمليات الاستشهادية والتي تنوعت وتناقضت بين التأييد والاستنكار، ثم العودة الى المدح والتشجيع.. الى أن كان آخرها البيان الذي صدر منذ أسابيع حيث تطابق موعده مع بيان إمام الحرمين في مكة وكنتما أنتما الوحيدين من أعلام الإسلام اللذين أعطيتما رأيكما بالاستنكار بذريعة أن فيها قتلا للمدنيين. لقد حمل هذا التطابق في الآراء شبهة أن يكون هذا بضغط أمريكي إسرائيلي على السعودية ومصر بحيث جاءت الفتويان متزامنتين ومتطابقتين في معانيهما وألفاظهما..”.

رد الشيخ الإمام: “أنت تعلم أن الأزهر ليس مكانا لتعاطي السياسة، ونحن نحتكم فيما نبدي من رأي بالفقه والشريعة والاقتداء بسنة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم. وديننا يأمرنا بأن لا نقتل ولا نعتدي خاصة فيما يتعلق بغير المحاربين من الرجال والنساء والأطفال.. فالنبي عليه السلام وقد لقي من أذى كفار قريش في مكة ومن يهود يثرب ما لقي حين خان اليهود عهدهم معه، فانه أوصى أصحابه بأن لا يقتلوا الا المقاتلين وأوصاهم خاصة بالنساء والأطفال إعمالاً للعهد وتنفيذا لتعاليم الدين الحنيف.. والسيدة الوحيدة التي سمح بقتلها كانت قد قتلت أحد الصحابة بإلقاء صخرة أو حجر كبير عليه فأجاز لأصحابه قتلها.. وعلى هذا فاننا اقتداءً به نفتي بعدم التعرض للمدنيين من الإسرائيليين الذين لا ذنب لهم، فهم آمنون في مطعم أو دكان أو وسيلة نقل، ثم يأتي أحد المقاتلين المسلمين فيقتلهم غيلة، ماذا تسمي ذلك، أنه نقض للشرع والإسلام منه بريء..”.

شيخ الأزهر لا يفرق بين يهود فلسطين الغزاة المغتصبين، وبين يهود يثرب عندما كانوا مواطنين فيها

قلت للشيخ الإمام “اسمحوا لي أن أرد على ما تفضلتم به بالقول، إن المقارنة بين أهل يثرب من اليهود وبين هؤلاء الموجودين في “إسرائيل” بعيدة جداً لا بل إن هؤلاء وأولئك على طرفي نقيض..” وقبل أن أكمل كلامي قاطعني قائلاً “إزاي.. هؤلاء مدنيون غير محاربين، وأولئك الذين حرم النبي قتلهم مدنيون غير محاربين”. قلت “أنا لم أكمل وجهة نظري.. إن اليهود الذين تتحدث عنهم من أهل يثرب لم يكونوا غزاة ولا محتلين ولا غاصبين، لقد كانوا مواطنين مثلهم مثل صحابة النبي، وقد جرى نزاع بين الطرفين لاختلاف المصالح والعقائد. لقد كان اليهود في المدينة عرباً مثلهم مثل النبي وأصحابه وقد جاء النبي بالإسلام الذي شكل خطراً على عقيدتهم وما رتبت لهم من سيادة، فتعاهدوا وتخاصموا وهذا كله من طبائع الأمور في ذلك الوقت.. أما ما نحن عليه في فلسطين فهو مختلف تماماً.. هناك قوم، وهم الفلسطينيون، يقيمون في وطنهم آمنين، فجاءهم هؤلاء الغزاة الغرباء من أطراف الدنيا مدعمين بقوى أجنبية ليحلوا محلهم مقاتلين بكل سلاح، فكيف يكون الأمر متشابها بما كان بين المسلمين واليهود في المدينة؟”.

“الأمر الثاني أن اليهود في فلسطين كلهم أعضاء وأطراف في حملة التهجير والاحلال محل السكان الأصليين. بمعنى أنه لا يوجد فريق جاء سلماً وآخر جاء حرباً، فالكل نساء ورجال جاهز للحرب.. الكل جندي، أحياناً مع وحدته العسكرية وأحياناً في إجازة، وهو مستعد لقطعها حال استدعائه للمعركة ويكون وسطها خلال ساعات.. أما الأطفال والقاصرون فإنهم يتلقون تدريباً كشفياً نصف عسكري مع تعاليم دينية وثقافة عنصرية ليكون معادياً وحاقداً على الفلسطينيين ما أسهل أن يتحول في أقرب سن ممكنة إلى التجنيد لأن يباشر عمله قاتلا ييتم أطفالنا ويرمل نساءنا ويغدر بشبابنا. فإذا ما ثارت حمية أحدنا دفاعاً عن كل هذا العنف والظلم، نقوم نحن بوضع شروطنا التعجيزية أمامه حين نطالبه بأن يجري أولاً عملية فرز بين هذا المغتصب القاتل وذاك المغتصب القاتل؟”.

واصلت كلامي والشيخ يتحفز للرد “إن وجود هذه المرأة وذاك الطفل كعائلة لذلك الجندي، هي عملية مساندة معنوية فائقة الأهمية لأنها تشكل لديه الدافع والشعور بضرورة الاستمرار في إقامة دائمة مستمرة في بلدنا الذي يحتله، وهو الوضع الذي يخالف حالات الاستعمار والحماية والانتدابات التي عرفتها شعوبنا من الغرب الاستعماري حين كان وجود قواته مرتبطاً بغاية فرض وضع أمني، ويتم تبديل هذه القوات بين حين وآخر. أما حالنا مع اليهود في فلسطين فهو إسكان وتوطن وتملك وأبناء وأحفاد..”.

قاطعني الإمام ليردني إلى أساس الحوار وهو أولوية العمل بالشرع وسنة الرسول وأوامره الواجبة الاقتداء.

قلت: “يا سماحة الإمام مازال لدي نقطة مركزية أريد أن أوضحها.. إن هذا الطرف الذي تريدنا أن نطبق عليه الشرع والسنة فنصون حياة نسائه وأطفاله، هو الذي يعتدي على نسائنا وأطفالنا، ولابد أن سماحة الإمام يعلم أن أكثر من مائة وخمسين من بين ألف شهيد لدينا هم من الأطفال، وديننا الذي انتم عنوانه يقول: إن النفس بالنفس والعين بالعين، ويقول: فان قاتلوكم فاقتلوهم..، ومن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم.

رد الإمام مقاطعاً “ولكن إن كانوا هم سيئين فيجب أن لا نكون مثلهم، إذ أن لنا آدابنا وأخلاقنا وعاداتنا التي تمنعنا عن أن نفعل فعلهم” ثم مد يده الى رزمة من الأوراق أمامه مخطوطة باليد، وكل أربعة أو خمسة في مجموعة، وقال إنها مقالات وبيانات سينشرها في مجلة الأزهر عن هذا الموضوع.. وراح يمر عليها قارئاً لبعض سطور منها متمتماً حينا وبصوت عال حيناً آخر مركزاً على ما يحمل منها ذات المعاني التي سبق له بيانها عن حكاية يثرب واليهود وكأنه لم يسمع شيئاً مما قلت..!

على المقاومة الفلسطينية أن تتعامل مع اليهود بالتسامح الذي عامل به صلاح الدين الصليبيين

فجأة لمعت عينا الإمام ولامست وجهه ابتسامة حين سحب إحدى الأوراق وقال بصوت عال “أيوه، أيوه أريد أن أقرأ لك ما قلته عن معاملة صلاح الدين للأسرى من الصليبيين” والتفت إلى متسائلاً “هل عرفت ماذا كان منه مع نسائهم ومرضاهم.. لقد جاءته فتاة منهم وقالت له أن لديه شابا أسيرا وهو خطيبها، وأنها تريد الزواج منه، فقام صلاح الدين وأمر بإحضار الشاب وأجرى لهما مراسم الزواج، وأقام لهما عرساً وقدم لهما هدية وأطلقهما، تلك هي أخلاق الإسلام”.

قلت “يا سماحة الإمام، أنا سأتجاوز عن شكوكي في صحة هذه الرواية المثيرة للاستغراب وأقول، إن كان صلاح الدين قد فعل ذلك حقا، فهو قد فعله من موقع المنتصر، أما ما نحن فيه فهو الهزيمة التي يؤخذ مثل هذا التصرف لو حدث منا فانه يكون خضوعاً وخنوعاً”.

الإمام يرى إمكانية تجاوز النص القرآني تجنبا لإثارة الرأي العام

رد الشيخ الإمام “نحن يا أخي لا نريد أن نثير الدنيا علينا، فأنت ترى ما يتهموننا به من إرهاب، وهو الأمر الذي لا نستطيع دفعه الا بإعطاء رأينا بأننا ضد الإرهاب”.

قلت له مقاطعاً: “ها أنت سماحة الإمام تلجأ الى ما يلجأون اليه من تعريف للإرهاب متفادياً الفقه والشريعة وقبلهما نصوص الآيات التي تحض على رفض الظلم..”.

رد الإمام مقاطعاً “هل تريد أن نتركهم يثيرون الدنيا علينا؟”. قلت “يا سماحة الإمام، عند بداية الحديث قلت لي أنك رجل دين، والأزهر لا يعمل بالسياسة، بل أنه ينفذ العقيدة الإسلامية محتكماً للفقه والشريعة، ولكنك الآن تتحدث كرجل سياسة، وفي ظني أن رجل الدين لا يحتكم سوى الى قول الحق مهما اتفق او اختلف مع رأي الآخرين”.

قال الإمام: “أنت تتحدث بحماس الشباب مع أنك لم تعد كذلك، بينما أنا أبحث عن الحكمة.. أنت تتحدث وطنياً وأنا أتحدث كرجل مسؤول..”. وقاطعته قائلاً “وهل المسؤول لا يكون وطنياً”؟ وتوقعت أن يثور الشيخ الإمام، فقد شعرت أني قسوت عليه.. ولكن الشهادة لله فانه تحلى بالحكمة التي وصف نفسه بها، وواصل حديثه كما بدأه بأناة ودون أي انفعال، وهو ما أدهشني حقاً..

الإمام يقترح على النساء قتل الجنود الإسرائيليين بأدوات المطبخ!

قال الإمام “إن للمجاهدين فرصتهم للقتال حين يتواجهون مع الجنود، لماذا لا يهاجمونهم وهم أمامهم حين يدخلون المدن”؟ قلت “وبماذا يهاجمونهم وهو معتصمون بدباباتهم التي هي قلاع متحركة من الفولاذ تقيهم رصاص المجاهدين القليل، وفوق رؤوسهم طائرات الاباتشي وطائرات ف16 تقصف أي مصدر للمقاومة، وهذه حقائق لا تحتاج الى نقاش أو برهان”؟

قاطعني الإمام قائلاً “إن الفرصة متاحة حتى للنساء” وبدت على الدهشة، ولاحظ هو ذلك، فواصل قائلاً: “نعم، ألم تر كيف يدخلون البيوت بحثاً عن السلاح والمسلحين؟ إن بإمكان أي سيدة أن تمسك بأي جسم أو وسيلة متاحة أمامها مثل حجر كبير- دبش أو قلاية أو عصا أو حلة وتضربه بها على رأسه فيموت، وعندما يقتلها أي جندي من زملائه تصبح شهيدة وتكون في جنات النعيم”. وكرر ذلك بحماس عبر عنه بيديه الاثنتين ممثلاً حمل السيدة للحلة والمقلاة ملوحاً في الهواء كيف سيكون ضربها للجندي وقتلها له.. ولما لاحظ عدم تفاعلي مع (نظريته القتالية)، التفت إلى موضحاً متسائلاً “هل تعرف الحلة تبقى أيه؟” قلت نعم أعرف، قال “لقد رأيت النساء بالتلفزيون وهن يقفن على الفرندات والشبابيك والبلكونات يشتمن الجنود الذين لا يغضبون ولا يتحرشون بالنساء أو الأطفال.. إن بإمكانهن بدلاً من الشتائم أن يرموهم بالحلة أو بالدبش..”. قلت وقد استبد بي الأسف لهذا التهوين من أمر قتل الجندي “يا سماحة الإمام كيف تقتل صاحبة البيت ذلك الجندي والدبابات تقف الى جوار المنزل وعلى عتبة بابه، ماذا يفعل زملاؤه داخل الدبابة ومعهم المدافع، إنهم سينسفون البيت على من فيه من رجال ونساء وأطفال..”.

ويبدو أني لم أكن مقنعاً فيما أبديت من ملاحظات، إذ راح الإمام يؤكد نظريته مستشهدا على صحتها بالالتفات إلى الشخص الذي بقي حاضراً معنا، والذي بادر لتأييد الإمام بشيء من الإعجاب والثناء..!

(ملاحظة لابد منها: لقد استمر الإمام معجباً برأيه حول دور النساء في المعركة، فقد روى الأستاذ الكاتب سعيد الشحات في كلمة له منشورة في جريدة العربي الصادرة في 10/2/2002 نقلاً عن جريدة الجمهورية 7/2/2002 كلام الإمام وبالحرف: “إن تعمد قتل الأطفال ليس من الرجولة ولا الإنسانية ولا الفروسية ة لماذا لا يفجر المرء نفسه في هؤلاء الجنود الذين يدخلون البيوت يعيثون فيها.. وبالنسبة للنساء يمكنها أن تمسك بحلة من الحلل وتضرب الإسرائيلي على رأسه.. هل مات كل المعتدين حتى نقتل المدنيين؟”)

نقاشه مع رجال الدين الأجانب وإن تساهل في تعريف الإرهاب، فإن له هدفا أعمق وهو تصويب عقائدهم!!

ونعود للحوار، ذلك أني لما لم أجد مجالاً لمزيد من الحديث في هذه المسألة، انتقلت لموضوع آخر وذلك بسؤال الإمام عن المؤتمرات والندوات التي يكثر من الدعوة لها وحضورها مع حاخامات اليهود بدعوى التقارب بين الأديان ومناقشة أعمال المقاومين الفلسطينيين من منطلق وصفها بالإرهاب. وكيف تنتهي إلى استنكار الإرهاب، الذي من مفهوم النقاش يكون المتهم فيه دائماً الإسلام بوصفه الحافز والمحرض لهؤلاء الشباب.. وتكون مهمة المشايخ الحاضرين الإقرار بأنهم أيضاً ضد الإرهاب الذي جرى تعريفه بأنه ذلك الفعل الذي يأتيه أبطالنا في فلسطين، والذي يوافق مشايخنا على أنهم ليسوا بشهداء، بينما لا يوافق حاخاماتهم على أن هناك احتلالا يقتل ويغتصب وأنه هو الذي دفع بهؤلاء الشبان إلى التضحية بحياتهم دفاعاً عن بلدهم. ثم تقوم وسائل الإعلام الغربي بنشر القرارات التي تؤكد انتصار القيم الغربية المتحضرة التي استطاعت أن تقنع أخيراً مشايخنا المتعصبين بأنها الصواب”.

كنت أظن أني وبعد هذا الشرح المستفيض قد أقنعت الإمام بوجهة نظري.. فجاءني رده مخيباً لتقديري وظنوني، قال فضيلته: “أنتم تظنون أن الأمر في هذه اللقاءات يقتصر على علاقة الإرهاب بالجهاد فقط، إن هذه مجرد مسائل جزئية، ونحن نناقش قضايا ذات أبعاد أكبر وأشمل.. إننا نناقش مسائل تتعرض للعقائد ونقارب بين الأديان السماوية الثلاثة لسد الفجوات والخلافات حيث أننا جميعاً أبناء إبراهيم، ونحن نريدهم أن يفهموا أن الإسلام مثله مثل المسيحية واليهودية دين محبة وسلام”.

قلت: “يا سماحة الإمام، أنت تذهب وتجتمع معهم معترفاً بدينهم وأنه من عند الله، ولكنهم هم لا يقبلون ذلك ولا يرضون أن يكون إله المسلمين هو ذاته إله اليهود والنصارى.. إن أحداً لا يستطيع أن يغير جمله واحدة من قناعة أحد بعقيدته خاصة من هم في مستوى هؤلاء المجتمعين وهم لاهوتيون محترفون. وأنا أسألك أنت شخصياً، هل تغيرت لك وجهة نظر واحدة في صحة الإسلام وصوابه، وهل قبلوا هم بأي فكرة طرحتها عليهم بشأن عقيدتهم؟ إنهم يبتسمون لك، وأنت تبتسم لهم، وتشدون على أيدي بعض وتتبادلون عبارات الثناء والمجاملة، أليست تلك هي الحقيقة؟”

قال الإمام: “إننا في هذا الشأن نعمل بإرشادات أولي الأمر، فأنا أداة خير أبشر بالسلام وأدعو له ولا أستطيع أن أتجنب أي دعوى تقودنا إليه”.

قلت: “السلام يا سماحة الشيخ يكون بين أهله، وأنت ترى أنهم يحاجونك وهم الأقوى على فرض سلامهم المشمول بإخضاع أهلك ووطنك لإرادتهم، هم يتحدثون من منطلق الانتصار والسيطرة، وأنت تتحدث معهم من منطلق الانكسار والهزيمة..” وسكت الإمام..

الإمام لا يجد فرقا بين استقبال الحاخام الأكبر واستقبال أي مسلم

ورأيت الانتقال إلى موضوع آخر.. قلت للإمام: “عندي تساؤل أخير وهو استقبالك للحاخام لاو حاخامهم الأكبر وللسفير الإسرائيلي، كيف ترى ذلك وما الدافع إليه.. إنه يحمل معنى كسر خاطر الأمة حين ترى الحاخام والسفير يقتحمان مشيخة الأزهر رمز الإسلام، ولا عبرة لقولك بأن في نيتك لو تحدث أيهما بشيء فيه استفزاز لك لكنت ضربته بالجزمة كما سبق وذكرت في حينه.. إن مجرد دخول الأزهر هو الاستفزاز بعينه، ولا يؤخذ بالقول أن بابك مفتوح لأي زائر طالما أنه زائر مؤدب فأنت تحدثه بالحق الذي أنت صاحبه”.

أجاب الإمام: “لا تحمل الأشياء أكثر مما تحتمل كما يفعل البعض، لقد استقبلت الحاخام كزائر، وأنا لا أرد أي زائر.. ألا ترى أني استقبلتك مجرد أن طلبت ذلك ولم أسألك لماذا وما هي صفتك وماذا تريد؟”.

قلت مختتماً الحديث: “هل يرى سماحة الإمام أن لا فرق بين مقابلتي أنا العربي المسلم اللاجئ إلى رحاب الأزهر وشيخه، وبين لقائه للحاخام القادم من القدس المشمولة بسلطته الدينية عنوانا لشمولها هي وفلسطين كلها بسلطة اليهود السياسية..؟”.

وسكت الإمام .. وسكت.. ووقفت مستأذناً ومودعاً من قبل الإمام بذات الوداعة والابتسامة والترحيب الذي لقيني به.

(*) كاتب من الأردن