لن يكون سيرنا المستقبلي سليما إن لم نتعلم من دروس ماضينا. لا، ولن نكون إلا خابطين في ظلماء أحداث تتقاذفنا أوجُهاً إن لم نستهد بالإخبار النبوي الغيبي الذي بشر بالخلافة الثانية بعد مراحل العض والجبر.

ولكي تكون خلافة على منهاج النبوة علينا نحن أن نتبين في كتاب الله وحديث رسوله من هم أولو الأمر الذين إن أعطيناهم صفقة يدنا وثمرة قلبنا لن يستحيلوا جبارين عاضين. علينا أن نأطرُهم على الحق أطرا بعد اختبارهم وأن نحملهم على شرط “إن استقمت فأعينوني وإن أسأت فقوموني”.وعلينا قبل الاختيار أن نتوخى من هم من أهل الأمانة والقوة والدين بحيثُ لا نُضطر يوما إلى نقض ما أبرمناه بالأمس. ففي النقض المتكرر مس بالهدف الإسلامي في الاستقرار، كما أن طلب الاستقرار بأي ثمن كان الذريعة التي منها دخل “دين الانقياد” على الأمة.

من شباب الصحوة الإسلامية من نفضوا يدهم نفضا نهائيا من الولاء للحكام المتآمرين على المسلمين. وهذه إيجابية كبيرة، فهم نقضوا الباطل من أساسه. لكنهم كثيرا ما يبنون على غير أساس حين يؤمرون على مجموعة محلية أو قطرية أميرا يعطونه البيعة والطاعة، ويعدون مجموعتهم جماعة المسلمين من فارقها مات ميتة جاهلية، ويكفرون المجتمع كله أو جله، وينغلقون في حرفية النصوص، وفي دوائر تنظيمية لا تلبث أن تعشش فيها أنواع الهوام السلوكية مثل العنف المبدئي والإعجاب بالرأي والرؤية من زاوية متشائمة للعالم والمستقبل.

في أفق الخلافة الثانية الموعودة ينبغي أن يكون بناؤنا في امتداد النبوة والخلافة الأولى لا في خط الملك العاض الذي نسميه “خلافة” أموية وعباسية وعثمانية افتياتا على رسول الله صلى الله علي وسلم الذي سماها غير ذلك. نبني إن شاء الله في أفق وحدة الأمة على البيعة والطاعة لأولي الأمر منا، لا في حدود التجزئة التي فرضها علينا تاريخ الفتنة والانحطاط والاستعمار فزدناها نحن فداحة وتشتتا بالتقوقع في بيعات الحي والقرية والمدينة والقطر،لا نرى من ورائها من ميدان.

إن كل تعاهد بين المومنين على نصر دين الله ما دون البيعة الخلافية إنما يُلْبَسُ ثوبي زور إن أطلقنا عليه اسم “بيعة”. ولا بد من تعاهد وتواثقٍ مجزّإٍ في مراحل البناء. فلا نُغْمِضْ على أنفسنا بالتسميات تطلق على غير مدلولها الشرعي. لأننا بذلك نحبس أنفسنا ومستقبلنا في يد أشخاص لم نوَلِّهِم إلا أمْرَنا نحن المنغلقين في خصوصياتنا، ونتوهم أنهم هم أولو الأمر، قد برئت ذمتُنا، وقامت في وهمنا الضعيف المشتت قائمة الإسلام.

في قول الله عز وجل: “يأيها الذين آمنوا أطيعو الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم”1 مشروعية أولي الأمر، والصفات اللازمة فيهم، والمرجعية المصدرية لأعمـالهم. فلا بد أن يكونوا “منا” وإلينا لا فَوْقَنَا وعلينا. ولا بد أن يكونوا من أولي “الأمر” كما يفسر القرآن الكريم “الأمر”: “وأمرهم شورى بينهم”،2 “وشاورهم في الأمر”.3 ولا بد أن يكون ما يطلبون فيه طاعتنا طاعة لله ورسوله إذ لا طاعة لمخلوق أبدا في معصية الخالق.

القرآن الكريم يشرح بعضه بعضا، فيحصُر “الأمر” فيمن اكتمل فيه أهلية العلم بما يأمر الله ورسوله، وأهلية الانبثاق عن الاختيار والشورى بين المومنين. ومع ذلك نشأ خلاف واسع في معرفة من هم “أولو الأمر”. طائفة من العلماء منهم أبو هريرة رضي الله عنه قالوا: هم الأمراء. وطائفة إمامهم جابر بن عبد الله رضي الله عنه قالوا: هم العلماء. انشطار يعكس انفصال السلطان عن القرآن. الوضع الصحيح هو قول عكرمة: المقصود هم أبو بكر وعمر. نفهمه على أنه تمثيل لا تخصيص. فمن جمع العلم والحيازة لرضى المومنين وشوراهم كما جمعهما الشيخان كان هو ولي الأمر الواجب الطاعة.

ورجح الإمام الشافعي رضي الله عنه القول بأن أولي الأمر هم الأمراء، واحتج لقوله بأن قريشا كانوا لا يعرفون الإمارة ولا ينقادون لأمير، فأُمروا أمرا مؤكدا بطاعة الأمير، إخراجا لهم عن أنانيتهم الجاهلية.

في نص القرآن الكريم أن الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الإمارة هو أن يتلُوَ على الجاهليين الجاهلين آيات الله، وأن يزكيَهم ويعلمهم الكتاب والحكمة. فتلك جاهلية سِمَتُها الجهل والأنانية دخل عليها الإسلام ليعلمها فتخرج من الضلال إلى الهدى، وليأمُرَها فتنتظم على الهُدَى لا تبقى فوضى.

ولمستقبل الخلافة الثانية مجتمعات فتنوية العلمُ فيها شتات والطاعة الرسوبية الانقيادية فيها داء مُزمن. يتجدد الإيمان فيها لتتعلم علما جامعا، ولتسمع كلام الله وسنة رسوله فلا تطيع إلا “أولي الأمر” الذين تتوفر فيهم المواصفات القرآنية.

وأولو الأمر الناهضون ببناء الخلافة الثانية لا بد أن يقوموا إليها كما قام إلى الأولى أمثال أبي بكر وعمر، وأن يكونوا من أبناء الآخرة كما كانوا لا من أبناء الدنيا. لا بد أن يكونوا من معرفة العالم وما جد فيه،ومن معرفة الأهداف الإسلامية وكيف تحقق في هذا الزمان والمكان بالمكانة العالية. شرط إماري لازم.وشرط آكَدُ هو أن تكون دنيا من يتصدى للحكم منتظمة انتظاما إيمانيا، وإلا فكيف يُنظم أمْرَ الناس مَنْ أموره هو فُرُطٌ!

وقد وصَفَ سلفنا الصالح هذا “الانتظام الإيماني” في مثل قول معاذ بن جبل رضي الله عنه: “يا ابن آدم! أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج. فإن بدأت بنصيبك من الآخرة مر بنصيبك من الدنيا فانتظمها انتظاما.وإن بدأت بنصيبك من الدنيا فاتك نصيبك من الآخرة وأنت من الدنيا على خطر”.

أبناء الدنيا لا يصلحون لنظم أمر المسلمين في غد الخلافة الثانية وإلا لكانت ملكا وعضا. تحت الملك العاض والجبري انزوى من سماهم الإمام الغزالي رحمه الله “علماء الآخرة” من زهاد وعباد وصوفية. وتركوا الساحة لفقهاء الفتوى يعانون الأمرّين. ولغد الخلافة الثانية نحتاج لعباد الله الخاشعين لله الأمناء على دين الله الأقوياء على البناء. نحتاج لمن يسعى ليُبقيَ على آخرته لا لمن يكدح ليبْقَى في السلطة. نحتاج لمن يأخذ من الدنيا بلاغا لآخرته، قد خرق طموحه الدنيا وزينتها فهو مع قوله تعالى: “تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علـوا في الأرض ولا فسادا”.4 “الأمر” في الإسلام غدا لا يُعطى للحريص على الرئاسة، ولا يُسمح لصاحب الأمر أن يتفلت من مسؤولية الدنيا، تمنعه من التفلُّت المراقبة العامة التي تعين من استقام وتقوم من أساء. وما يضمن ذلك إلا اختيار الربانيين العلماء الخبراء الجامعين لصفتي القوة والأمانة، خوفهم من الله عز وجل ومن مسؤولية يوم الحساب يمنَعهم من الزيغ حيث لا تراقبهم عين الحسيب المقوم بالمعارضة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وليس لذلك إلا من تشبه بأبي بكر الذي قال له الصحابة: نفرض لك بُرْدين إن أخلقتهما وضعتهما وأخذت مثلهما. وظهرك (أي دابتك) إذا سافرت، ونفقتك على أهلك كما كنت تنفق قبل أن تُستخلَف. فقال: رضيت.

ليس لذلك إلا من تشبه بعمر بن الخطاب الذي رأى أهل العراق يرققون الطعام فقال: لو شئتُ أن يُدَهْمَقَ (يُلَيَّن ويُجوَّد) لي كما يُدهمق لكم! ولكنا نستبقي من دنيانا ما نجده في آخرتنا. أما سمعتم الله عز وجل قال لقوم: “أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا”؟5 ليس لذلك إلا من تشبه بعثمان بن عفان الذي يبيت لربه ساجدا قائما، وبعلي الإمام الذي كان يتململ في محرابه ويمسك لحيته ويخاطب الفانية قائلا: يا دنيا غُرّي غيري!

“علماء الآخرة” الفارون بدينهم من الدنيا لا يصلحون للأمر، كما لا يصلُح إلا للإمارة الفرعية الخبيرُ المستورُ الذي لا تُعرف له تقوى. الجَلَدُ والتقوى، الخبرَة العملية والتطلع الإيماني الإحساني. ذلك جمع تعوَّذ الفاروق عمر من تفرقه إذ قال: “أعوذ بالله من جلَد الفاجر وعجز التقي”.

العالم العامل. ومن العلماء من تضعُف به قدراتُه العملية، أو ضيق طبعه، أو قُصور أفقه، أو عجزه عن التعامل المثمر مع الناس.

وقد ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم وصية لنا إذ قال للصحابي الفاضل أبي ذر عندما طلب إليه إمارة: “يا أبا ذر! إنها أمانة! وإنها يوم القيامة خزي وندامة! إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها”. رواه مسلم وأبو داود عن أبي ذر رضي الله عنه. وقال له: يا أبا ذر! إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي. لا تَأَمَّرَنَّ على اثنين! ولا تَوَلَّيَنَّ مال يتيم”.

ذلك أدنى أن لا نُحَابِيَ في الحق، وأن نختار من أهل السابقة في الجهاد وأهل الحظ من الله أقدرَهم على تحمل المسؤولية. ذلك معنى “إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها”. والله ولي المومنين، لا حول ولا قوة إلا به العليم الحكيم.

1 سورة النساء، الآية 58.

2 سورة الشورى، الآية 35.

3 سورة آل عمران، الآية 159.

4 سورة القصص، الآية 83.

5 سورة الأحقاف، الآية 19.