لماذا وصفُ البرنامج الحكومي بأنه مقدس؟

الجواب ببساطة: لأن الملك هو الذي وضع أسسَ هذا البرنامج في الخطاب الذي افتتح به ولاية مجلس النواب الجديد في شهر أكتوبر الماضي، ولأن مجلس الوزراء، برئاسة الملك، هو الذي أقر، في اجتماعه يوم الأربعاء 20 نونبر 2002، مشروعَ هذا البرنامج في صيغته النهائية قبل عرضه على مجلس النواب.

إذن، نحن أمام برنامج “مقدس”، لأن الملك، في “مصيبتنا السياسية” المغربية، حسب نص الدستور المكتوب و”مدونات” العرف المخزني المحفوظ، مقدّسٌ ومكانته فوق جميع المؤسسات، بيده مطلق السلطات والصلاحيات وليس مسؤولا أمام أية جهة، وخطاباته لا تناقش ولا تراجع، بَلْهَ أن تُنتقد أوتُرْفض.

فحَقُّ توجيهات الملك وتعليماته أن تُقدّس- لأن هذا من صلاحيات الملك “الدستورية”، ثم إن الأمر “ديمقراطيةً” و”مؤسسات” و…و”مخزن”!!- وعلى الحكومة المخزنية- وهذا شأنها- أن تجتهد في فهم هذه التوجيهات والتعليمات واستيعاب مقاصدها وإن كان مضمونها غامضا ومقاصدها غارقة في العموميات. ليس من حق الحكومة عندنا أن تناقش “المقدسات”، إنما واجبها أن تتفانى في الطاعة والتنفيذ وإن تعلق الأمر بشيء لا يُعرف كوعُه من بُوعه، ولا يظهر مضمونه إلا كما تظهر الأشباحُ والخيالاتُ للرائي في الأفق البعيد.

ما على الملك إلا أن يخطب، والباقي يتولاه جهابذة من التقنيين المخزنيين، الذين يلتقطون الإشارات البعيدة جدا، ويفهمون ما لا يُفهم، ويحولون اللاشيء شيئا، ويصنعون من الحبة قبة، ثم ها هو ذا برنامج لم يأت به زمان، غاية في الحسن، ليست عليه مآخذ، بل إيجابيات الدنيا منه تأخذ وعلى منواله تنسج!!

خطب الملك في مجلس النواب، فالتُقِطتِ الإشاراتُ وكان برنامج الحكومة المقدس: عملٌ منتج، وتنمية اقتصادية، وتعليم نافع، وسكن لائق.

يا عباد الله، التنمية الاقتصادية والتعليم والشغل والسكن قضايا وملفات لا تتخلف عن الدرجة الأولى في سلم الأولويات في جميع حكومات الدنيا مهما اختلفت مشاربها السياسية وتباينت برامجها الانتخابية، فما هي، يا ترى، القيمة المضافة في هذا البرنامج الحكومي إذا استثنينا مصدره المقدس؟ أين هي “الحكمة” المخزنية في اختيار هذه الملفات/القضايا دون غيرها؟ ماذا فعل الله بالقضايا/الأولويات التي حُدّدت للحكومة “اليوسفية” السابقة وللحكومات التي سبقتها، مع العلم أن الملك عندنا يسود ويحكم، وهو الذي يضع البرامج ويحدد الأولويات؟

أين وصل ملف إصلاح الإدارة؟ وملف إصلاح القضاء؟ وملف/كارثة العالم القروي؟ وملفات الفساد في المؤسسات العمومية؟ وملف تقليص الفوارق الاجتماعية بين طبقة أقلية مترفة وصلت من الشبع حدا لا يتصور، وطبقة تمثل غالبية الشعب المسحوق، الملايين منها يعيشون تحت عتبة الفقر محرومين من أبسط ضرورات الحياة المدنية، كالماء والكهرباء والصحة والتعليم والسكن والشغل الذي يحفظ كرامة المواطن ويصون حرمته ويقيه مذلة السؤال وخطر السقوط في أحضان الرذائل والمحرمات؟

ماذا فعلت حكوماتنا، ببرامجها المقدسة، للضرب على يد المفسدين الكبار الذين ظهرت أسماؤهم في تقارير المحققين وشهادات بعض المسؤولين كظهور الشمس في النهار الوضّاح؟

أين نحن من الإصلاحات السياسية المستعجلة التي تعيد النظر في بناء المؤسسات وتوزيع السلطات، وتراجع معايير حيازة الصلاحيات في وضع السياسات واتخاذ القرارات، وتقطع دابر الاستبداد بنزع القداسة عن آراء الأشخاص واجتهاداتهم وأخطائهم وأوهامهم؟

تكلموا أيها الساسة، وبينوا للناس فيمَ كانت قيامةُ الانتخابات، وتنافسُ الأحزاب والبرامج والاختيارات والشعارات؟ فيم كان تبذير الملايير من عرق جبين الشعب المغربي المستضعف؟ فيم كانت الجعجعات الإعلامية التي شغلت الناس وألهبت الخيالات والأحلام؟ فيم كان سَوْقُ ستة وعشرين حزبا على أنغام من تأليف مخزني محض، في مهرجان “انتخابي” “ديمقراطي” أسفر عن انتصار الدعاية والتزوير وتكوينِ حكومة مخزنية، كسابقاتها، أساسها الرشوة والترغيب والترهيب والطمع والحرص على الكراسي والامتيازات مهما كان الثمن، وللشعب المقهور اللهُ سبحانه وتعالى، يدعوه، ليلا ونهارا، أن يُذل من أذلوه وضيعوا حقوقه ولهَوْا عن مصالحه بالاشتغال بنزواتهم.

ملفات وقضايا وأولويات ظلت حبيسة الخطب والشعارات، ما تزال تنظر الهمم العالية والإرادات العازمة والقرارات الحازمة لتعالج المعالجة الصحيحة وفق قواعد العدل والأمانة وخدمة مصالح الأمة العليا. وها هو ذا النظام المخزني يفرض علينا مرة أخرى أن نبقى في قاعة الانتظار تطوقنا عيونه وتحرسنا هراواته أن ننبس ببنت شفة.

هذا هو ملخص قصة البرنامج الحكومي المقدس.

وإمعانا في إظهار مخزنية الأحزاب المشاركة في الحكومة، وتأكيدا للأمر الواقع، وهو أن البرنامج الحكومي إنما هو البرنامج الذي يختاره الملك، وأن وزراء الحكومة جميعا إنما هو أعوانٌ للسمع والطاعة والتنفيذ، تكونت لجنة من ممثلي الأحزاب الستة المشاركة في الحكومة على إثر انتهاء اجتماع أول مجلس لحكومة إدريس جطو، عُهد إليها بصياغة التوجيهات التي تضمنها الخطاب الملكي أمام مجلس النواب في شكل مشروع تصريح حكومي. وبالفعل تمت صياغة المشروع حسب التوجيهات الملكية السامية، وهو الذي تم إقراره في مجلس الوزراء الذي ترأسه الملك يوم 20/11/2002.

الشاهد هنا هو ما صرح به أحد الوزراء، وكان يمثل حزبه في اللجنة السياسية الحكومية التي صاغت مشروع التصريح، حيث ذكر أن عمل اللجنة تواصل على مدى أسبوع كامل، وكان الأعضاء يضطرون إلى مواصلة العمل إلى وقت متأخر من الليل من أجل أن يكون المشروع جاهزا في الموعد المحدد.

عمل متواصل، وسهر، وعرق، وجري، من أجل ماذا؟ من أجل صياغة لفظية لأفكار محددة سلفا؟ أين المشقة في صياغة لغوية وترتيب شكلي لتعليمات جاهزة ومحسوبة؟ أليس الحديث عن المشقة في مثل هذا العمل هو أقرب إلى الهزل منه إلى الجد؟ ألم يحدد وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة أولويات البرنامج الحكومي، كما حدده الملك، قبل أن تبدأ اللجنة الحكومية عملها؟ بل رأينا وزيرا في الحكومة، وهو امحند لعنصر، يصرح للصحافة، مباشرة بعد تعيين الحكومة، بأن برنامج الحكومة الذي حدده الملك واضح ولم يبق للوزراء إلا الشروع في العمل.

فبعد هذا الوضوح الذي ما بعده وضوح، ماذا يعني تقديم التصريح الحكومي أمام البرلمان لمناقشته والمصادقة عليه؟ هل يملك مجلس النواب أصلا أن يعارض اختيارات الملك؟ ماذا سيقول النواب الذين لا يحق لهم مناقشة خطابات الملك بنص الدستور في برنامج حكومي عصبه وقوامه ما تضمنه خطاب الملك أمام مجلس النواب من توجيهات وتعليمات؟ وحتى من اختار من النواب المعارضة من أجل المعارضة، فإنه لن يجد مفرا من البقاء داخل دائرة المرجعية الملكية، بها يحتمي وعليها يعتمد. ألسنا نلاحظ، إن نحن عمّقنا النظر في الأمر، أن الملك هو خصم وحكَم في الآن نفسه؛ هو خصم لأن البرنامج في روحه هو برنامجه، وهو حكم لأن من أراد أن ينتقد البرنامج الحكومي لا بد له من الرجوع إلى التوجيهات الملكية السامية التي تشكل قوام البرنامج الحكومي المنتقد. هل هذه هي الديمقراطية عندنا؟ هل من أجل هذا تُأسس الأحزاب وتُنظم الانتخابات ويُنتخب النواب؟ إن الأمر، في اعتقادي، في منتهى العبث.

الملك مقدس، وخطاباته وتوجيهاته وتعليماته لا تناقش، وهو يسود ويحكم، وهو الذي يضع الأسس التي ينبني عليها برنامج العمل الحكومي، وهو بعد هذا كله يُعدُّ المرجع الأساس والحجة القاطعة التي يلوذ به الجميع، أغلبية ومعارضة- إن كان ما يزال لهذين الاصطلاحين معنى في حياتنا السياسية- في الحجاج والنقاش والقبول والرفض.

فماذا بعد قراءة الوزير الأول المعين للتصريح الحكومي أمام غرفتي البرلمان؟ أعندنا شك في أن المصادقة عليه ستكون بأغلبية مريحة؟ أعندنا شك في أن باقي فصول هذه المسرحية العبثية سيستمر عرضها وفق ما هو مرسوم لها في السيناريو المخزني الأصلي، ما لم تقم معارضة حقيقية تملك الجرأة على قول الحق ووضع الإصبع على مكمن الدال العضال الذي حوّل حياتنا السياسية إلى مهزلة ما فتئت تلد المآسي وتهدد بأوخم العواقب، لا قدّر الله.

ما هذا الخَرس الشيطاني الذي أظل أحزابنا السياسية-إلا ما رحم ربك- بعد تفرق موسم الانتخابات، واقتسام الغنائم، وسكوت أصوات الطبول والمزامر، ورجوع المبادرة إلى يد الاستبداد؟

ماذا عند أحزابنا السياسية، وخاصة تلك التي ساقها المخزن في موسمه الديمقراطي الأخير، بعد كل ما قاله المفكرون والمحللون والمعلقون والمراقبون في شأن الطريقة التي تكونت بها الحكومة الحالية؟ أليس من صميم الإسلام، ومن صميم المروءة والفضيلة، قول الحق ولو على النفس وعدمُ كتمان الشهادة؟

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.