بداية أنبه إلى مسألتين بالغتي الأهمية: الأولى أننا عندما نتحدث عن الشأن الديني لا نقصد به ما أراده المخزن للإسلام أن ينحصر في ” طقوس” شخصية، ويعزل في قضايا فقهية محددة، ويربط بمناسبات احتفالية فقط. إنما نقصد بالدين ونبحث عنه في كل مجالات الحياة، وبالتالي فسؤالنا هو عن الإسلام أين هو في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة والشارع والمسجد … إلخ.

المسألة الثانية وهي عندما ننتقد سياسة ما فليس مقصودنا الأول هو الشخص الذي يدير هذه السياسة، وإنما نبحث عن الخيوط الظاهرة والكامنة وراء تحريك هذه السياسة، وإلا فقد تجد أشخاصا صالحين في ذواتهم، ولكن ما عساهم يغيروا بصلاحهم ما تصر الأيادي المتحكمة في كل الشؤون، وهي الآمرة والناهية، من إشاعة الفساد وحرصه وتأمينه، بل ترتبط وجودا وعدما بالفساد؟

من هذين المنطلقين، وإذا ما أردنا الحديث عن المطلوب من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية فهو كثير ولا يسعه إلا كل الواقع الممتد أمام ناظرينا العاج المتخم فسادا وخبثا: فساد إداري الرشوة فيه تخفض وترفع من أدنى منصب إلى أعلى السلم الإداري، فساد مالي عماده الربا والخمر، فساد أخلاقي مستشري في كل البلاد, في الشارع, في المنتديات, في الدوائر الرسمية, في الإعلام, في مواخير تحرصها الدولة وتوفر لها الأمن وهي تعتبر كل ذلك ركيزة للسياحة. ثم أكبر الطوام تحييد الإسلام وحصره في أوقات محددة تفتح فيها المساجد لتغلق مع التسليمة الثانية، والمقدم والشيخ هما الوصي الحقيقي على المسجد … وغير ذلك كثير جدا.

ولنفترض أن وزيرا للشؤون الإسلامية له إرادة إصلاح كل هذا ، فأي حول له وأية قوة تحفزه وتدعمه والحال أن كل ما ذكرنا من فساد تحرصه وتغذيه كل الوزارات الأخرى المحيطة به, بل يعشش في كيان أعلى كوادرها ومسؤوليها, ناهيك عمن يحرك كل ذلك من خارج الحكومة, وهم الحاكمون الحقيقيون الذين أرادوا أن يكون الإسلام ديكورا يؤثث المشهد كما المبخرة والنقش ” الإسلامي” واللباس ” الديني”.

فلا يخدعن نفسه أحد, أو يخدع الناس, ويقول أنه آت إلى الوزارة ببرنامج ورؤية خاصة, فالبرنامج حدده الملك وسطر الأولويات في افتتاح البرلمان, والكل يتحدث اليوم عن أن التصريح الحكومي لن يخرج عما سطره الملك سلفا, وما دور الوزير إلا كدور الموظف يتلقى المذكرات وينزلها إلى من تحته, كما باسمه توقع الوثائق, ولعل هذا أهم تغيير يحصل مع أي تغيير وزاري. أما السياسات فهي هي محكومة بأهواء الحاكمين الحقيقيين وارتباطاتهم المالية والمصلحية بالدوائر الخارجية, والتي تربط الديون والمساعدات بنمط الحياة الذي ستصرف لإنعاشه, ولن يكون ذلك إلا علمانية فجة أو متنكرة في مسوح إسلامية قشرية والإسلام منها بريء.

هذا لا يعني أننا نريد أن نثبط العزائم أو نشكك في النوايا, لكننا نتحدث عن واقع قائم, ومع ذلك نتمنى لوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أن يوفق في حلحلة الراكد وتحريك الآسن.