حينما يتعلق الأمر بتحليل الظرفية الاقتصادية للمغرب من خلال المعطيات الرسمية، يمكن الاسترشاد بالنشرات التي تعدها مديرية الإحصاء التابعة لوزارة التوقعات الاقتصادية أو بالدراسات التحليلية التي تنجزها مديرية السياسة الاقتصادية العامة بوزارة المالية. وتعمل هذه الأخيرة على تجميع المعطيات الرقمية من مصادرها المتعددة من الوزارات والهيئات التابعة لها، وتتميز هذه الوثيقة إلى جانب منشورات المعهد الوطني لتحليل الظرفية باللوائح القيادية التي تنشئها من خلال المؤشرات الماكرواقتصادية والمالية العامة.

إن المتأمل في السلوك الظرفي للاقتصاد المغربي في الآونة الأخيرة، لا يكاد يستقيم عنده فهم هذا السلوك أو تحليل واقع الحال، بغض النظر عن البيئة الاقتصادية العالمية المضطربة، وخصوصا الرجات التي ميزت نهاية سنة 2001. وبالموازاة، فإن تقييم الحصيلة الاقتصادية السنوية لا يجوز تبريرها كلية بعسر الظرفية العالمية التي تعكس تقلص هوامش التجارة الخارجية لبلدان العالم الثالث، وتقلبات الأسعار الدولية ( الفوسفاط، البترول..) وضعف الاستثمارات الخارجية وتراجع السياحة الدولية، دون الحديث عن هشاشة النسيج الاقتصادي وتدني المردودية الإنتاجية إلى جانب فشل سياسة الدولة.

من خلال المصادر الرسمية السالفة الذكر، فإن الناتج الداخلي الخام عرف نموا سنة 2001 بنسبة 6.5 %. وقد عزت الدراسة التي أعدتها مديرية السياسة الاقتصادية ذلك إلى تحسن قطاع الفلاحة بفعل تساقطات الأمطار التي عرفتها السنة، والذي أثر إيجابيا حسب الدراسة، على قطاع التغذية المصنعة وقطاع البناء والأشغال العمومية. كما ساعد على تحقيق هذه النسبة، ارتفاع إنتاج الفوسفاط والحامض الفسفوري، إلى جانب إنتاج الأسمدة.

ويمكن القول إن الإنتاج الصناعي -تقول الوثيقة- عرف عموما ارتفاعا بنسبة 2,3% إلى جانب قطاع الطاقة بنسبة 4,3% ؛ بينما تراجع قطاع السياحة بفعل التداعيات الاقتصادية لأحداث 11 من شتنبر.

و تجدر الإشارة إلى أنه، من الصعب تحليل نسبة النمو العالية التي عرفها الناتج الداخلي الخام (6.5 %) بالمقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية (1,7 %) واليابان (4.5 %). كما أن منطقة الأورو القريبة والأكثر تأثيرا في الاقتصاد المغربي لم تحقق سوى 0,6 % من نمو الناتج الداخلي.

إن ارتفاع نسبة نمو الناتج الداخلي، رغم الإجماع الذي يحظى به عند الأوساط الاقتصادية والمهتمين، لا يعطي دلالات واضحة إلا إذا بحثنا عن مسبباته وبواعثه.

والمتفحص للمعطيات الرسمية الخاصة بالاستدلالات الاقتصادية والمالية لسنة 2001، يجد أن نسبة النمو مردها إلى قطاع الطاقة، والصناعة الاستخراجية، ومواد البناء.

ويكفي القول أن هذه الأنشطة تتميز باحتكار الدولة لها (الطاقة والمعادن) وضعف ارتباطها بالخارج، مما يجعلها في منأى عن النكسات التي عرفتها الأنشطة الاقتصادية الدولية. كما قد يعكس قطاع البناء، من خلال الاستهلاك الداخلي للإسمنت، ضغط المضاربات العقارية التي تعصف بالاقتصاد المغربي، رغم المكانة الإستراتيجية التي يحتلها هذا القطاع في مصفوفة الأنشطة الاقتصادية.

إن ارتفاع نسبة النمو لا يؤشر عن عمل إيرادي، ولا ينم عن حركة فعلية نشيطة وانتعاش اقتصادي ملحوظ. حيث إن تنافسية الاقتصاد المغربي تعكسها وضعية قطاع النسيج والجلد وقطاع التغذية المصنعة كقطاعات استراتيجية توظف نسبة عالية من اليد العاملة وتجلب العملة الصعبة. فخلال هذه السنة تراجع القطاع الأول بنسبة 1,4% في حين ارتفع الثاني بنسبة جد ضعيفة 0,4% رغم تحسن الظروف المناخية كما أسلفنا الذكر.

أما فيما يخص التجارة الخارجية فإن الواردات تراجعت بنسبة 1% بسبب تقهقر واردات المواد الخامة والنصف مصنعة التي تستهلكها القطاعات الصناعية، كما عرفت التجهيزات المستوردة ارتفاعا طفيفا (3,8%) وتضم هذه النسبة آلات الشحن والبناء إلى جانب آلات الإنتاج الصناعي.

إن نسبة النمو الناتج الداخلي، التي صرحت بها الحكومة تتجاوز بكثير التقديرات التي وردت في تقرير البنك الدولي لسنة 2000. فحسب نفس المصدر فإن نسبة النمو السنوية للاقتصاد المغربي ستتراوح بين 1% و2% بالنظر إلى قدرات الأداء الاقتصادي للنسيج الصناعي والإكراهات البنيوية والظرفية للقطاعات الإنتاجية.

إن معدل وثيرة النمو التي عرفها الناتج الداخلي الخام خلال السنوات الثلاث الأخيرة لا تتجاوز 2,4% من خلال الجدول الآتي:السنوات نسبة النمو1998 6,8 % 1999 0 %

2000 0,9 %

هذه النسبة لم تراوح خلال عقد التسعينيات 2,2%. بينما عرفت الثمانينيات معدلا يقدر ب3,7%.

وباستقراء هذه النسب السنوية يمكن القول إن الاقتصاد المغربي ما يزال في وضعية حرجة يشير إليها الميل التنازلي لهذا المؤشر الاقتصادي. ويفسر بعض المحللين هذا الانحدار في تراجع نسب الاستثمار خلال هذه العقود. ذلك أن نسبة الاستثمار العام لا تمثل حاليا سوى 21% من الناتج الداخلي في حين تصل هذه النسبة 30% في اقتصاديات الدول الصاعدة.