تُـقـْتـَضَى الطاعةُ للدولة المستبدة بالقسر، وفي سلك القهر والإكراه والقمع ينتظم أمرُها. وفي دولة القانون الديموقراطية يكون للقانون سلطان يفرضه، وقضاء ينطق به، وحُرمة في النفوس يتكِئ عليها، ومصالح يرعاها كل واحد متدرعا بالقانون، وشعور بالانتماء يُقَوِّي باعِثَ الاعتزاز بالدولة وقانونها. وبوجود الطاعة للقانون أو الخضوع الاضطراري له يستقيم حال المجتمع وتستقر الدولة وتحفظ الحقوق.

في دولة القانون الديمقراطية يَحْتَرِمُ الحاكم والمحكوم، طوْعا بباعث الوطنية والمدنية أو إلزاما بقوة القانون، “عقدا اجتماعيا” كما يقول روسو الفرنسي. وهو عقد وهمي ضِمني.

وفي دولة الإسلام الشرعية تَكون الطاعة التزاما من جانب المحكوم في مقابل التزام الحاكم باتباع الشرع بموجب عقد حقيقي صريح يتم الاتفاق عليه في بيعة لها قواعدها الشرعية وموجباتها ومُبْطلاتُها.

يعرف العلامة ابن خلدون البيعة الشرعية فيقول: “اعلم أن البَيعة هي العهدُ على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يُسَلِّم له النظر في أمر نفسه وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به على الأمر في المَنْشَط وَالمَكْرَه. وكانوا إذا بايعوا الأميرَ وعقدوا عهده جعلوا أيديَهم في يده تأكيدا للعهد. فأشبه ذلك فِعلَ البائع والمشتري”.

والبَيعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت بيعتين: بيعة إسلام وبيعة جهاد. فأما بيعة الإسلام فيدخل بها المرء والمرأة في دين الله، ويكون النكوص عن شرط التوحيد رِدّةً، كما يكون الإخلال بشرط من شروطها الأُخرى معصية. وأما بيعة الجهاد فهي أخص، وهي عهد يعطيه الرجال المؤمنون لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجروا إليه، وأن يجاهدوا معه، وأن ينصروه.

تلك بيعة تخرج الرجل والمرأة من الكفر إلى الإسلام، وهذه تميز المؤمنين المستجيبين لدعوة الله ورسوله الجهادية عن بقية المسلمين.

وتُسَمَّى بيعة الإسلام بيعة النساء لقول الله عز وجل: “يأيها النبيء إذا جاءك المومنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولايزنين ولا يقتُلن أولادهن ولا ياتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفِر لهن الله. إن الله غفور رحيم”(الممتحنة/12).

تُسَمَّى بيعةَ النساء حتى لو تعهد بها الرجال. قال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه: “باب بيعة النساء”، وذكر فيه حديث عُبادةَ بنِ الصامِت رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -ونحن في مجلس-: “تُبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف. فمن وَفّى منكم فأجرُه على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له. ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله فأمره إلى الله. إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه”. فبايعناه على ذلك.

هذه البيعةُ خاصة بزمان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبيعة الجهاد والطاعة التي يتعاطاها الحاكم والمحكوم في الحكم الإسلامي ليست مجرَّدَ عقد سياسي مدني، بل هي عهد بين ذممٍ مؤمنة تندرج فيها شروط بيعة النساء باعتبارها الشروط الأساسية، وتضاف إليها الشروط التنظيمية الأخرى، من ضمنها قول الحق في كل الظروف، أي معارضة المنكر. ففي مقابل واجب الطاعة الذي تحمَّله المبايِع واجب آخر يوازنه هو واجب قول الحق.

روى الشيخان وغيرهما عن عُبادةَ رضي الله عنه قال: “بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العُسر واليُسر، والمنشَطِ والمَكْرَه، وعلى أثَرَة علينا، وعلى ألاّ ننازع الأمرَ أهله، وعلى أن نقول الحق أينما كنا، لا نخاف في الله لَوْمَةَ لائم”.

هذا الصحابي الأنصاري رضي الله عنه بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين، مرة بيعة النساء، ومرة بيعة الطاعة والجهاد. وذلك أن الأنصار من الخزرج وفدوا على النبي صلى الله عليه وسلم في العقَبَةِ الأولى فبايعوه على الإسلام، ثم جاءوه في العام القابل، فتعاهد معهم على أن يهاجر إليهم فينصروه، وكانت بيعة العقبة الثانية بيعة جهاد. نقف عندها لنعلَم أن البيعة ليست شكلية من الشكليات، وإنما هي أمر يُبرَم في غاية الجدية والصرامة.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يبلغ رسالة ربه عز وجل وهو بمكة تحوطه عناية الله المتمثلة في حماية عمومته من قريش. لما جاءه الخزرج والأوس إلى العقبة صحبه عمه العباس، وكان يومئذ لا يزال على دين قومه لما يسلم. وأراد العباس أن يتوَثق لابن أخيه، فقال للوافدين: “إن محمدا مِنَّا حيث قد علمتم. وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه. فهو في عز من قومه، ومَنَعَةٍ في بلده. وإنه قد أبى إلا الانحيازَ إليكم، واللحوقَ بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك. وإن كنتم ترون أنكم مُسْلِموهُ وخاذِلوه بعد الخروج به إليكم فمِن الآنَ فدعوه!”

قال ابن إسحاق رحمه الله: فتكلم رسول الله صلى لله عليه وسلم فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام. ثم قال: ” أبايِعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم”. وقال أبو الهيثم بنُ التَّيهان: يا رسولَ الله! إن بيننا وبين الرجال يعني يهود يثرب حبالا وإنَّا قاطعوها. فهل عسيتَ إن نحنُ فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجِع إلى قومك وتدَعَنا؟

فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: “بل الدَّمَ الدَّمَ! والهدمَ الهَدْمَ! أنا منكم وأنتم مني: أحارب من حاربتم، وأسالمُ من سالمتم”.

وقال العباس بنُ عبادة بنِ نضلة وهو من الأنصار: هل تدرون عَلامَ تبايِعون هذا الرجل؟قالوا: نعم! قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس. فإن كنتم ترَون أنكم إذا نُهِكتْ أموالُكم مُصيبَةً، وأشرافُكم قتلاً أسلمتموه فمن الآن! فهو والله إن فعلتم خِزيُ الدنيا والآخرة! وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نَهْكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه. فهو والله خير الدنيا والآخرة!

قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف. فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفَّينا؟ قال: الجنة. قالوا: ابسُط يدك! فبسط يده فبايعوه.

إنها إذاً صفقة يتعهد بمقتضاها المجاهد أن يبذُل مالَه ودمَه في سبيل الله تعرضا لرضى الله، واستجلابا لخير الدنيا والآخرة. خير الدنيا والآخرة. ليس شيء من قضايا المؤمنين حركةً سياسية دنيوية مقطوعة عن الحياة الحقيقية في الدار الآخرة، ولاَ شيء من سعي المؤمنين المجاهدين يلفت المؤمنين المجاهدين عن مطمح سعادة الأبد إلى زينة الدنيا وتنافساتها.

البيعة الشرعية قُربة عالية بين أطرافٍ طُمُوحُ كل منهم متعلق بالله وباليوم الآخر. فلما استولى أبناء الدنيا، ملوك العض، على الحكم أصبحت البيعة مصادرة قسرية لذمة المسلمين، يُكْرَهون عليها إكراها، ويقيّدون إليها بقيود باطلةٍ شرعا، لكنها قيود لها فاعلية عملية لأن المقيَّد لا يفقه في دينه، أوْ لأن اجتهادَ الفقيه، وله اعتباراته، ساقه إلى “دين الانقياد”.

بدأ معاوية بن أبي سفيان بالإكراه على بيعة ابنه يزيد، فكان السيف المُصلَت هو ضامِنَ الوفاء. في عهد العباسيين التمس الحاكمون ضامنا آخر، فاستحلفوا الناس على الوَفاء لبيعة الصبيان في الخِرق، واستوعبوا الأيمان كلها فيما سمَّوْه “أيمانَ البيعة”، يحلف الرجل بالطلاق والعِتق وما إلى ذلك.

قال ابن خلدون رحمه الله: “لما أفتى مالك رضي الله عنه بسقوط يمين الإكراه أنكرها الوُلاَة عليه ورأوها قادحة في أيمان البيعة، ووقع ما وقع من مِحنة الإمام رضي الله عنه”.

ثم تدهور الحكم على رقاب المسلمين، واستحكم السيف متمكنا بقوته وبفتوى شرعية الاستيلاء ووجوب طاعة “من غلب عليهم بالسيف”، فاستحالت البيعة إلى نوع من الحفلات التهريجية يُقدم فيها القربان الرمزي للحاكم الذي أصبح يستعبد الناس لشخصه من دون الله.

يقول مؤرخنا رحمه الله: “وأما البيعة المشهورة لهذا العهد فهي تحية الملوك الكِسروية من تقبيل الأرض أو اليد أو الرجل أو الذيل (…). واستُغْنِيَ بها عن مصافحة أيدي الناس (…) لما في المصافحة لكل أحد من التنزّل والابتذال المنافِيَيْن للرياسة وصون المنصب الملكي”.

قال رحمه الله مخاطبا من يقرأ ما بين السطور ومن يقاسم لوعة علمائنا على ضياع حقائق الدين: “فافهم معنى البيعة في العُرف (يعني بيعة تقبيل الأرض أمام الأكاسرة المستكبرين)، فإنه أكيد على الإنسان معرفتُه، لما يلزمه من حق سلطانه وإمامه. ولا تكون أفعالُه عبثا مَجّاناً”.

قال: “واعتبر ذلك من أفعالك مع الملوك. والله القوي العزيز”.

قلت: الله القوي العزيز، به سبحانه الاستعانة على اقتحام العقبة من وهدة الإكراه والتزوير إلى بيعة الخلافة الثانية. لا إله إلا هو.