ابتدعت الحكومة السابقة بدعة أطلقت عليها اسم الإصلاح، وربما فرض الإصلاح نفسه على الحكومة بفعل تفشي ظاهرة الفساد في مختلف المؤسسات العمومية سيما المالية منها، وتأكد للجميع أن ظاهرة الفساد التي خربت جسم الاقتصاد المغربي، وأتت على الأخضر واليابس حتى أصبح المغرب ينعت داخليا وخارجيا، ومن خلال تقارير دولية، بأنه في مصاف الدول التي يعشش الفساد في مؤسساته العمومية، اللهم بعض التقارير التي، من باب المجاملة، أرادت دغدغة مشاعر المسؤولين المغاربة.

لكن الحقيقة ما نرى لا ما نسمع، وما نراه هو ما أصبح على كل لسان. الحديث هنا عن الملفات الحساسة الخاصة بمؤسسات مالية عمومية تفجرت أو أريد لها أن تنفجر خلال فترة سميت حكومة التناوب، وخلال خمس سنوات برزت للوجود ملفات لمؤسسات مالية عمومية عملاقة من قبيل القرض الفلاحي والقرض السياحي، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ، والبنك الشعبي، وربما اللائحة تستغرق مؤسسات أخرى حتى تكتمل حلقة الفساد التي من حسناتها هي الأخرى الكشف عن أسماء وازنة على أعلى هرم في السلطة ربما يكون لها يد فيما حصل.

فبالرجوع مثلا إلى التصريح الأخير للمدير الأسبق للقرض العقاري والسياحي، نجد أن السيد الزاهدي قد أورد في شهاداته الصحفية مجموعة أسماء لها وزنها سواء في هرم السلطة أو من حيث وزنها وقربها من المؤسسة الملكية. وقبل ذلك ظهر من خلال تقرير صادر عن لجنة تقصي للحقائق منبثقة عن مجلس النواب أن مجموعة شخصيات متورطة في ملف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي وأخرى في ملف القرض ا لفلاحي .. وعندما نتحدث هنا عن مسألة التوريط، فإننا لا نقصد فقط المدراء الموظفين الذين ربما قد تساهلوا في مسؤولياتهم سواء عن طيب خاطر أو تحت أوامر وتعليمات من طرف جهات نافذة، ولكن أيضا نقصد أولئك الذين استفادوا من ملايين، وهم في الغالب من علية القوم، ولم يكلفوا أنفسهم عناء إرجاع “القروض”. والأدهى من ذلك ليس هناك من يجرؤ على ذكر تلك الأسماء، بل ولم تجرؤ النيابة العامة، ولو من باب المساءلة، على استدعاء علية القوم.. وكيف لا ونحن نعيش” العهد الجديد”..” عهد الإصلاح”.

فهل يمكن أن يكون هناك إصلاح دون محاسبة؟

يبدو أن الإصلاح المنشود بعيد المنال، وذلك في ظل استمرار نفس عقلية تدبير ملفات العهد القديم، فكيف يمكن أن نتصور تطورا وإصلاحا أو تقدما نحو دولة الحق والقانون التي صار يتشدق بها كل من هب ودب باسم الديمقراطية والحداثة والشفافية(…) ونحن أمام وضعية هي ذاتها “السكتة القلبية” الاقتصادية؟ كيف يمكن أن نقول بالإصلاح الإداري والمالي ومعظم مؤسساتنا يسيطر عليها الفاسدون المفسدون؟. كيف السبيل إلى استرداد ملايين ممن هم محميون بكلمة”التعليمات” ؟؟

لقد بات أكيدا بأن كل المقاربات المعتمدة في السابق في معالجة كل الاختلالات الحاصلة على كل المستويات لا تلامس جوهر القضية، ولا تحدث التغيير الفعلي، وإنما فقط يتم تقديم أكباش فداء عوض الجزارين. ربما قد نتفق على أن سنوات الرصاص كان لها نهجها ومنهاجها في معالجة مثل هذه القضايا وغالبا ماكان الصمت والتستر على الملفات هو سيد الموقف، لكن ما القول اليوم، والجميع، أقصد المشاركين في اللعبة، يقول إننا في عهد جديد، ونحن أمام أسماء وردت على لسان مدير مسؤول في مؤسسة مالية عمومية، لماذا لا يتم استدعاؤها أمام القضاء ومطالبتها بتوضيحات علنية؟ لماذا لا يتم استدعاء كل الأسماء التي ذكرت في اعترافات أو استجوابات بعض الذين اعتقلوا أو اختفوا ؟ لماذا لم يتم استدعاء كل الأسماء الواردة في ملف القرض العقاري والسياحي؟ لماذا تم التستر على “حومة الجزارين” في ملف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والقرض العقاري والسياحي وكوماناف، ولارام؟ لماذا يتم الاقتصار إذا على الموظفين والتغاضي عن كل تلك الحيتان التي تسبح في بحر الأمان؟

لا إصلاح ولا مصالحة بدون محاسبة، والمحاسبة لا تعني عدم المساس بالشخصيات، وإن كانت مقربة من مراكز القرار، لأن دولة الحق والقانون من يسود فيها هو القانون.

إن الإصلاح المنشود يتطلب إعمال “فصل المساءلة” من طرف مؤسسات دستورية، وبرجال أكفاء مختصين في كشف الحسابات والتقصي، وليس بلجن سميت للتقصي وعندما تجد نفسها أمام أسماء وازنة، ترتعش أبدانها، أو تتستر وتضع العراقيل حينما تفاجأ بأسماء قيادية في أحزابها.

إن الإصلاح المنشود يتطلب استقلالية تامة للقضاء على أي جهاز في الدولة حتى يلعب دوره كاملا في إبراز الحقائق، ومعاقبة ناهبي المال العام، وإعمال بنود القانون وليس بنود التعليمات.

متى يصل القانون إذا إلى مراكز القرار؟