نزول القرآن

شهر رمضان شهر خير وبركة على المسلمين ،لو ذهبنا نعدد ونحصي بركاته وخيراته ، لما وجدنا أعظم ولا أجل من نزول القرآن الكريم فيه

تلك المنة العظيمة ، التي ربطت الأرض بالسماء ، واستمدت البشرية بها نور هدايتها ، بعد أن كانت متخبطة في ظلمات الجهل والكفر ، قال تعالى مذكراً عباده بهذه المنة العظيمة : { شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ } ( البقرة:185) ، و وصف سبحانه ليلة نزوله بالبركة فقال : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ } (الدخان:3) ووصفها بأنها ليلة ذات رفعة وشرف ، فقال سبحانه : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } ( القدر :1)ولبركة هذا الشهر وارتباط القرآن به ، كان جبريل عليه السلام يدارس النبي صلى الله عليه وسلم القرآن فيه ، وكان النبي شديد الفرح بهذه المدارسة ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : ” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ، وكان أجود ما يكون في رمضانحين يلقاه جبريل ، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة ” متفق عليه .هذه هي إحدى بركات هذا الشهر ، وهي أعظمها وأجلها ، نسأل المولى عز وجل أن يعيننا على العمل بكتابه والقيام بحقه ، إنه على كل شيء قدير ، وبالإجابة جدير ، والحمد لله رب العالمين .

غزوة بدر الكبرى

غزوة بدر هي أولى معارك المسلمين الكبرى ،وأبركها لما حدث فيها من انتصار عظيم على الكفار هو الأول من نوعه بهذا الحجم منذ بعثته صلى الله عليه وسلم ، وقد كانت هذه الغزوة في السابع عشر من شهر رمضان المبارك من السنة الثانية للهجرة النبوية .وتبدأ فصول هذه الملحمة الكبرى ،عندما علم النبي صلى النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم أن قافلة لقريش قادمة من الشام ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم اعتراضها وأخذ ما فيها عوضا عن الأموال التي سلبتها قريش من المسلمين ، فخرج صلى الله عليه وسلم ومعه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا.لكنهم أرادوا شيئا وأراد الله غيره ، قال تعالى : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (لأنفال:7) ، ولما علم أبو سفيان بخروج النبي صلى الله عليه وسلم حوّل مسار القافلة ، وأرسل إلى قريش : إن محمداً يريد أخذ أموالكم ، فخرجت قريش بقضها وقضيضها تريد النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي أثناء مسيرهم جاءهم الخبر بنجاة القافلة ، إلا أنهم أصروا على الخروج ومقاتلة النبي وصحابته ، فالتقى الفريقان على بئر ماء تسمى بدرا ، وهناك جرت أولى معارك الإسلام الكبرى ، وحقق المسلمون فيها أول انتصار لهم ، أعز الله به الدين ، ونصر به عباده المؤمنين ، وخذل الشرك والمشركين ، وكان ذلك في شهر رمضان ، شهر الجهاد والعزة والتمكين ، نسأل الله أن يعز المسلمين ، ويهزم الكفر والكافرين ، والحمد لله رب العالمين.

فتح مكة ( الفتح العظيم )

ربما لا يدرك كثيرون ممن لم يدرسوا وضع الدعوة في مراحلها الأولى معنى فتح مكة ولا أهميته العسكرية والدينية لكنَّ المطلعين على الأحداث الأولى للدعوة الإسلامية يدركون جليا المكانة السامية والدور الهام لذلك الفتح ، وبيان ذلك أن العرب في بداية أمر الدعوة كانوا ينظرون إلى مكة وقريش نظرة القيادة والريادة . وكانوا يترقبون ما سيؤول إليه الحال بين قريش والمسلمين ، فإن انتصرت قريش بقوا على ما هم عليه من الشرك وعبادة للأوثان ، وإن انتصر النبي صلى الله عليه وسلم دخلوا في دين الله أفواجاً ، فلما هزمت قريش وفتحت مكة ، جاءت الوفود إليه صلى الله عليه وسلم معلنة إسلامها .لقد حدث هذا النصر العظيم وهذا الفتح المبين في العشرين من شهر رمضان المبارك سنة ست من الهجرة النبوية .وتبدأ قصة هذا الفتح عندما تصالح النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش في الحديبية ، على أن يضعوا السلاح ، ودخلت خزاعة في هذا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ، ودخل بنو بكر بن وائل مع قريش في عقدهم ، فلم يمض على الصلح سوى سنة وتسعة أشهر ، حتى غدر بنو بكر بن وائل حلفاء قريش بخزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم ، فاستنجدت خزاعة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فقرر غزو قريش ، لنقضهم العهد واعتدائهم على حلفائه من خزاعة ، فجهز جيشه وخرج قاصداً مكة لعشر مضت من رمضان ، في عشرة آلاف مقاتل من المهاجرين والأنصار وقبائل العرب ، فدخل صلى الله عليه وسلم مكة فاتحا منتصرا ، وطاف بالبيت وصلى فيه ، وكسر الأصنام من حوله ، وأمن أهل مكة على أنفسهم وأموالهم إلا عددا يسيرا ممن بالغوا في عداوة النبي وشتم المسلمين .

فكان هذا الفتح نعمة على أهل مكة ، وعلى العرب عامة ، أما على أهل مكة فلأنه أزال سلطان الكفر عن رقابهم ، ولا سيما ضعفاء المؤمنين ممن لم يستطع الهجرة ، أما قبائل العرب ، فقد كان خوفهم من قريش حائلا دون إسلامهم ، فلما زالت سلطة قريش بفتح مكة ، دخلت قبائل العرب في دين الله أفواجا ، فالحمد لله على ما منَّ به من هذا الفتح العظيم .

معركة البويب

معركة البويب من المعارك التي أذل الله فيها الفرس إحدى أعظم قوتين في ذلك الزمان ، وأعز الله فيها الإسلام وأهله .

وتبدأ فصول المعركة عندما انحاز المسلمون غربي نهر الفرات بعد وقعة الجسر التي هزم فيها المسلمون فأقام المثنى بالمسلمين في تلك البلاد ، وكان يرسل السرايا للإغارة على المجوس المرة بعد الأخرى ، وأسر المثنى في أحد المرات أميرين من أمرائهم وأسر معهما بشرا كثيراً قام بقتلهم جميعاً ، ثم أرسل إلى من بالعراق من أمراء المسلمين يستمدهم فبعثوا إليه الإمداد ، وبعث إليه عمر رضي الله عنه بمدد كثير فيهم جرير بن عبد الله البجلي في قومه بجيلة بكمالها ، فلما علمت الفرس بكثرة جيوش المسلمين بعثوا إلىالمثنى جيشاً مع رجل يقال له مهران ، فالتقوا وإياهم بمكان يقال له البويب وبينهما الفرات ، فقالوا : إما أن تعبروا إلينا أو نعبر إليكم ، فقال المسلمون : بل اعبروا إلينا ، فعبرت الفرس إليهم فتواقفوا ، وذلك في شهر رمضان سنة ثلاث عشرة من الهجرة ،فعزم المثنى على المسلمين في الفطر فافطروا عن آخرهم ليكون أقوى لهم ، وعبأ الجيش ، وجعل يمر على كل راية من رايات الأمراء على القبائل ويعظهم ويحثهم على الجهاد والصبر ، وقال المثنى لهم : إني مكبر ثلاث تكبيرات فتهيئوا ، فإذا كبرت الرابعة فاحملوا ، فقابلوا قوله بالسمع والطاعة والقبول ، فلما كبر أول تكبيرة عاجلتهم الفرس فحملوا عليهم ، واقتتلوا قتالا شديدا .

وجعل المثنى والمسلمون يدعون الله بالظفر والنصر ، فلما طالت مدة الحرب جمع المثنى جماعة من أصحابه الأبطال يحمون ظهره ، وحمل على مهران فأزاله عن موضعه حتى دخل الميمنة وحمل المنذر بن حسان بن ضرار الضبي على مهران فطعنه ، وهربت المجوس ، فتبعهم المسلمون يقتلونهم قتلاً ، وسبق المثنى بن حارثة إلى الجسر فوقف عليه ليمنع الفرس من العبور عليه ، فتمكن منهم المسلمون ، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، فيقال انه قتل منهم يومئذ وغرق قريب من مائة ألف ولله الحمد والمنة .

وقد قال الأعور الشنى العبديفي ذلك :

هاجت لأعور دار الحي أحزانا واستبدلت بعد عبد القيس حسانا

وقد أرانا بها الشمل مجتمع إذ بالنخيلة قتلى جند مهرانا

إذ كان سار المثنى بالخيول لهم فقتل الزحف من فرس وجيلانا

سما لمهران والجيش الذي معه حتى أبادهم مثنى ووحدانا

وقد كانت هذه المعركة قصاصا للمسلمين من الفرس لقاء معركة الجسر التي انهزم فيها المسلمون وقتل منهم أعداد كثيرة ، نسأل الله عز وجل أن ينصرنا وأن يقتص لنا من أعدائنا ، إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير والحمد لله رب العالمين .

فتح الأندلس

فتحت الأندلس في شهر رمضان المبارك من السنة الثانية والتسعين للهجرة النبوية المباركة ، على يد القائد البطل طارق بن زياد وموسى بن نصير رحمهما الله تعالى .

وقد أقام المسلمون في تلك البلاد حضارة من أعظم الحضارات التي عرفتها الإنسانية في تاريخها ، وامتدَّ خيرها وعمَّ نفعها بلادا كثيرة .

وتبدأ قصة هذا الفتح العظيم  فيما يذكر أهل التاريخ – عندما علم طارق بن زياد رحمه الله – وكان والياً على طنجة من بلاد المغرب – بوقوع خلاف بين ملك الروم ، وحاكم الجزيرة الخضراء  وهي الجزء القريب لبلاد المغرب من بلاد الأندلس  حيث خرج حاكم الجزيرة الخضراء بجيشه لقتال ملك الروم ، وعندما علم طارق بن زياد بمسيره انطلق بجيشه عبر البحر ، حتى نزل بالجزيرة الخضراء ، وكان نزوله قبل الفجر فصلى بأصحابه الصبح ، وبنى مسجدا ، وعقد فيه الرايات – فسمي مسجد الرايات – ثم انطلق طارق بأصحابه ليفتح البلاد ، فعلم به ملك طليطلة لذريق فخرج للقاء المسلمين ، فحدثت بينهما معركة انتصر فيها المسلمون ، ثم تتابعت الانتصارات وتوالت ، حتى استطاع المسلمون أن يصلوا إلى تخوم فرنسا في المعركة الشهيرة المسماة بلاط الشهداء .

هذه هي قصة ذلك الفتح العظيم ، الذي بسط المسلمون بسببه نفوذهم في بلاد الأندلس  أسبانيا والبرتغال حالياً  واستفادت أوربا من نور العلم الذي نشره المسلمون هناك ، بعد أن كانت غارقة في بحار الظلم والجهل ، إلا أن الأمر لم يبق على حاله ، بل دب الخلاف بين المسلمين حتى انحاز كل قوي بدويلة ، وأصبح هم تلك الدويلة مقاتلة الأخرى ، والاستيلاء على ملكها ، فانشغلوا بأنفسهم عن أعدائهم ، وتسلط عليهم النصارى وساموهم أشد العذاب ، وأجلوهم عن بلاد الأندلس ، وصدق فيهم قول الحق سبحانه : وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( الأنفال: 46 ) إنها سنة الله في الأرض التي لا تحابي أحداً ، نسأل الله أن يغفر لنا ، وأن ييسر من يعيد مجدنا المفقود ، إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين.

فتح عمورية

في عهد (الخليفة) العباسي هارون الرشيد ظهرت حركة باطنية في أذربيجان سنة 192هـ تزعمها شخص يسمى “بابك الخرّمي” كان رجلاً فقيرًا ضعيفًا مجهول النسب، نسبت هذه الحركة إليه، وأصبحت تعرف باسم “الخرَّمية” وهي حركة تعتقد بالتناسخ ووجود إلهين، أحدهما للنور والآخر للظلمة، وتقول بإباحة النساء.

وأخذت هذه الحركة تعيث في الأرض فسادًا وتعمل ما وسعها العمل لهدم صرح الإسلام وإذلال أهله .. فواجهها الرشيد أولاً ولم يتمكن من القضاء عليها، ثم تولى أمرها ابنه المأمون فأرسل إليها الكثير من القادة للقضاء عليها، إلا أنه لم يحالفه التوفيق للقضاء عليها، إلى أن كانت (خلافة) المعتصم ، وقد تعاظم أمر هذه الحركة، واشتد ساعدها، فعقد المعتصم العزم على مواجهتها، فأرسل إليها جيشًا جعل على رأسه الإفشين وكان من القادة المحنكين الذين خبرتهم الحروب وصقلتهم التجارب، فاستطاع محاصرة بابك الخرمي وأسره والقضاء على حركته، وإحضاره إلى (الخليفة) المعتصم الذي أمر بقطع رأسه .

وكان من خبر “بابك الخرمي” أنه لما علم بقدوم جيش المسلمين ومحاصرته اتصل بملك الروم وحرضه على غزو بلاد المسلمين بحجة أنها خالية من المقاتلين، فاستغل ملك الروم الفرصة وتوجه بجيش عظيم لغزو بلاد المسلمين، فوصل إليها وقتل فيها خلقًا كثيرًا، وأسر العديد من أهلها كان من بينهم نساء وشيوخ .

ثم إن (الخليفة) المعتصم لما علم ما كان من خبر الروم ومهاجمتهم ديار الإسلام وفعلهم الأفاعيل، جهز جيشًا عظيمًا وعقد العزم على فتح عمورية بعد أن استشار أمرائه، فأشاروا عليه بذلك .

وتوجه إليها فوصلها صبيحة يوم الجمعة فوجد أهلها قد تحصنوا بها تحصنًا شديدًا، فحاصرها ونزل منها موضعًا أُشير عليه به، وشدد الخناق عليها. وبدأ التناوش بين الطرفين إلى أن تمكَّن المسلمون من اقتحام حصون المدينة والدخول إليها مكبرين ورافعين رايات النصر.

وجيء بنائب حاكم عمورية، وكان اسمه “مناطس” إلى بين يدي المعتصم فقطع رأسه، وخضعت المدينة منذ ذلك التاريخ لحكم المسلمين، ووافق ذلك الفتح شهر رمضان سنة 223هـ .

لقد كان فتح عمورية نصرًا عزيزًا للإسلام والمسلمين، سببه المباشر استغاثة المسلمات اللاتي وقعن في أسر الروم، فلبَّى (خليفة) المسلمين تلك الاستغاثة وعقد العزم على تخليصهنَّ مما وقعن فيه، وأعاد لدولة الإسلام هيبتها بعد أن كادت تفقدها بسبب خلافات المسلمين بعضهم مع بعض.

وكم هي أمة الإسلام اليوم بحاجة إلى أمثال هذه المواقف الكريمة، بعد أن آل حالها إلى ما لا يخفى على أحد، وأضحت تعيش حالة من الأسر الجماعي .

نسأل الله أن يهيأ لهذه الأمة رجال صدق يستنقذونها من كبوتها وغفلتها، ويعيدون لها هيبتها وكرامتها، بعد أن أصبحت هينة في أعين الأمم، والله ولي التوفيق وعليه التكلان والاعتماد .

معركة الزلاقة 479هـ

موقعة الزلاقة واحدة من أعظم المعارك التي دارت بين المسلمين والإفرنج ( الصليبيين ).

وسبب تسميتها بذلك وقوعها في مكان يسمى ” الزلاقة ” وقد جرت أحداثها في شهر رمضان سنة 479هـ على ما ذكره الحافظ الذهبي في السير ، وغير واحد من المؤرخين .

وكان من شأن هذه المعركة : أن الأذفونش بن فرذلند صاحب طليطلة  قاعدة ملك الإفرنج  أخذ يجوس خلال الديار ويغتصب بلاد الأندلس الواحدة تلو الأخرى ، ويفرض الإتاوة على ملوكها، فنظر المعتمد أحد ملوك الطوائف – في أمره فرأى أن الأذفونش قد داخله طمع في بلاده ، فأجمع أمره على استدعاء يوسف بن تاشفين ( أمير دولة المرابطين في المغرب ) ، فكتب إليه : إن كنت مؤثرا للجهاد فهذا أوانه فقد خرج الأذفونش إلى البلاد فأسرع في العبور إليه ، ونحن معاشر أهل الجزيرة بين يديك .

ولما بلغ يوسف بن تاشفين كتاب المعتمد جهز جيشه وعبر بهم البحر ، وعندما علم أهل الأندلس بذلك ، جهزوا أنفسهم لمساعدة أهل المغرب ، فلما رأى الأذفونش إجماع المسلمين على قتاله علم أنه عام حرب ،فأستنفر الصغير والكبير ولم يدع أحداً في مملكته يقدر على القتال إلا استنهضه ، وكان مقصود ة الأعظم قطع تطلع أهل المغرب عن الأندلس وتخويفهم من القدوم إليها

ولم تزل الجموع تتألف وتتوافد إلى أن امتلأت جزيرة الأندلس خيلا ورجالاًً من الفريقين كل أناس قد التفوا على ملكهم

فلما تكاملت عساكر المسلمين في الجزيرة قصدت الأذفونش ، وكان نازلاً بمكان يسمى الزلاقة بالقرب من بطليوس .

وعلى مقتضى السنة قدم يوسف بن تاشفين كتاباً يعرض على قائد الصليبيين الدخول في الإسلام أو الحرب أو الجزية ، فلما سمع الأذفونش ما كتب إليه زاد في طغيانه وأقسم أن لا يبرح من موضعه حتى يلقى يوسف بن تاشفين ، وكتب إليه كتاباً يصف ما عنده من القوة والعدد وبالغ في ذلك ، فأجابه يوسف بن تاشفين على ظهركتابه بقوله : ” الذي يكون ستراه “. فلما عاد الكتاب إلى الأذفونش ارتاع لذلك وعلم أنه بلي برجل له عزم وحزم فازداد استعداداً .

معركة حارم 559 هـ

من الأحداث المهمة في تاريخ الإسلام ، والتي جرت في شهر رمضان المبارك من سنة 559هـ معركة حارم ، وكان وقت وقوعها وقت فرقة وشتات وفتن تعصف بالمسلمين وتفرِّق شملهم فملوكهم وأمرائهم في قتال مستمر فيما بينهم ، يغزو بعضهم بعضا

ويفتح أحدهم بلداً فيخرجه الآخر منها ، وهكذا دواليك ، والأعداء من الإفرنج يأكلون في بلاد الإسلام أكلاً ، ويتربصون بأهلها الدوائر ، فيأخذون بعض البلاد عنوة ، وبعضها بمساعدة الحكام الخونة .

ورغم هذا الواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة ، فإنه بين الحين والآخر كانت تظهر مواقف مشرفة، تعيد للأمة عزتها وتذكرها بمجدها ، من تلك المواقف انتصار المسلمين على الإفرنج في موقعة حارم ، وحارم حصن حصين في بلاد الشام ناحية حلب ، وحاصل تلك الوقعة أن نور الدين محمود بن زنكي  والي الديار الشامية والمصرية  استغل خروج الروم من عسقلان لقتال أسد الدين شيركوه بمصر ، فاستغاث بعساكر المسلمين فجاؤه من كل فج لمقاتلة الإفرنج ، فالتقى الجمعان في منطقة حارم ، وجرت بينهما معركة كبيرة ، كانت حصيلتها أن أسر المسلمون عددا من قادة الصليبيين ، منهم البرنس بيمند صاحب إنطاكية ، والقومص صاحب طرابلس ، والدوك صاحب الروم ، وابن جوسليق . وقتل منهم مقتلة عظيمة قيل عشرة آلاف وقيل عشرون ألفا ، وكانت وقعة حارم بحق كسرة عظيمة للإفرنج حيث هزموا شر هزيمة، وكتب الله النصر لعباده المؤمنين ، وقد أعادت تلك الواقعة للمسلمين الهيبة في قلوب أعدائهم ، تلك الهيبة التي أذهبها تناحر المسلمين وتقاتلهم فيما بينهم .

وهكذا تبعث هذه الانتصارات الروح في جسد الأمة المترهل ، فتأتي هذه الانتصارات لتعلم المسلمين دروسا في أهمية الاجتماع ونبذ الفرقة ، والوقوف صفا واحدا في مواجهة الأعداء ، وإلا فإن العدو سيأتي علينا جميعاً ، فإما أن نحيا جميعا حياة العز والإباء ، وإما أن نموت جميعاً موت الذل والمهانة ، إنها دروس الزمان التي يجود بها علينا ، ويذكِّرنا بها ، بين الفينة والأخرى لو كان هناك آذانٌ تسمع ، وقلوبٌ تعي ، نسأل المولى عز وجل أن يردنا إلى ديننا ردا جميلا ، إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين

معركة عين جالوت

عندما اجتاحت جحافل التتار مقر (الخلافة) الإسلامية في بغداد ، وقتلوا (الخليفة) وأسقطوا (الخلافة) للمرة الأولى في التاريخ سنة : ( 656هـ 1256م) استولوا بعدها على بلاد الشام ، ثم بدأت أنظارهم تتجه إلى مصر للاستيلاء عليها .

وكان والي مصر آنذاك المنصور علي بن علي بن عز الدين أيبك ( 655  1257هـ) وكان عمره خمسة عشر عاماً وهي سن لا يمكن لصاحبها أن يواجه الخطر المحدق بالأمة وأن يتخذ القرارات الصائبة لردعه ، فلم يجد سيف الدين قطز بداً من خلع الملك الصغير فخلعه وتولى الملك ( 656 هـ) . وبعد هذه الخطوة الجريئة جمع< قطز قادته قبل المسير ، وشرح لهم خطورة الموقف ، وذكرهم بما وقع من التتار في البلاد التي غزوها من شنيع السفك والتخريب ، وما ينتظر مصر وأهلها من مصير مروع إذا انتصر التتار ، وحثهم وهو يبكي على بذل أرواحهم في سبيل إنقاذ الإسلام والمسلمين من هذا الخطر الداهم ، فضج القادة بالبكاء ، ووعدوا ألا يدخروا وسعاً في سبيل مقاتلة التتار ، وإنقاذ مصر والإسلام من شرهم .

المعركة

خرج قطز في الجيوش الشامية والمصرية ، في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين وستمائة هجرية ( 1260م ) ، ووصل مدينة ( غزة) ، وكان فيها جموع التتار بقيادة ( بيدر) ، فداهمها واستعاد غزة من التتار ، وأقام بها يوماً واحداً ، ثم غادرها شمالاً.

وكان كتبغانوين – قائد التتار على جيش هولاكو قد بلغه خروج قطز ، وكان في سهل البقاع ، فعقد مجلسا استشارياً لذوي الرأي ، فمنهم من أشار بعدم لقاء جيش قطز في معركة والانتظار حتى يأتيه مدد من هولاكو  وكان هولاكو قد سافر إلى الصين لحل خلاف وقع بين أخويه – ، ومنهم من أشار بغير ذلك اعتمادا على قوة التتار التي لا تقهر  حسب زعمهم – ، وهكذا تفرقت الآراء .

وبعث قطز طلائع قواته بقيادة الأمير ركن الدين بيبرس لمناوشة التتار واختبار قوتهم ، وتحصيل المعلومات المفصلة عن تنظيمهم وتسليحهم وقيادتهم ، فالتقى بيبرس بطلائع التتار في مكان يقع بين ( بيسان) و ( ونابلس ) و يدعي 🙁 عين جالوت) في ( الغور) غور الأردن ، وشاغل التتار حتى أتاه قطز ببقية الجيش .

وفي يوم الجمعة الخامس والعشرين من شهر رمضان المبارك ، من سنة ثمان وخمسين وستمائة هجرية نشبت المعركة بين الجيشين ، وكان التتار يحتلون مرتفعات ( عين جالوت ) ، فانقضوا على جيش قطز تطبيقا لحرب الصاعقة التي دأب التتار على ممارستها في حروبهم ، تلك الحرب التي تعتمد على سرعة الحركة بالفرسان ، فقتلوا من المسلمين جماعة كثيرة .

وتغلغل التتار عميقاً ، واخترقوا ميسرة قطز ، فانكسرت تلك الميسرة كسرة شنيعة ، ولكن قطز حمل بنفسه في طائفة من جنده ، وأسرع لنجدة الميسرة ، حتى استعادت مواقعها .

واستأنف قطز الهجوم المضاد بقوات ( القلب ) التي كانت بقيادته المباشرة ، وكان يقدم جنوده وهو يصيح : ” وا إسلاماه .. وا إسلاماه .. ” واقتحم قطز القتال، وباشر بنفسه ، أبلى في ذلك اليوم بلاء عظيماً ، وكانت قوات ( القلب ) مؤلفة من المتطوعين المجاهدين ، من الذين خرجوا يطلبون الشهادة ، ويدافعون عن الإسلام بإيمان ، فكان قطز يشجع أصحابه ، ويحسن لهم الموت ويضرب لهم المثل بما فعله من إقدام ويبديه من استبسال .

وكان قطز قد أخفى معظم قواته النظامية المؤلفة من المماليك في شعب التلال ، لتكون كمائن ، وبعد أن كر المجاهد و ن كرة بعد كرة حتى زعزعوا جناح التتار، برز المماليك من كمائنهم وزادوا من ضغط القتال على التتار .

وكان قطز أمام جيشه يصرخ : ” وا إسلاماه .. وا إسلاماه .. يا الله ! انصر عبدك قطز على التتار ” ، وكان جيشه يتبعه مقتديا بإقدامه وبسالته ، فقتل فرس قطز من تحته ، وكاد يعرض نفسه للقتل لولا أن أسعفه أحد فرسانه ، فنزل له عن فرسه .

وسارع قطز إلى قيادة رجاله متغلغلاً في صفوف أعدائه ، حتى ارتبكت صفوف التتار ، وشاع أن قائدهم (كتبغانوين ) قد قتل ، فولوا الأدبار لا يلوون على شيء .

وكان ( كتبغانوين ) يضرب يمينا وشمالاً غيرة وحمية ، فطلب منه جماعة من اتباعه الهرب ، فرفض وقال لهم : ” لا مفر من الموت هنا ، فالموت مع العزة والشرف خير من الهرب مع الذل والهوان ” .

ورغم أن جنوده تركوه وهربوا ، فقد ظل يقاتل حتى قتل .

و اختفى فوج من التتار في مزرعة للقصب ، فأمر قطز جنوده أن يضرموا النار في تلك المزرعة ، واحرقوا التتار جميعاً .

وبدأ المسلمون سواء من الجيش أو من عموم المسلمين بمطاردة التتار، وامتدت المطاردة السريعة إلى قرب مدينة حلب ، فلما شعر التتار باقتراب المسلمين منهم ، تركوا ما كان بأيديهم من أسارى المسلمين . ودخل قطز دمشق في أواخر شهر رمضان المبارك ، فاستقبله أهلها بالابتهاج .

هذه هي معركة عين جالوت ، وتلك هي فصولها تنطق بحق وتتكلم بصدق لتحكي لنا ميلاد أمة تفرقت فهزمها أعداؤها ، فلما توحدت هزمت أعداءها ، إنه درس آخر من دروس الزمان يبين بجلاء أن اجتماع الأمة هو مصدر قوتها بعد تمسكها بدينها وجهادها في سبيله ، وأن الأعداء لن يقفوا أمامها ساعة لو طبقوا هذا الدرس ، نسأل المولى عز وجل أن يجمعنا على الحق والهدى ، إنه ولي ذلك والقادر عليه والحمد لله رب العالمين .